• بحث عن
  • سخرة واستعباد.. السماسرة يوظفون اللاجئين بأعمال شاقة في المصانع والمزارع

    مصطفى حسني

    في ظل الأجواء الصيفية بمنتصف شهر أغسطس 2018، وقف أحد السماسرة ببشرة بيضاء وقامة طويلة، بجانب حسن خالد، أربعيني العمر سوداني الجنسية، على بعد خطوات من مفوضية اللاجئين بمدينة 6 أكتوبر بالجيزة، يعرض عليه العمل في إحدى المزارع التي تقع على طريق إسكندرية الصحراوي.

    “يوجد طعام وسكن والعمل 8 ساعات فقط”.. يعدد السمسار مميزات العمل ليوافق حسن، ومن هنا تبدأ معاناته في العمل، ويبدأ في سرد قصته وتعرضه إلى الاستغلال والسخرة عن طريق السمسار، قائلًا: “تفاجأت أن العمل طوال اليوم والطعام والمسكن غير آدمي.. مخدتش يوم واحد إجازة”.

    طالب “حسن” من السمسار أن يأخذ يوم وحيد عطلة، وكان رد فعله بتهديده واحتجاز جواز السفر “اخذ مني جواز السفر وقالي مفيش إجازة غير بعد ما موسم الزراعة يخلص”. واستمر حسن بالعمل شهرين متواصلين، وبعد انتهاء موسم الزراعة طالبه بالأجر الذي اتفق عليه، “قالي إني لو أخذت مرتبي ممكن اهرب من المزرعة ولما هددته بالشكوى إلى المفوضية استعدت جواز السفر ولكن أخذت أجر شهر واحد وهو 1800 جنيهًا ما يعادل 110 دولار”.

    اضطر اللاجئ السوداني إلى قبول العمل بسبب ظروف المعيشة الصعبة التي يعاني منها في مصر “أنا مليش مكان أعيش فيه وبنام أحيانًا على الرصيف وساعات في الصحراء، علشان كدا وافقت على عرضة”، وينهي حديثه قائلًا: “المفوضية لا تمدنا بأي مساعدات مادية ولا توفر أي مسكن، كل ما توفره هنا هو الحماية”.

    عمل اللاجئين بالمزارع
    عمل اللاجئين بالمزارع

    الهروب من التجنيد القسري للعمل بالمنازل

    أما رشا عثمان فهي لاجئة من إرتريا، فرت مع أطفالها هربًا من التجنيد القسري في بلادها، تقطن حاليًا بمنطقة فيصل بالجيزة.

    خاضت “عثمان” رحلة شاقة للوصول إلى مصر، بدأت من أسمرة عاصمة إرتريا، وصولا إلى حلايب وشلاتين، ومنها إلى أسوان. تقول رشا: “الرحلة استمرت أسبوع تعرضت فيه إلى ظروف قاسية ومحاولة اغتصاب من أحد سماسرة التهريب الذين نقلونا من حلايب إلى أسوان”.

    بعد الوصول إلى مصر، بحثت رشا عثمان عن عمل يعينها على الوفاء بمتطلبات الحياة، وتحكي عن ظروف عملها في المنازل قائلة: “عملت 18 يوم وكان الاتفاق معي على 150جنيهًا، ما يعادل 9دولار في اليوم، لم احصل منهم على شيء”.

    اضطرت اللاجة الإرترية إلى ترك العمل بسبب التعرض للإهانات اللفظية من صاحبة العمل “للأسف كنت مضطرة أتحمل الإهانات وقبول ذلك العمل علشان أقدر على تحمل مصاريف عيالي، وخصوصًا أنني ليس لي عائل”. وقررت رشا عثمان أن تعمل لدى عائله أخرى، إلا أن الأمر ذاته تكرر ولم تحصل على مرتبها بعد أن عملت 12 يومًت “هربت بسبب تعامل نجل صاحبة البيت، وإهانتها المستمرة، ولم أحصل على أي مقابل، ولم أطالب بشيء علشان عارفه إني مش هأخذ حقي”.

    أعداد اللائجين الأفارقة بمصر

    القانون يحظر عمل اللاجئين والسخرة

    اللاجئين الأفارقة يتعرضون للاستغلال لأن معظمهم يعمل دون عقود، والدستور يمنع اللاجئ عن العمل، وبالتالي يكون غير قادر على إثبات حقه.

