• بحث عن
  • كيف يستغل الفنانين ورجال السياسة الجماهير؟

    ألمت النكسة عام ١٩٦٧ الشعب المصري وحطمت ٱماله، وقتلت روحهم المعنوية، تحت رئاسة جمال عبد الناصر، إثر هذه الفاجعة خرج “ناصر” يعلن للشعب المصري تنحيه عن رئاسة البلاد، ورفضت الجماهير المصرية هذا القرار وطالبته بالعودة لحكم البلاد مرة أخرى.

    كان للرئيس جمال عبد الناصر هيبة وشخصية “كاريزما” لا ينكرها أحد، مكّنته من فرض سيطرته من خلال خطاباته التي كانت تلهب مشاعر الجماهير وتلعب على أوتار عواطفهم، فمنذ البداية كان يعرف سيكولوجية الشعب المصري ومزاجه، يعلم أنه يحب الفكاهة والنكتة والضحك، فخاطبهم بهذه “اللعبة”، سخر من حكام العرب ومن معارضيه، خاصة جماعة الإخوان المسلمين في مسألة فرض الحجاب، بل أقنعهم بخلوده، “كان عبدالناصر يُعطينى شعورًا خرافيًا بالخلود، فلم أتصور أن يأتى يوم يموت فيه كما يموت البشر”. مذكرات نجيب محفوظ لرجاء النقاش.

    إذن، كيف لعب عبد الناصر على مشاعر الجماهير، بكل تصنيفاتهم؟

    فسّر جوستاف لوبون هذه المسألة في كتابه”سيكولوجية الجماهير”، من خلال تحليله لوعيهم وأخلاقهم والمبادئ التي يركن إليها الجمهور، فأوضح أن الجمهور يسهل اقتياده، من خلال الخطابات البلاغية، التي تقصد عواطفه ومشاعره، ومن خلال الصور الحماسية التي تعتمد على الشعارات التي لا يكتشف الجمهور فحواها أثناء تجمهره، والسماح لشخص ما بقيادتهم، فيسهل السيطرة عليهم من خلال العبارات أمثال، عيش، حرية، عدالة اجتماعية، دون أن يفكروا ولو لحظة واحدة في معنى هذه العبارات.

    ويتابع “لوبون”، “الجماهير لا تميل للحقيقة، ومن يطالعهم بها يديرون وجوههم الناحية الأخرى، يحبون الأوهام، كما أن القائد الفطن البارع في استخدام الخيال الشعبي للجمهور، يستطيع دفعهم لأفظع الأمور شرا إن أراد”.

    في ثورة 25 يناير 2011، خلع الشعب المصري حسني مبارك وأسقطوه عن الحكم، ثم ضربوا صورته بالنعال، ونال الشتائم والسباب.

    “لوبون”، يقول أن الشعوب والجماهير، تحتقر الحاكم عندما تشعر بضعفه، فهي لا تحب الحاكم الطيب، ترى هذه الطيبة ضعف، يهابون القوي، يميلون إليه، وإلى من يصدر لهم الأوامر بقوته، بل ينصبون له التماثيل.

    يوضح “لوبون”، أن الفرد بين الجماهير تندمج مشاعره وأخلاقه معهم، في الشر والخير. فهو لا يستطيع التفرقة بين المتناقضات، الجمهور يفكر باللاوعي، بدون عقل، يفكر بالصور والكلمات والشعارات. تمر عليه الأمور المتناقضة دون أن يلاحظها، بلا يستطيع ملاحظتها أبدا.

    ويتابع، الجمهور التي تثور مرة واحدة، لتحقيق شئ ما، لا تكمل مسيرتها، فهي تثور فجأة، لتغيير الأمور التي تستلزم إرادة دائمة، وهذا لا يتوافر دوما. لأن الشعوب التي تسمح لأخلاقها ونمط حياتها بالثبات لقرون عديدة، تحتاج لقرون لتغييرها، مثل مصر، أرادت الجماهير أن تغير كل الأمور فجأة وبسرعة، وهو ما ينفيه”لوبون” مؤكدًا أن هذه اليقضات لا تغير سوى شكل ومسيمات المؤسسات فقط، حتى وإن حدث تغير طفيف لوقت قصير، لكن سرعان ما تعود لممارساتها الماضوية، وتخرج هذه الشعوب من تلك الفترات إلى مرحلة من الانحطاط.

    يقودنا “لوبون”، لتفسير ظاهرة تسترعي الانتباه خلال هذه الأيام، عندما يستغل الفنانين المصريون الجمهور، خاصة بعدما يرتكبوا أشد الأخطاء فظاعة، وسرعان ما تعود العلاقة جيدة، وكأن شيئًا لم يحدث.

    منذ سنوات، تبرأ الفنان أحمد عز من زيجته للفنانة زينة وتبرأ من أولاده، ومنذ أيام حضر رجل الأعمال نجيب ساويرس وأحمد حلمي وزوجته الفنانة منى زكي، والمطرب محمود العسيلي ومصطفى وحسين فهمي، حفل المطربة جينيفير لوبيز التي أيدت الصهيوينة أثناء إقامتها حفل بالأراضي الفلسطينية المحتلة، رغم مطالبات من  حركات مناهضة للصهيونية ورواد مواقع التواصل الإجتماعي بإلغاء بإقامة حفلتها في مصر. والعديد من المواقف المخزية التي يرتكبها نجوم الفن والرياضة والسياسة أو نجوم”السوشيال ميديا”.

    يقول”لوبون”:” الهيبة هي عبارة عن نوع من الجاذبية التي يمارسها فرد ما على روحنا، أو يمارسها عمل أدبي ما أو عقيدة ما، وهذه الجاذبية الساحرة تشل كل ملكاتنا النقدية وتملأ روحنا بالدهشة والاحترام”.

    لذا تتحكم هيبة الفنانين والكُتاب والأدباء، في تشكيل وعي الجمهور ومواقفه، دون أن يبذلوا أية جهد مضني وكبير، فعندما تنجح رواية أو عمل أدبي وفني ما، بغض النظر عن جودته، أو يتخذ فنان ما موقفًا مغايرًا لرغبة الجمهور، تفرض هيبته عليهم احترام موقفه، وربما لو كتب يرد عليهم بما يلعب على عواطفهم ومشاعرهم، فنجد الأمور تغيرت فجأة من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، فالجمهور كورقة تحركها الرياح بكل سهولة.

    ونعود لـ”لوبون” يقول:”إن الهيبة المكتسبة أو الاصطناعية أكثر انتشارًا بكثير، فيكفي أن يحتل فرد ما منصبًا معينًا، أو يمتلك ثورة ما أو يتزيا ببعض الألقاب حت يصبح مكللًا بهالة الهيبة أياً تكن قيمته الشخصية منعدمة أو منحطة”.

    في النهاية ستظل الجماهير دائمًا أدني مرتبة من الإنسان الفرد فيما يخص الناحية العقلية والفكرية، ويمكن لهذا الجمهور أن يسير نحو الأفضل أو الأسوأ، وكل شىء يعتمد على الطريقة التي يتم تحريضه وتحريكه بها.

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    مقالات ذات صلة


    CIB
    CIB
    إغلاق