• بحث عن
  • ومن السم دواءُ.. قصة شباب يحيون بين ذيول العقارب وأنياب الثعابين ويكشفون عالمهم السحري

    شيماء عاطف

    صناديق زجاجية يبلغ طولها 60 سم على الأكثر، داخل غرفة صغيرة يغلب علي جدرانها اللون الأحمر، لا تخطئ أذنك صوت الفحيح الخارج من الصناديق، ولا ينهيه سوى غطاء خشبي يوضع علي فوهة الصندوق ليكتمه.

    العين تقع في بادئ الأمر على أربعة صناديق، الهدوء يصدر من أولها، وأصوات خافتة تصدر من ثانيها وثالثها، بينا رابع الصناديق به ترمومتر حراري ملئ بالمياه لتوفير البيئة المناسبة لتمساح صغير يعيش بداخله.

    لم تكن جولة “القاهرة 24″ داخل بيت للزواحف بحديقة الحيوانات أو حتى بمزرعة كبيرة، بل كانت داخل غرفة في أحد منازل شبرا الخيمة لطالب بالفرقة الرابعة بقسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة بنها، أو كما يلقب نفسه بـ”هاوي” في عالم الزواحف، ومعه ابن خالته جون الذي تعمق في عالم الزواحف هو الآخر.

    شابان يربيان الزواحف والعقارب والثعابين
    مينا وجون مع محرر “القاهرة 24”

    دخل مينا نجيب عالم الزواحف منذ سنتين حينما رأى على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك” منشوراً لأحد الأشخاص يسأل عن كيفية التصرف في ثعبان ميت، ليعلق عليه الناس بالعديد من الآراء التي تعكس طبيعة مثل هذه المواقف، بل وطبيعية تربية الزواحف والتعامل معها.

    وجد مينا شغفه في هذا العالم، وبدأ يستزيد بالمعلومات الخاصة عن كافة أنواع الزواحف ويدرسها، حتى أنتهى به الأمر بإحضار ثعابين وضبوب وتماسيح وعقارب وحلزونات وهامستير وديدان وضفادع إلى منزله الشخصي.

    شابان يربيان الزواحف والعقارب والثعابين
    مينا برفقة أحد الثعابين

    وأوضح، أنه لا يربي ثعابين سامة، والحيوانات البرية تكون شرسة في بداية التعامل معها، لكن مع مرور الوقت وبالتعامل الهادئ مع الحيوان يصبح هادئًا ومستكينًا.

    وبحسب قوله، فإنه يربي الزواحف كهواية ولا ينتفع بأي عائد مادي من ورائها، بل أنه يهدف إلى إنتاج العديد من الزواحف لأن إنتاجها صعب للغاية، وفي مراحل متقدمة جدًا يهدف مينا لإنتاج طفرات منها.

    يحكي مينا تجربته الحالية في إنتاج “الورل” الصحراوي قائلًا: “أضع لمبة حرارية للورل داخل صندوقه، هو الآن في حالة بيات شتوي كما أنني أعزله عن أنثاه لتقضي هي الأخري فترة بيات شتوي، وفي فصل الصيف أكلته كثيرًا لأن طبيعته تخزين الدهون لحرقها في الشتاء دون تناول الطعام، وبعدها سأضع الذكر والأنثى معًا وعندها سأجهز لهم غرفة مضبوطة التشميس والحرارة ومملوءة بالرمال حتى نصفها لأن الأنثى تضع بيضها على بعد 80 سم”.

    شابان يربيان الزواحف والعقارب والثعابين
    الورل الصحراوي

    وعن تحضين البيض، أضاف هاوي تربية الزواحف، أنها الأصعب على الإطلاق، لأن البيضة لابد أن يتم تحضينها في نفس الوضعية التي بيضت عليها، وبالتالي فإن معظم مربي الزواحف في مصر، والبالغ عددهم 15 ألف مربي، يفشلون عند هذه المرحلة من إنتاج الزواحف.

    قرأ مينا العديد من الأبحاث والكتب الأجنبية التي تتعمق في علم دراسة الزواحف، مضيفًا: “تمتلك مصر للأسف كتابين فقط في الزواحف بشكل متعمق، ولكن ليس بالدرجة الكافية مثل الكتب الأجنبية التي تتحدث بإستفاضة عن أشياء مجهولة في الزواحف، فأنا لم أجد أية معلومة عربية تتحدث عن عضو جاكوبسون الموجود بالتعبان، ولم أعلم بوجوده إلا بالكتب الأجنبية”.