    القانون أيضًا يمنع السخرة في العمل والإتجار في البشر، ولكن الإشكالية هي كيفية إثبات ذلك بحسب أحمد بدوي، رئيس مؤسسة مساعدة اللاجئين قانونيًا، وتابع قائلًا: “نحن طوال الوقت نحاول توعيتهم بذلك الأمر، حتى وإن كان بعقد عمل غير رسمي”.

    وعن دور المفوضية السامية لشئون اللاجئين، في حل الأزمة ومساعدة اللاجئين، يقول بدوي: “من المفترض أن دورها الأساسي توفير فرص بديلة وآمنه للعمل، أما دور الدولة المصرية في الاتفاقية الدولية هو في استقبال اللاجئين وعدم ردهم، أما بالنسبة للخدمات والسكن والطعام، والصحة والدعم المالي، ذلك يكون دور المفوضية”، موضحًا أن هناك سوء عدالة في توزيع الخدمات، وسوء تقدير لخدمات اللاجئين، وتلك هي الإشكالية الأكبر.

    لاجئ يرقد على رصيف المفوضية

    الأمر ذاته تكرر مع اللاجئ شمس الدين، من جنوب السودان، الذي يجلس على الرصيف المقابل للمفوضية، يغطيه التراب مرتديًا ملابس مهلهلة بجانبه بطاطين وملابس وزجاجات مياه وأدوات طهي.

    تقدم شمس الدين بطلب للجوء في فبراير 2018، بعدما خاض رحلة شاقة من السودان إلى مصر هربًا من الحكومة في بلاده، حتى عمل في مصنع زجاج لمده شهرين دون أن يتقاضى أي أجر، وعن ذلك يقول: “اتفق معي سمسار أنا و54 شخص من جنسيات عربية وإفريقية على العمل شهريًا بملغ 3000 جنيها، ما يعادل 184دولار، حتى وجدنا أن العمل دون أجر وتعرضنا إلى جميع مظاهر العبودية داخل المصنع.. كنا ننام على الأرض ونتناول وجبه وحيدة في اليوم”. ويرى شمس الدين، أن معظم اللاجئين في مصر يضطرون إلى العمل في ظروف قاسية بسبب عدم وجود مأوى لهم “طبيعي أن الواحد ملوش مكان ينام فيه هيبقي بيدور على أي فرصة عمل”.

    هناك تمييز في العمل بين مواطن البلد المضيف واللاجئ، بجانب أن مصر لديها أزمة اقتصادية، وبالتالي هناك عبئ عليها، والإشكالية أن اللاجئين يمتهنون أعمال هامشية، والجهة الوحيدة التي توفر العمل هم السماسرة، الذين ينتهكون حقوق اللاجئ من الأساس.

    وبحسب أمير خالد، رئيس جمعية الأجنحة القوية لخدمات اللاجئين، فإن السمسار يقوم بتحصيل مبلغ مالي من الطرفين وهما اللاجئ وصاحب العمل، مشددًا أن المهاجر يحتاج إلى تأهيل نفسي نتيجة الحروب والمشاكل التي تعرض لها، لافتًا إلى أن المفوضية السامية لشئون اللاجئين تتعامل بصورة عشوائية، وفي حالة تقدم اللاجئ بشكوى يكون هناك تسويف لها، والرد يكون سلبي وتقدم مجرد شعارات.

    زهراء السنوسي، لاجئه من تشاد ثلاثينية العمر، بدلت المآسي التي تعرضت لها ملامح وجهها فبدت وكأنها عجوز. لجأت “زهراء” إلى مصر بسبب الحرب الأهلية في بلادها، وحينما وصلت إلى القاهرة بأطفالها أخذت تبحث عن مصدر رزق لهم، وقالت: “اشتغلت عاملة لدى أسرة في المهندسين لمدة أربعين يوم، وتعرضت للتحرش من صاحب المنزل، وعند الشكوى إلى زوجته تعرضت للإهانة والطرد من المنزل”.

