• بحث عن
  • مش زي الأفلام

    سارة سعيد

    إهداء إلى خيالي الذي حوّل حياتي لفيلم ممتع..

    استيقظ صباح كل يوم، وقبل أن أنهض من السرير، ألتقط هاتفي وأختار أغنية أحبها، أشغلها وأبدأ في الدندنة معها، ثم أقوم وأبدأ في ممارسة نشاطاتي الصباحية التي لم تكن مفضلة يوما على الإطلاق. لا أفعل ذلك حبا في الغناء الذي يجعلني سعيدة فقط، ولكن لأني دائما أتخيل أني أعيش في فيلم سينمائي والكاميرات هنا وهناك توثق تفاصيلي، فهل يجوز أن تراني الكاميرا بوجه منتفخ وأنف يكاد يكون ثالث الوجنتين؟ نعم يجوز.. لا يهم الشكل حينها بقدر ما يهمني أن أبدو سعيدة ومنطلقة، أنا أحب السعادة وأحاول جاهدة طوال الوقت أن أنأى بنفسي عن كآبة وقسوة العالم، ولا أقسى من الاستيقاظ صباحا.

    أفتح باب البناية وأتخيل أن الكاميرا تلتقط مشهدا قريبا من وجهي وأنا أفتح الباب، لمسات الهواء الصباحية التي تداعب وجهي، وشعري الهائش المتطاير وأنا أجذبه بيدي اليسرى، وحركة عيني البطيئة تجاه البنايات المقابلة قبل خروجي والتفاتي لإغلاق الباب ثانية، حتما هناك من ينتظر خروجي بأحد الشرفات، ستدركه الكاميرا ولن أراه أنا، أستدير في الاتجاه الآخر وأسير تاركة عالمي خلفي ليتسع كادر المشهد ويستوعب الأطفال التي تجرها أمهاتها للمدارس، وهؤلاء الذين يتناولون فطورهم على عربة الفول مع أعواد البصل الخضراء، ومحل النجارة الذي يخرج أخشابه ويفرشها أمامه، وجارنا العجوز الذي لا أعلم لماذا يستيقظ باكرا هكذا والجميع ينهره على عدم استغلاله الفرصة للنوم والراحة في اللاشيء.

    أصل إلى محطة المترو، وأنظر إلى السماء وأنا أراها فتحة الكاميرا التي تميزني بين المئات ممن يزحمون الأمتار القليلة التي ننافس بعضنا على اجتيازها سريعا، أقنعتني الكاميرا منذ سنين أني سأقع في غرام أحدهم من النظرة الأولى في إحدى المحطات، ومنذ ذلك الحين وأنا أسير أنظر في وجوه الجميع بتركيز شديد، خصوصا في أعينهم، لعله هذا أو هذا، أتابع تدفق العشرات بسرعة مهولة ودقة أحسد نفسي عليها، والكاميرا تلتقط وجوههم بطيئا حتى يتسنى للمشاهد أن يتابعني وأنا أسير نحو الشرارة الأولى، ولكن إذا كنت أبحث عن قصة حب تبدأ من النظرة الأولى بمحطة مترو مكتظة بكل هؤلاء، فلماذا أتابع الفتيات والسيدات أيضا بكل هذا الشغف؟!

    بعدما أدركت أني لا أبحث عن الحب، تيقنت أني هائمة في وجوه الناس، أدقق في ملامحهم، أتابع تحركاتهم وتمايل أجسامهم، أتخيل ما يشغل بالهم، أُبدل أحوالهم بآخرين يجلسون جانبهم، أراهم نجوم سينما يخطفون الأضواء وتجري الكاميرات وراءهم، أختار منهم من يناسب عرضي الخاص، وأحيانا أوظفهم جميعا في أدوار تناسبهم وفقا لما يظهر على وجوههم ومدى بشاشتهم وعبوسهم وملابسهم ولطفهم مع من حولهم.