    يتعرف المربي العشريني على نوع الثعبان من شكله فقط، فقد حفظ أنواع الثعابين الـ39 الموجودة في مصر، حيث أن 9 منهم سامين، يختلط نوعان منهما مع البشر وهما الكوبرى، والكوبرى البخاخ.

    وأردف مينا: “حتى الأنواع السامة من الثعابين تخشى الإنسان، وإن لدغته فإنه يستطيع أخذ مصل الحماية الذي يحيمه من سمها، وليس هناك أساس علمي لأخذ مصل قبل اللدغة كما يدعي بعض رواد السيرك والرفاعيون الذين يتخذون ذلك حجة للكذب على الناس”.

    شابان يربيان الزواحف والعقارب والثعابين
    أحد أنواع الثعابين في منزل مينا

    وشرح هاوي الزواحف فكرة استخلاص أمصال الحماية من لدغ الثعابين، حيث يتم لدغ السم للحصان والمعزة، لأن أجسامهما تفرزان مصل مضاد للسم، يتم أخذه منهما، وحقن الإنسان الملدوغ بهما على أن يتم إختبار الحساسية من مصلي المعزة والحصان أولًا.

    واستكمل: “التعامل مع الأنواع السامة من الثعابين سهل، وتوجد في مصر علي ضفاف النيل وفي المصارف، وأعرف أشخاص في مصر تربي ثعابين يصل طولها لـ11 مترًا، تعرف باسم الأصلات العاصرة، وهي من الأنواع العاصرة التي تعصر الفريسة ولا تلدغها، كما أن نسبة الخطورة من الثعابين العاصرة والكبيرة أقل بكثير من الأنواع الصغيرة، لأن أغلبها يأتي من تفريخ المزارع وليس من الصيد”.

    وأضاف مينا، أن الثعابين تتغذى على القوارض والسحالي والأبراص كل أسبوعين، كما أنها ليس لديها غريزة الأمومة، فهي تضع بيضها حتى يفقس ثم تتركه وتبعد عنه، وهناك أنواع تخزن البيض داخل بطنها حتى تخرجه عند فقسه حتى تبدو كأنها تلد مثل الثعبانين من نوع “الساند بوا”، أما عن مصر فلا يوجد بها سوى نوع واحد فقط يتغذى علي البيض وهو نوع “الفارغة” المنتشر بمحافظة الفيوم.

    ثعبان الساند بوا الذي يخزن البيض بداخله
    ثعبان الساند بوا الذي يخزن البيض بداخله

    وعن تربية العقارب، فوصفها مينا بـ”الممتعة” حيث أنه يربي عقارب “اللورياس”، أخطر أنواع العقارب في مصر، لأن سمها غالي جدًا، يصل الجرام الواحد منه لآلاف الجنيهات، لأنه يستخدم في صناعة الأدوية.

    شابان يربيان الزواحف والعقارب والثعابين
    عقارب في منزل الشابين

    وشرح آلية استخراج السم في مزارع العقارب، موضحًا أنه يتم لصق العقرب على خشبة ويلمس ذيله بالكهرباء بعد طلائه بالماء حتى تحفز الكهرباء العقرب لإفراز السم ومن ثم حلبه، لأن ذيله هو المخزن للسم.

    ولفت، إلى أن لدغات العقارب مؤلمة لكنها ليست مميتة للأشخاص الذين لا يعانون من أمراض القلب والضغط وأقوياء المناعة، ولكن ما يقلق حقًا هو التوتر والخوف الذي يصيب الإنسان عقب التعرض للدغ، فهناك حالات لدغت من ثعابين غير سامة ومع ذلك ماتت بسبب هلعها، كذلك الأمر في العقارب التي مع تكرار اللدغ منها يصبح الأمر عاديًا جدًا.

    وتابع: “سم العقارب مفيد جدًا، هناك معمل يأخذ السم ويحلله ويوضح جودته ثم يرسل النتائج للخارج للتصنيع، ثم نشتري الدواء مرة أخرى من الخارج بأسعار كبيرة، لم لا نفعل ذلك نحن؟ مع العلم أن التصدير حاليًا أصبح صعبًا ويتطلب شروط ومعلومات تفصيلية عن العقرب وتربيته واستخلاص السم منه حتى يضمنوا ألا يكون السم فاسدًا وغير فعال”.

