• بحث عن
  • شخصية “إحسان”.. وشرف المُراسل الحربي

    رُبما أصبح على أحد صناع فيلم “الممر” وليكن كاتبه “شريف عرفة”، أن يُطل عبر أية وسيلة إعلامية، لكشف السر وراء اختيار شخصية “إحسان”، التي أثارت حفيظة أهل الصحافة، ممن رأوا خروجه بهيئة الشاب الهزلي المُنحل الذي يهاب الموت، ما يُسئ إلى أبناء المهنة، وبخاصة المراسل الحربي، الذي طالما عُرف بالشجاعة، والمسئولية، والصدق في نقل وقائع المعارك دون تردد أو خوف.

    فرغم الثقة التامة من جانب المُنتقدين لشخصية “إحسان” في سلامة نوايا صُناع هذا الفيلم الوطني، والحرص على إبراز كافة شخوصه على النحو الذي يُجسد البُطولات والتضحيات، ويُسهم في رفع الروح المعنوية لأبناء الوطن في هذ الظرف الدقيق، إلا أن ذلك لم يحُل دون إبداء التضرر على نطاق واسع من ظهور المراسل الحربي بهذا الصورة الصادمة، التي قد تُسيء لدوره الوطني، في تأريخ المعارك، والذي لا يقل عن دور الجندي والضابط.. فمن يحمل القلم والكاميرا في ميدان المعركة، هو في خندق واحد، كتفاً بكتف، إلى جانب من يحمل البندقية والآر بي جي.

    ولعل انتفاضة أهل الصحافة لصورة المُراسل الحربي، تأتي في مقدمتها ثورة من كان لهم شرف أداء تلك المهمة النبيلة، حيثُ نقل موقع “القاهرة 24” عن الإعلامي القدير حمدي الكنيسي، رفضه لما بدر عن مؤلف فيلم الممر، مؤكداً أن هذا الدور لا علاقة له بالمراسل الحربي، وأن الكاتب أخطأ حينما اختار ممثلاً كوميدياً لأداء هذا الدور الذي يتسم بالجدية الشديدة، كما نقل الموقع عن الكاتبة هبة باشا ابنة محمد باشا، الذي عمل محرراً عسكرياً في جريدة الأهرام لمدة 45 عاماً، أن المراسل العسكري لم يكن أبدا مهزوز والقوات المسلحة لم تكن لتوافق يوماً على ترشيح أي جرنال لصحفي بهذه المواصفات ولا تاريخه المهني كان فى نشر أخبار البارات.

    وفي تدوينة مُثيرة للشجن، نشر الكاتب الصحفي محمود التميمي على حسابه الخاص على موقع التواصل الإجتماعي “فيسبوك” قائمة للمراسلين الحربيين الذين خاضوا غمار هذه التجربة الشجاعة، الذي ذكر أنها خاضها بمرافقة القوات المسلحة في العملية نسر سنة 2012، لافتاً إلى أنه لولا عبده مباشر المراسل الحربي لما عرفنا بطولة الشهيد ابراهيم عبد التواب في معركة كبريت، ولولا جمال الغيطاني المراسل الحربي لما عرفنا ماذا قدم ابراهيم الرفاعي و من معه بهذا الأسلوب الآسر، ولولا انطون البير ومكرم جاد الكريم وفاروق إبراهيم لما ورثنا الصور العظيمة لإستسلام أسرى بارليف، كما نشر “التميمي” أسماء لشهداء الصحافة في ساحة القتال، وهم الشهيد حسن عبد القادر، المصور بجريدة الجمهورية، الذي استشهد عام 1970 أثناء تأدية دوره كمصور صحفي عسكري، والشهيد محمد بخيت أبو السعود، المحرر بجريدة المساء، الذي استشهد في عام 1969 أثناء تأديته لدوره كمراسل حربي.

    وإلحاقاً بهذه الإنتفاضة، فقد قرأت الكثير من ردود الأفعال الغاضبة التي جاء بعضها ساخطاً، وجاء الآخر منضبطاً، ليوضح حقيقة المواصفات والشروط التي يتم على أساسها اختيار المراسل الحربي، والتي تخضع لمعايير مُنضبطة، تضمن أن يكون على قدر عال من المسئولية والوطنية، وأن لا يكون قد تعرض خلال مسيرته الصحفية لما يمس شرفه أو سمعته، فهو في نهاية الأمر يقترب من أسرار غاية في الخطورة، ويكون الحرص على شخصاً جانًباً هاماً من الحرص على المهمة العسكرية ذاتها.

    ورغم أنني لم أكن منذ البداية متفقاً مع وجهة النظر الغاضبة تجاه شخصية “إحسان” في فيلم الممر، إلا أن ردود الأفعال جعلتني مدفوعاً إلى تغيير وجهة النظر، واعتبار أن في هذه الشخصية ما يمس هيبة دور المراسل الحربي، وكنت انتظر توضيحاً تأخر كثيراً من صناع الفيلم، حتى وجد الفنان أحمد رزق نفسه مدفوعاً إلى الرد على تساؤل حول هذه النقطة في حواره مع الإعلامي وائل الإبراشي أمس، متقدمًا باعتذاره للصحفيين المُنزعجين من الدور، مؤكداً أن “الشخصية لا تحمل أى إساءة للصحفيين.. بل هي نموذج إيجابي قرر أن يتطهر من أخطاءه التي كان يقترفها”.

    ساهم “المُراسل الحربي” على مدار الحُروب التي خاضتها مصر، ليس فقط في النقل الحي لوقائع المعارك والبطولات، ولكن في التجسيد بالصورة والكلمة، لقصص إنسانية مُلهمة لم تخلو منها مسيرة الكفاح الوطني عبر العصور، ويستحقُ شرف هذه المهمة من صناع الفيلم تقديم اعتذار واجب لكل من قام بهذه المهمة الجليلة، إذا لم يكن لديهم تفسيراً واضحاً حول سر ظهور شخصية “إحسان” على هذا النحو المُثير للجدل.

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    مقالات ذات صلة


    CIB
    CIB
    إغلاق