• بحث عن
  • ماذا أرادت ماريان خوري بعرض “احكيلي”؟!

    لا أدري هل يجوز كتابة هذه السطور عن ماريان خوري المنتجة والمخرجة ممتزجة الأصول، بعد أن وضعت حياتها أمام أعيننا في فيلمها الوثائقي “احكيلي”، الذي عرض في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي بنسخته الحالية، أم ألتزم الصمت وأنسى ما روت؟

    ظننت أن فيلم “احكيلي” لماريان، يستعرض أهم المحطات في حياتها، وربما يستعرض مراحل معاناتها للوصول إلى مكانتها الفنية الحالية، إلا أن العكس تمامًا ما رأيت، فهي تستعرض أزمتها مع والدتها الراحلة من خلال فيلم وثائقي، استعانت فيه بأفراد أسرتها وابنتها وأخواتها وخالها الراحل المخرج العالمي “يوسف شاهين”.

    لم تكن الفكرة جديدة، وسبق أن قدمها العالمي يوسف شاهين في أفلامه “إسكندرية ليه” و”إسكندرية كمان وكمان” و”حدوتة مصرية” و”إسكندرية نيويورك”، واستعرض واقع حياته ومعاناته بملحمة سينمائية مزج بها الواقع والخيال، وركز بها على الخطوط الرئيسية التي تتماس مع المجتمع الشرقي أنذاك، فأوصلته إلى العالمية.

    ويظهر تأثر ماريان بشاهين، فأرادت أن تعيد التجربة ولكن بشكل أكثر واقعية، أحببت جرأتها وشجاعتها أن تضع تساؤلاتها أمام أعين الناظرين، إلا أن ما أرادته ظل لغزًا طوال الأحداث، وربما لم تدركه فلم تستطع إيضاحه.

    حاولت ماريان طوال الفيلم أن تطرح تساؤلات عن علاقاتها بوالدتها، وعلاقتها بابنتها، وأيهما أقرب للشكل السواء؟ وأنه لا بد من رحيل شخص ليخلق شخص جديد.

    ربما لم تدرك ماريان مثلما قالت ابنتها في بداية الفيلم ما الذي تريده من هذا التوثيق؟

    قالت ماريان خلال الفيلم، إنها تجاوزت عن أزماتها النفسية، وتماسكت واستطاعت المضي قدمًا رغم ما عانته، ولكن ما شكل المعاناة التي تعرضت لها ماريان مع والدتها؟ لم تذكر تفاصيلها ولم تذكر منها سوى أن والدتها لم تكن ترغب في إتمام حملها بمريان، وأرادت إجهاضها؛ لأنها لم تشأ في إنجاب فتاة، إلا أن عمتها لأبيها حالت دون حدوث ذلك، وجاءت ماريان إلى الدنيا وحظت بمكانتها وسط أشقائها.

    وحسب روايات الأهل والأبناء والشقيق الأكبر ليوسف شاهين عن والدتها، فهي امرأة شديدة الفراسة والقوة والصلابة وسريعة البديهة، تزوجت بعمر الثامنة عشر عامًا من شقيق صديقتها الذي بلغ من العمر أربعين عامًا، إلا أن ماريان كانت لديها وجهة نظر أخرى وهي أن والدتها ربما عانت الاكتئاب ولم تكن سعيدة بحياتها معه.

    وحسبما روت ماريان، فإن والدتها كانت سيدة متفتحة العقل ولديها مرونة سبقت الوقت الذي عاشته، حاولت أن تجد ما يسعدها بحياتها، وربما لم يكن يسعدها سوى لعبة البوكر واستخدام فرط ذكائها بها، وربما هذه الحياة شكلت اضطرابًا لدى ماريان التي لم تشأ الإفصاح عنه وربما لم تدركه.

    أرادت ماريان أن تعوض ابنيها حالة الاضطراب المادي الذي عانته في حياتها عقب تأميم ممتلكات والدها، وتركه الحياة بمصر والانتقال لبيروت، فأرادت تعويض أبنائها الاستقرار المادي، وربما رفضت ماريان المجتمع المصري عقب تشتيت عائلها بين مصر وبيروت وفقد ممتلكاتهم دون أن تدرك، فأرادت أن تحمي أبناءها من هذا، وأن تعطيهم ثقافة غربية طمست هويتهم العربية، وإبعادهم عن هذا المجتمع الذي رأت فيه أنه أهلك استقرار حياتها بالتأميم.

    احتفظت ماريان -وربما لم تشأ الاحتفاظ- بالأسباب الحقيقية لأزمتها مع والدتها، وربما لم تجد ما تجيب به على تساؤلاتها، ولم ندرك لما ارتأت في وفاة والدتها راحة لها، ونهاية للمعاناة التي تكبدتها، وتعويض عما منعتها والدتها من تحقيقه.

    وبمتابعة تسلسل أحداث الفيلم، تجد أن ابنتها هي بطلة الفيلم، وهي من أوجزت معاناتها مع ماريان، ابنة لأبوين على ديانات مختلفة لديها أصول متعددة، عانت من الوحدة لانشغال والدتها ماريان بعملها طوال الوقت، لم تعلمها والدتها كيفية الانخراط في المجتمع المصري، تتحدث العربية بالكاد، عاشت متخبطة بين دول أوروبا، رسخ في ذهنها مفاهيم خاطئة عن بلدها الأم مصر وربما لم تحبها وإن كان حقها أن تحب ما تريد أو تكره ما تريد.

    إلا أن ماريان التي رأت في والدتها حملًا وعبئًا عليها طوال حياتها، وجدت ابنتها معها الأمر ذاته حين عانت ماريان سرطان الثدي وكان لابد من استئصاله، فكان رد ابنتها بعد مرور وقت على مرض والدتها، أنها ملت من خدمتها وأنها تريد أن تذهب لترى حياتها.

    ربما رسخ الفيلم الوثائقي “احكيلي” للعرف الإلهي “داين تدان فكما تدين تدان”، وربما لم تكن تعلم ماريان بالفعل ما الذي أرادته من هذا التوثيق، وربما لم تدرك أنها أهلكت حياة ابنتها عن دون قصد نتيجة معاناة لم تدركها حتى ظهور كلمة النهاية.

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى

    إغلاق