محمد الباز يكتب: مصر في صورتين.. ويكشف دور القدر في حادث انفجار معهد الأورام

السيد موسى

نشر الدكتور محمد الباز، رئيس تحرير جريدة الدستور ومقدم برنامج “90 دقيقة”، مقالًا جديدًا على صفحات “الدستور”، تحت عنوان: “مصر في صورتين”.

وأشار الباز خلال مقاله، إلى صورتين متناقضتين تم تداولها بشكل واسع خلال الفترة الأخيرة، في حادث انفجار معهد الأورام، والذي حظى باهتمام واسع ومتابعة عالمية.

حيث تحدث عن الفرق ما بين سيدة مصرية عظيمة، صاحبة أشهر صورة في انفجار معهد الأوارم والتي كانت برفقة ابنها الذي يتلقى العلاج بالعهد، ووالدة الإرهابي التي ودعته في حديقة الأزهر إلى مثواه الأخير “في عملية انتحارية”.

أبوه تخلى عن المسيحية وترك والدته.. تفاصيل جديدة فى حياة “معاذ” عضو خلية انفجار معهد الأورام

وجاء في المقال:

“هذه أم اسمها فايزة يحبها الله، قريبة هى منه بحنانها وخوفها على صغيرها الذى لم يتجاوز سنواته الأربع، جاءت به من بلدتها البعيدة فى سوهاج، لتقيم فى غرفة صغيرة فى المرج، تتابع جلسات علاجه الكيماوى فى معهد الأورام.

وهذه أم لا يعنينا اسمها، تعتقد أن الله يحبها، رغم بُعدها الشديد عنه، جاءت من قريتها بالفيوم لتودّع ابنها أمام حديقة الأزهر قبل أن يقوم بعمليته الإرهابية، التى فجّر من خلالها محيط معهد الأورام بدم بارد، لتسيل الدماء الساخنة من أكثر من ٢٠ شهيدًا وما يقرب من ٥٠ مصابًا، وفزع كاد يقتلع قلوب أطفال صغار يتلقون العلاج”.

اللقاء الأخير في حديقة الأزهر.. كاميرات المراقبة ترصد وداع منفذ انفجار معهد الأورام لأهله (فيديو)

الفقر

وتطرق إلى احتمالية أن يكون للظروف الاجتماعية دور في قصة كلا منهما، إلا أن السيدة الصعيدية رضيت بما قسم الله لها وخاضت حربًا مع ابنها وفلذة كبدها، على عكس التي رضيت بالأموال مقابل روح ابنها.

فقال: “هذه أم فقيرة على باب الله، زوجها أرزقى، وهى لا تعمل، اختبرها الله بإصابة صغيرها بسرطان فى المخ، فلم تستسلم، خاضت معه رحلة علاج، عملية جراحية، ثم جلسات كيماوى صعبة ومرهقة، لكنها لم تجد أمامها إلا الصبر فصبرت، واحتسبت أجرها عند رب السماء الذى لا يضيع عنده صبر واحتساب عباده الضعفاء قليلى الحيلة.

وهذه أم قد تكون فقيرة، لكنها لم ترفض المال الحرام الذى جلبه لها ابنها الإرهابى فعاشت به وعليه، معتقدة واهمة وجاهلة أنها تجاهد فى سبيل الله، فلم تمانع أن ترى ابنها وهو يذهب بقدميه إلى الموت، بل ليس بعيدًا أن تكون باركت خطواته، ودعت له بالتوفيق”.

“فجأة كله راح”.. قصة وزيرة أبكت عروس انفجار معهد الأورام (فيديو)

رب الغلابة موجود

وتابع: “هذه أم حملت طفلها بين يديها ونزلت به من الدور الخامس بمعهد الأورام، انتزعته انتزاعًا من جلسة العلاج الكيماوى، وجلست به إلى جوار المعهد، يغلبها الخوف ويمزق الفزع نظراتها، طالبة الرحمة من الله صاحب اليد الرحيمة، وهى اليد التى لم تبخل عليها فربتت عليها قائلة لها: رب الغلابة موجود.

وهذه أم انتُزعت الرحمة من قلبها، جلست إلى جوار ابنها، حتمًا كانت تنظر له بنظرات قاسية جامدة لا روح فيها، وليس بعيدًا أنها كانت تحرّضه على العنف والانتقام والتخريب، ولا ندرى بأى شىء ودّعته، ولا ماذا قالت له وهى تعرف أنه يحمل كل هذه المتفجرات فى سيارته ليقتل بها أبرياء لا ذنب لهم إلا أنهم يريدون أن يعيشوا فى أمان”.

