• بحث عن
  • المدعرتوبيا

    إهداء إلى من يخشون القلع والمليطة وقلة الأدب.

    ..

    أتمنى دائما أن أجلس في الأعالي بجوار الله، أشاهد العالم والناس وحكاياتهم كفيلم السهرة، وأرجع إلى أصول بعض الأمور التي أجهل من بدأها حتى تأصلت بالشكل الذي لا يمكننا محوه، أحد أهم هذه الإشكاليات كان “من زرع في عقول أهالينا أن حريتنا ورغبتنا في الاستقلال عن قبضة أياديهم تعني إننا نريد القلع والسرمحة براحتنا ونجيب شباب وبنات لبيوتنا؟ اللعنة على من رسخ هذه الجملة تقريبا في كل البيوت المصرية، المسموح فيها بمثل هذه النقاشات أو الخطوات، بالطبع لأن هناك بيوت حتى الكلام فيها ممنوع!

    أغلب الفتيات اللواتي استقلن عن منازل أهاليهن، واجهن هذه الفكرة ونظرات الشك من أهاليهن، حتى لو هناك دوافع كالسفر والعمل ومشقات الطريق وغيره وغيره، وحتى لو كانت العلاقة في أحسن الظروف جيدة بين الفتيات وأهاليهن، تظهر مجموعة من النصائح يحاول فيها الأهالي إبراز مخاوفهم الداخلية في أنه من الممكن أن يحدث مما يخافون وتجلب إليهم بنتهم العار، لماذا من الأساس كل هذا؟ في كل مرة يدار فيها نقاش كهذا مع والديّ وتأتي هذه الجملة، أرد ردا عنيفا يصدمهما “أي بنت.. أو أنا لو عاوزة أعمل حاجة هعملها ومش هتمنعوني، أنا بقضي كل يوم برا البيت أكتر من 14 ساعة وبيتبقوا عارفين إني في الشغل أو مع صحابي ولو عوزت أعمل حاجة غلط هعملها، هتعرفوا؟ مش هتعرفوا، بس أنا مش كده فبلاش كده”.

    وددت في كل مرة يأتي سياق الحديث لتقليص حريتنا كفتيات في رغبتنا في “القلع” أو “قلة الأدب”، أن أخبر الجميع أن هذا أسهل ما في الأمر، وأن الحياة ورؤوسنا مليئة بأشياء أكثر أهمية من مخاوف ولى زمانها وآن لها أن تتبدل بمخاوف أخرى أكثر منطقية واحتراما لكوننا “بنات أو ستات”، الفتاة لا تريد القلع وقلة الأدب.. الفتاة تريد أن يكون بيدها قرارها.. لا أن تقررون لها.

    ..

     

    خناقة الشعراوي، التي هي حديث الجميع الآن، بدأتها أسما شريف منير عندما سألت عن ترشيحات لشيوخ يمكنها متابعتهم، وعندما رشح أحدهم الشيخ شعراوي، قالت إنها لا تحبذه بسبب تطرفه، قامت الدنيا ولم تقعد، كيف لفنانة شابة أن تحكم على شيخ جليل بالتطرف؟ بقى أنتي ياللي بتطلعي على الشاشة شبه عريانة تقولي على شيخنا الفضيل متطرف؟ خليكي في الفن بتاعك وملكيش دعوة بالدين.

    هجوم حاد طال المسكينة لمجرد إن أحد الشيوخ لم يعجبها، الهجوم لم يطلها وحدها، بل كل الفتيات اللواتي نشرن آرائهم بخصوص الشيخ الشعراوي، لتنهال عليهم “السباب وأبشع الشتائم والاتهامات” من “المتدينين” محبي “الشيخ” بسبب رفضهم لبعض أرائه، وفي مقدمتها “نهيه شكوى المرأة التي يضربها زوجها، لأنها اضطلع على عورتها، فهل تشتكيه بعدها؟”.