    “تعرضت للإهانات العنصرية بسبب لون بشرتي، وتم تهديدي ومحاولة الاعتداء عليا بالضرب”، هكذا أضافت اللائجة التشادية، مبينةً أن الاتفاق بينها وبين وصاحبة المنزل على شهرية تبلغ ثلاثة الآف و500 جنيه، لم تحصل منها على شيء بعد شكوتها من التحرش، وتكررت العبارات العنصرية، والمضايقات مع زهراء في أثناء عملها ولكن مع عائلة أخرى، فتقول: “كنت أتعرض إلى إهانات وكلام عنصري، ومنها انتي حشرة ولو موتي ولا تسوي حاجة”. وتقدمت زهراء بشكوى للمفوضية، ولكنها لم تتلقى أي رد فعل من الموظفين، على حد قولها.

    الإعلان الرسمي لحقوق الإنسان

    وفقًا للمادة 23 للإعلان الرسمي لحقوق الإنسان، فإن لكلِّ شخص حقُّ العمل، وفي حرِّية اختيار عمله، وفي شروط عمل عادلة ومُرضية لجميع الأفراد، دون أيِّ تمييز، بجانب الحقُّ في أجٍر متساوٍ على العمل المتساوي. وأنه لكلِّ فرد يعمل حقٌّ في مكافأة عادلة ومُرضية تكفل له ولأسرته عيشةً لائقةً بالكرامة البشرية.

    “أنا أتعرض للذل والإهانة والاستغلال بسبب أنى لأجيء ولون بشرتي سمراء”، بتلك الجملة يبدأ أحمد مصطفى، اللأجيء إفريقي، صاحب الـ 24 عامًا، حديثه كاشفًا عما حدث بينه وبين أحد السماسرة، والذي اشترط علىه حصوله على 300 جنيهًا شهريًا، ما يعادل 18 دولار، مقابل عمله في إحدى المزارع، مما اضطره لقبول العرض لعدم وجود ملجأ له في مصر، “أنا بنام على الرصيف وليس لي مكان”.

    اللاجئ أحمد مصطفى
    اللاجئ أحمد مصطفى

    كان الاتفاق بين أحمد والسمسار على عدد ساعات محددة وبملغ 3500 جنيهًا حتى فوجئ أن ساعات العمل تصل إلى 12 ساعة في اليوم، والمبلغ 2450 جنيهًا “كان يقول مفيش فلوس لما بنعترض على طول مدة العمل ويتم تهديدنا”.

    تنص المادة 12 من الدستور المصري على أن “العمل حق وواجب وشرف تكفله الدولة، ولا يجوز إلزام أي مواطن بالعمل جبرا، إلا بمقتضي قانون، ولأداء خدمة عامة ولمدة محددة وبمقابل عادل، ودون أخلال بالحقوق الأساسية للمكلفين بالعمل”.

    استغلال للاجئين يكون سببه عدم وجود منافذ قانونية للعمل داخل الدستور المصري، تسمح له بالعمل بشكل رسمي من قبل السلطات المصرية، بحسب معتصم أحمد، المتحدث الإعلامي بهيئة اللاجئين السودانيين.

    وأضاف، أن اللاجئ وضعه الاقتصادي سيئ للغاية، وذلك لعدة أسباب، منها أن مكتب الأمم المتحدة هنا في مصر لا يقوم بمساعدة اللاجئ على المستوى المادي أو القانوني، بجانب أن اللاجئ عند تقديم طلب التظلم من صاحب العمل الحكومة المصرية تطالبه بوجود عقد عمل وذلك غير مسموح به من الأساس من السلطات المصرية، وبالتالي للاجئي مضطر أن يقبل أي عمل متاح وخاصة أن اللاجئ ليس لديهم مسكن أو عيشة كريمة.

    ويستطرد معتصم قائلًا: “المجتمع الدولي يتجاهل حقوق اللاجئين بصورة مقلقة، ويكون ذلك على أساس لوني وعرقي ويتم استغلال أطفال ونساء بصورة كبيرة في العمل، قد تصل إلى الاستغلال الجنسي”.

    في أحد مناطق مدينة السادس من أكتوبر، التقينا مع أحد سماسرة اللائجين الأفارقة، وبلكنة صعيديه ونبره غاضبة بدأ حديثه قائلًا: “معظم المرتبات يحصل عليها اللاجئين بالكامل في الموعد المحدد، وهم من يبحثون عن العمل داخل المصانع”، نافيًا أن يكون السمسار من يعرض الوظيفة عليهم.