لعبة القدر

لقد شاءت الأقدار أن يكون اسم الجانى والضحية واحدًا، الإرهابى اسمه عبدالرحمن، والطفل الصغير مريض السرطان الذى تزاحم على جسده الألم والفزع لحظة التفجير اسمه عبدالرحمن.

أم لطفلين مصابين بالسرطان.. قصة صاحبة أشهر صورة فى انفجار معهد الأورام (صور وفيديو)

فأى مصادفة جعلتنا نقف لنتأمل تصاريف الحياة وتصرفات القدر؟

عبدالرحمن الأول مواليد العام ١٩٩٥، وعبدالرحمن الثانى مواليد ٢٠٠٥، الفارق بينهما ٢٠ عامًا كانت كفيلة بأن يصبح عبدالرحمن الأول عضوًا بحركة «حسم» الإرهابية التابعة لجماعة الإخوان، وقادته إلى أن يكون مطلوبًا على ذمة القضية ١٢٢٢٠١٨ جنايات عسكرية «طلائع حسم».

وفى الوقت الذى كان يتفاعل فيه عبدالرحمن الأول مع الجماعة الإرهابية، يتلقى من قادتها الهاربين الأوامر لتنفيذ عمليات إرهابية ضد مواطنين أبرياء، معلنًا الحرب على الحياة، كان عبدالرحمن الثانى يصارع الموت ويرفضه ويجاهد من أجل الحياة متحديًا الموت، ففى اللحظة التى تحول فيها عبدالرحمن الأول إلى أشلاء بالتفجير الذى نفذه، كان عبدالرحمن الثانى يلملم أشلاءه رافضًا الفناء، مستسلمًا لجرعة علاج صعبة ومرهقة.

لقد انتصرت القلوب البيضاء الصافية المحبة للحياة، رغم الألم، على القلوب السوداء المظلمة المحبة للفناء فى حادث معهد الأورام، وكان لا بد أن تنتصر، فالعدم لا يستطيع الصمود فى وجه الحياة، والذين يعانون من أجل البقاء أقوى من الذين يتلقون التمويلات من أجل الفناء.

تجلس أم عبدالرحمن الإرهابى الآن يأكلها الخوف والقلق والتوتر من مصير ستلاقيه، بعد أن ودّعت ابنها للموت واستقبلت خبر مقتل شقيقه الذى أعانه وهو يحاول الهرب، بينما تجلس أم عبدالرحمن الذى يتحدى المرض مطمئنة، فالله الذى أنقذ طفلها من الموت فى حادث إرهابى قادر على أن يمنّ عليه بالشفاء، ويخرجه من متاهة السرطان القاسية.

أول ظهور لوالد نعمة طارق عروسة انفجار معهد الأورام (صور)

ضع أمامك صورة أم عبدالرحمن الإرهابى، وصورة أم عبدالرحمن المريض.

تأملهما جيدًا، ماذا ترى فيهما؟

سأتركك بعض الوقت لتكوّن رأيك الخاص، لكن اسمح لى أن أقول لك ما رأيته أنا.

فى الصورتين سنجد مصر وناسها.

فريق يجاهد من أجل الحياة رغم الألم، يتحمل فى ذلك كل ما نتخيله من صعاب.

وفريق استسلم للشيطان، تحالف مع جنوده، خضع لسلطانه، باع نفسه، وقرر تخريب كل شىء.

لقد استمعت لأم عبدالرحمن المقاوم، سيدة مصرية فقيرة قليلة الحيلة، لكنها صامدة، نبرات صوتها رغم وهنها إلا أنها متحدية وماضية فى إنقاذ نصيبها من الحياة، وتخيلوا أنتم صوت أم عبدالرحمن الإرهابى الآن، حتمًا سيكون صوتًا مخنوقًا مرتعشًا منسحبًا، فقد قتلت ولديها وخسرت الدنيا والآخرة.

لن أستعجلكم وأطلب منكم أن تقولوا لى ماذا رأيتم فى الصورتين، فقط سأقول لكم إن حادث معهد الأورام علّمنا من جديد أن أبناء الحياة يعيشون مرفوعى الرأس، وأبناء الموت يمضون يلاحقهم العار إلى الأبد.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة


CIB
CIB
إغلاق