    أبشع ما رأيت في هذه الخناقة، كان الهجوم على هدير مكاوي أو “السنجل مازر” كما اشتهرت قبل عامين، في الواقع الهجوم عليها كان أشد مما حدث مع أسما شريف منير، وابل من أقذر الألفاظ والاتهامات لمجرد نشر رأيها في الشعراوي محور الخناقة، ووصمها بـ”الزانية” كان أبشع من الحدث نفسه، الفتاة التي وثقت بأحدهم وأحبته وتزوجت به عرفيا بعد رفض الأهالي، تحولت لزانية، رغم إنها “متزوجة”، الفتاة التي كان يعلم بزواجها العرفي المقربين منها، تحولت لزانية، الفتاة اللي تمسكت بحملها ولم ترغب في إجهاض وقتل جنينها، تحولت لزانية، الفتاة التي تخلى عنها زوجها ورفض نسب طفله له، تحولت لزانية. كثيرون مما تعاطفوا مع هدير قبل عامين فور انتشار قصتها، تهجموا عليها الآن ووصفوها بالزانية، فقط لأنها ترفض أفكار أحد أهم الشيوخ الجليلة، فكيف لها أن تتحدث من الأساس؟ وكيف لأسما أن تتحدث وهي فنانة؟ من الضروري عمل استبيان نصنف فيه الأشخاص حتى نعرف من له الحق في قول ماذا حتى يعجب “الأفاضل المتدينين” ونسلم من “لسانهم-سبحان الله- السليط”.

    ..

    قبل خناقة الشعراوي بيوم، أطل علينا بعض النواب “الفاضيين” بمشروع قانون للاحتشام وفرض غرامة 5 آلاف جنيه على ارتداء زي غير محتشم في الأماكن العامة! تعجبت كثيرا أن أحدا من النواب لم يتحرك مع عرض التحرش المستمر للفتيات في الشوارع والمواصلات وحتى البيوت في مصر، لم أقرأ رأيا لأحدهم في حوادث الاغتصاب التي طالت فتيات أو قل “أطفالا” مؤخرا، كان منها لأطفال من أهاليهم ! ومن جديد ينصب نواب أنفسهم إله لتطبيق مبدأ “فارغ” ينتزع حق “الملبس” من الأشخاص، وكأنهم لا يرون في حرية الاختيار سوى “قلة الأدب والمليطة”!

    أية حشمة؟ ومن سيحدد الملابس المحتشمة؟ ومن يضع لها المعايير؟ ومن سيطبقها؟ وكيف سيطبقها؟ هل سنحل مشكلة البطالة ونعيّن شبابا لتقييم حشمة ملابس الفتيات؟ هل سنحل أزمة الاقتصاد ونروج لزي موحد يرضي النائبة الموقرة التي اقترحت مشروع القانون؟ نحن فعلا نعيش في عالم مجنون، ونوابنا “بيجوا في الهايفة واللي مالهاش لازمة ويعملولنا مشاريع قوانين”، اعتقونا لوجه الله وخليكوا ساكتين ومش حاسيين بوجودكوا أحسن.

    ..

    قبل خناقة مشروع قانون الاحتشام بيوم، انتشر خبر ظنناه من “الحدود” الساخرة”، ولكنه كان حقيقيا، حقيقيا ومضحكا، وهو إقامة حد الزنا على واضع حد الزنا في إندونيسيا، بعد ضبطه مع امرأة متزوجة! أضحكني هذا الخبر كثيرا، وهو ليس بالجديد على من يدعون التدين وتطبيق شرع الله طاعة لأوامره، وهم في الخفاء يفعلون ما يحرمون علانية.

    وفي كل مرة أقابل مثل هذه الأخبار، أتخيلهم يعيشون في المدعرتوبيا، المدينة الفاضلة للدعارة باسم الدين، يتجمع فيها كل هؤلاء الذين يدعون ولا يفعلون، من ينصبون ذواتهم آلهة على من حولهم ثم يقعون هم في الفخ فيبررون، من يحولون المرأة وكل ما يخصها لتأويلات جنسية مريضة كما خيالهم، من يخشون من حرية قرارها فيتهمومها بالعهر ويحاولون بسط سيطرتهم أكثر عليها حتى “لا تمشي على حل شعرها”، من لا يرون من شرع الله سوى الزواج بأربعة وللذكر مثل حظ الأنثيين، من يمنعهم من فعل “الحرام” سوى نصوص إلهية لو لم توجد لكان حلالا، كل هؤلاء لا تليق بهم سوى مدعرة يعثون فيها كما يهوون، ولن يضطرون حينها للنفاق والتبرير والتزوير والتهويل والإدعاء باسم الدين حتى يلقون بكلاكيع أفكارهم على الآخرين.. وخصوصا النساء.

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى

    إغلاق