    وعن حصوله على مقابل مالي من اللاجئ مقابل توفير عمل، يقول السمسار: “أنا لا احصل على أي فلوس من أي لأجيء، وهناك البعض بالفعل يحصلون على 200جنيهًا، ما يعادل 12 دولار، مقابل ذلك”، وعن مرتبات اللاجئين في تلك المصانع التي تقع في مدينة 6 أكتوبر يقول” “من 2400 إلى 2700 جنيهًا، ما يعادل من 147 إلى 170 دولار، ودوري يكمن في توظيف العمال في المصانع كأي شركة توظيف”.

    وعن شروط حصول اللاجئ على وظيفة، يقول السمسار: “أن يكون جميع أوراقه سليمه ولديه إقامة حتى أقبل على توظيفه في المصنع، وتلك هي الشروط الوحيدة”.

    يرى السفير أحمد القوسيني، مساعد وزير الخارجية الأسبق لشئون اللاجئين، أنه يوجد في مصر حق الملجأ والتعليم والرعاية الصحية، نافيًا وجود أي عمليات استغلال تحدث للاجئين وإن حدثت ستكون في حالات فرديه، وعمن يتعرض في العمل إلى الاستغلال من أحد السماسرة، يقول “القوسيني”، إنه عليه التوجه إلى قسم الشرطة، وتقديم بلاغ، لأن ذلك يُعد إساءة وسخرة وهو شيء غير مسموح به ومُجرم، وعليه الشكوى في مفوضية اللاجئين وهي تتولى أرسال تلك الشكوى لإدارة اللاجئين في وزاره الخارجية، ويتم إرسالها إلى أجهزة الأمن، ويقع عقاب قانوني وقضائي على من يفعل ذلك الجرم.

    وعن توفير فرص عمل للاجئين في مصر لحمايتهم من استغلال السماسرة، يقول: “معظم الدول من الأساس لا توفر فرص عمل للاجئين بسبب وضعها الاقتصادي السيئ، ونحن لدينا 5 مليون مواطن سوداني يعيشون بشكل آمن، ودور المفوضية هو أن تمدهم بالمساعدات للمسكن وتوفير والعمل، فالقانون المصري لا يسمح بعمل اللاجئ، ومع ذلك السلطات المصرية تتغاضى عنهم في ممارسة الأعمال بشكل إنساني”.

    على الجانب الآخر، كان رد المفوضية السامية لشئون اللاجئين، على استغلال اللاجئين والسخرة في العمل، أنه أي لأجيء تعرض إلى واقعة أو حادثه في الشارع أو أمام مفوضية اللاجئين يتم إبلاغ الشرطة، وذلك الأمر ليست مسئوليتهم كونهم لا يقومون بدور الشرطة.

    وأضافت: “وبالتأكيد نقوم بتوعية اللاجئين لرفض تلك الممارسات.. كما نقوم مع شركائنا بتزويد اللاجئين بالتدريب المهني، ونقوم بإمدادهم بالتدريبات اللازمة لتنمية مهاراتهم الشخصية والحياتية. وتقدم المفوضية المشورة من أجل مساعدة اللاجئين وطالبي اللجوء على المشاركة في أنشطة سبل العيش المستدامة”.

    وعن الخدمات اللي تقدمها المفوضية للاجئين، بينت أنها توفر لطالبي اللجوء واللاجئين الحماية والمساعدة بالتنسيق مع الحكومة المصرية وشركائها. وتقوم المفوضية بتسجيل وتوثيق اللاجئين وطالبي اللجوء لكي يتم تقنين وضعهم في مصر.

     

    حصل هذا الإنتاج على دعم جائزة إعلام الهجرة  Migration Media Award الممولة من الاتحاد الأوروبي.

    المعلومات والآراء الواردة في هذا الإنتاج هي آراء المؤلف ولا تعكس بالضرورة الرأي الرسمي للاتحاد الأوروبي. لا تتحمل مؤسسات وهيئات الاتحادد الأوروبي ولا أي شخص يتصرف نيابة عنها مسؤولية استخدام المعلومات الواردة فيه.

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


    CIB
    CIB
    إغلاق