    وعن المشكلات التي يواجهها مينا، أوضح أن الحكومة بعد أن سمحت بإقامة مزارع للاستثمار في التماسيح فقد وضعت حواجز تعيق إقامة هذه المزارع متمثلة في أخذ التصاريح من أكثر من جهة، كما أنه لو تم القبض على شخص يمتلك حيوان بري فإنه يلقى “تريقة” لإنعدام ثقافة تربية الزواحف في المجتمع المصري.

    شابان يربيان الزواحف والعقارب والثعابين
    أحد التماسيح

    وزاد: “السلحفاة المصرية التي تعد أصغر الزواحف البرية في نصف الأرض الشمالي، قد انقرضت من مصر وليبيا، ولم يتبق منها غير أعداد قليلة داخل مزرعة في فلسطين، ولهذا السبب ربما تحظر مصر تربية الزواحف وإنتاجها وفقا لما جاء لاتفاقية سايتس التي بموجبها تمنع الدول تربية الحيوانات البرية خشية الانقراض”.

    شابان يربيان الزواحف والعقارب والثعابين
    سلحفاة ضمن مملكة زواحف الشابين
    سلحفاة ضمن مملكة زواحف الشابين

    يتمنى مينا أن يربي الزواحف بشكل لا يجعله دائم الحذر من إخبار الناس بأنه مربي للزواحف، دون أن يزعجوه ويجبروه على التخلص منها، كما يتمنى أن تنتشر ثقافة التعامل مع الزواحف في مصر، وأن يكون لهم اتحاد خاص بهم مثل اتحاد مربي الجوارح، وتراخيص مزرعة التماسيح.

    قام مربو الزواحف بتوعية المجتمع، عن طريق عمل كارنڤالات يحضرها الناس ويحاضر فيها هواة ودارسو علم الزواحف بمصر عن الزواحف بمختلف أنواعها وأحجامها، كما قام مينا بنشر معلومات ومقالات متنوعة على صفحته الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك” لتحقيق هدف التوعية الذي يرجو تحقيقه.

    على الجانب الأخر، يمسك جون، ابن خالة مينا والذي يدرس في كلية السياحة والفنادق، الثعابين والعقارب والورل والتمساح بشكل سلس وبسيط، وبسؤاله اتضح أنه يربيها هو الأخر داخل منزله منذ 7 سنوات ويبيعها للناس.

    شابان يربيان الزواحف والعقارب والثعابين
    ثعبان يلدغ جون

    وقال جون لـ”القاهرة 24″، إن الإقبال على شراء الزواحف كبير جدًا، كما أن الفتيات، بمعدل 20 فتاة شهريًا، تقبل على شراء الثعابين والعقارب والحربايات وتربيها، وكذلك تشتري دود “ميل ورم” الذي تتغذى عليه الزواحف المشتراه.

    وأشار، إلى أن “دود الميل ورم” هو أفضل مصدر للبروتين بالنسبة للزواحف، ويتم استيراده من الخارج كغذاء للعقارب والقوارض والبوم وغيرها، قائلًا: “دود الميل ورم يتحول لشرنقة ثم خنفسة ثم تبيض الخنفسة لتنتج دودة صغيرة وهكذا، لذلك فإنه ينتج بشكل تلقائي معي”.

    الحلزون الإفريقي داخل تربة رطبة
    الحلزون الإفريقي داخل تربة رطبة

    أما عن الحلزونات الإفريقية، فبين جون أن الإقبال عليها كبير جدًا بالنسبة للفتيات، فهو يباع لمراكز الكوافير أو بشكل مباشر للفتيات، فإن للحلزون أهمية قصوى في ترطيب البشرة، فالصغير منه يباع بمبلغ 50 جنيه، والكبير يصل لمبلغ 1600 جنيه.

    ووفر جون ومينا للحلزون الإفريقي تربة صناعية مليئة بالرطوبة “بيتموس”، ودائما ما يضعا له “سيبيا” لتكون مصدر للكالسيوم بالنسبة للحلزون. وبحسب جون، فإن معظم أضرار الحلزون أنه يأكل حواجب الفتاة أو السيدة أثناء وضعه على بشرتها في جلسات الترطيب، لذلك لابد من الحرص والانتباه أثناء التعامل معه.

    ثعبان الساند بوا الذي يخزن البيض بداخله
    ثعبان الساند بوا الذي يخزن البيض بداخله

    واختتم جون حديثه موضحًا أن تربية الزواحف والرخويات تشعره بالمسئولية، فإنه لديه كائنات مسئولة منه، يرعاها ويربيها ويوفر لها بيئة صناعية مشابهة لبيئة الكائن من مأكل ومشرب ومسكن وتكاثر وحرارة.

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى

    إغلاق