    أستعد للنزول من المترو، وأتخيل أن الكاميرا تركز الآن مع هذا الذي كان يتابعني ويهم للنزول خلفي وملاحقتي، بالطبع عيناي اللتان توغلتا في أعين الجميع وأحبتها ستجذب عيونا عسلية بملامح داكنة وجسد عريض وعروق نافرة في الذراعين واليدين، وأنا لا أراها لكن الكاميرا تفعل وأنتم تشاهدون. أنزل في المحطة المنشودة وهناك من يتابعني، لن أنظر للخلف بالتأكيد ولكن حدسي يخبرني بكل هذا وأثق في تسجيل الكاميرا لما أريد أن أراه، وسوف أراه في ما بعد، هل سيلاحقني لمكان عملي؟ سينتظرني كل يوم في نفس المكان والميعاد؟ سيرسل لي ورودا؟ سيستوقفني يوما ما ويتحدث معي وتشاهدنا الكاميرا من الأعلى مباشرة في هذا الكون الفسيح كذرات صغيرة غير مهمة ولا ملهمة سوى في خيالي؟ أمن المفترض أن تخبرنا أحداث الفيلم بكل هذا؟ تنتظرون وأنتظر أيضا.

    في العمل أسرح أمام شاشة اللاب توب الخاص بي، وأعود للكتابة بعد أن أبتسم لمرور أحدهم في خيالي، تتخلل الكاميرا ذاكرتي وتفصح عما أفكر، حينما اقتادني في يوم من أيام نوفمبر الرقيق إلى واحد من الأماكن التي يغلب عليها اللون الأخضر، وظل يلتقط لي عشرات الصور وأنا أضحك وأسير وأتمايل ويرقص قلبي بخفة كفراشة، أنظر له وهو يمسك الكاميرا فأختطفها منه وألتقط له هو الآخر صورا، وتركز الكاميرا الأساسية على ملامح وجهينا وهي سعيدة وأجسامنا وهي خفيفة وتقف للحظات تسجل صورنا قبل أن تخرج ثانية من ذاكرتي وأعود للعمل.

    تهرب الكاميرا معي بعد يوم طويل، في مشهد على أنغام موسيقى فرانك سيناترا التي لا يسمعها السائرون بجانبي في الشارع، وتسمعها أنت عزيزي المشاهد، لتبدأ في الغناء معي والتركيز ثانية في وجوه الهائمة مثلي، وبتصوير الحركة البطيئة ينظرون إلي نظرات عابرة توثقها الكاميرا جيدا، بينما يتطاير شعري من هواء الخريف البارد، ليتوقف كل ذلك مع مهاتفة والدي يسألني لماذا تأخرت كل ذلك الوقت، فتتجه الكاميرا لخطواتي وهي تسرع وتذهب لأقرب محطة مترو، ثم تبتعد ويتسع الكادر لتصورني مهرولة أحاول اللحاق بأحد القطارات، وأنا أفكر: هل كان يوما لطيفا؟ هل سيكون فيلما ممتعا؟ هل الأفضل تغيير الأحداث؟ الإيقاع أبطأ، أسرع، غير موزون؟ أنا البطلة أم كلنا الأبطال؟ هل تصورني الكاميرا الآن وأنا شاردة وهناك من ينظر لي ويخمن ما يشغل بالي؟ هل سيلاحقني ثانية؟ هل سيقع في غرامي بمجرد الالتفات له وتأسره عيناي ذات اللون البني الفاتح؟ هل سيلاحظ أنه فاتح وليس داكنا من دون الشمس؟

    أستقل عربة للمنزل، أسير في الشارع سريعة وأحاول أن أبطئ حتى يتسنى الفرصة للكاميرا ترصد ما ترغب فيه، ألقي التحية على أسرتي وأتوجه لغرفتي، تتابعني الكاميرا وأنا أختار أغنية أحبها قبل أن أبدل ملابسي، وأرتمي على السرير بجوار الهاتف أدندن مع الأغنية وأتوقع أن تكون الكاميرا فوقي مباشرة تشاهد ذراعى مفرودة ووجهي لا عابس ولا مبتسم، وعيوني المحدقة للأعلى وفمي الذي يتحرك مع كلمات الأغنية، قبل أن ينتهي المشهد وتستعد الكاميرا للرحيل بتخلل رأسي ثانية وأنا أشكرها.. أن حياتي لم تكن يوما مثل الأفلام، ولكنها جعلتها ممتعة جدا كأفلامي المفضلة.

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    مقالات ذات صلة


    CIB
    CIB
    إغلاق