• بحث عن
  • دروس في احترام “عقل” القارئ

    أتاحت لي مهنتي فرصاً في العمل مع كثير من رموز العمل الصحفي وأطياف من المفكرين والكتاب لأجيال مختلفة على مدى أكثر من ربع قرن.
    في كل يوم كنت أتلقى “دروساً مجانية” وأنا لا أعلم أنها خبرات تضاف إلى العمق الفكري والمهني والانساني دون أن أدري. تجارب تتسرب إليك كموج هادىء دون أن تدرك سر جمالها في حينها.
    في زمن ما كان إحترام عقل القارىء من المقدسات وضرورة واجبة لإحترام مهنية العمل، كانت المعلومة كما كان يقال “متعوب عليها” و الحصول عليها يكلفك الكثير من العناء وربما حياتك نفسها! فلم تكن هناك وسائل تكنولوجية أو إتصالات متقدمة ولا شبكات عنكبوتية ولا “سوشيال ميديا”.. ولاحتى جهاز محمول!
    توصيل المعلومة إلى صحيفتك، كان جزء كبير من المهارة التي تٌحسب لك، من تليفون كشك السجائر وحتى محطات القطار القادمة من الأقاليم إلى العاصمة، حاملة المواد والأفلام الجاهزة للتحميض أو الصور المطبوعة المتجهة إلى المقر الرئيسي.
    كان المنطق في قبول الطرح قائم على الوثيقة بالأساس والدليل القاطع غير القابل للشك ثم براعة المحرر، مع تفهم مهني لمدى الجهد المبذول في الحصول على هذه المعلومة، كان رئيسك المباشر يستدعيك للمناقشة فيما ورد في النص، وتستمع إلى نصائح تمثل خبرات أجيال سابقة مارست العمل في ظروف ربما أقسى مما نراه اليوم بكثير.
    كنا نتعرض لانتقادات كبيرة في حالة التحدث مع مصدر في قضية هامة بالتليفون، كان ذلك يمثل “إهانة للمهنة”، فقد يفوتك إنفعالات المصدر أثناء الحديث التي تحتاج إلى صور فوتغرافية تترجمها، وكذلك ما يعجز عن البوح به عبر التليفون!
    في يوم من الأيام إقتحمت مكتب الكاتب الكبير الراحل د. صلاح قبضايا لأشكو له موقف ما حدث معي، فوجئت به يرد بإبتسامة هادئة قائلاً : ” إقفل باب المكتب وتعالى إقعد”، هدأت ثورتي بعض الشيء، وأدركت أنني حصلت مقدماً على مكسب في شكوتي القادم إليه بسببها، لكنني فوجئت به يطرح سؤالاً على غريباً : “هي مصر فيها كام صحفي؟”..فوجئت بالسؤال ومدى علاقته بالشكوى التي حدثته فيها، لكنى أجبته سريعاً : ” حسب تعداد النقابة ثلاثة ألآف” ( في منتصف تسعينيات القرن الماضي) فعقب سريعاً بنبرة حادة بعض الشيء: ” بقولك صحفي!!” ..فأجبته وأنا لازلت متردداً: ” ثلاثمائة”! .. فقال :” ولو أنه رقم مبالغ فيه (!!) ..إلا أن أمامك طريقان إما أن تصبح من بين الـ 2700 أو تكون مميزاً في مهنتك وتصبح من بين الـ 300 الباقين” ..تعحبت من هذا التصنيف، ولم يمهلني فرصة للاستيعاب فبادرني سريعاً : ” عندما تصبح من بين الـ 300 صحفي ..سيحتاج لك الجميع ..القوي لأنه يريد محاوراً على نفس قدره ليفكر معه .. والضعيف أيضاً “! ..فسألته : ” لماذا ؟” ..فأجاب : ” ليداري ضعفه فيك”!
    لم يكن الدرس سهلاً ، ولم يكن هو الأخير أيضاً، فقد تلقيت عشرات الدروس المماثلة، منها الدرس الأعظم من الكاتب الكبير الراحل / سعد هجرس ، الذى كان دائماً ما يتابع كتاباتي ويعلق عليها، وخاصة الوثائقية منها، وذات يوم جمعتني به جلسة طويلة، وفوجئت به يسألني سؤالاً غريباً كان محوراً وسبباً في تغيير أسلوب حياتي، قال بصوته الرخيم : ” ما هو مشروع المستقبلي للكتابة؟!” .. لا أنكر أنني أصبت ببعض الغرور للحظات، وبادرته بالرد “ككاتب” ، وظللت أشرح ما أقوم به في الوقت الراهن من بحث وغيره، وظل هو منصتاً بإهتمام، وجاء تعقيبه بسيطاً وسهلاً كأسلوبه في الكتابة: ” ياشريف ..أنا أسألك عن مشروعك المستقبلي للكتابة.. لابد وأن يكون لك مشروعاً للكتابة” وبدأت أستمع إلى الدرس بهدوء .. فقال رحمه الله : ” الكاتب الحقيقي، هو الذي لديه مشروع للكتابة ولا يكتب بالمناسبات، الكتابة اللحظية للتعليق على الأحداث هي كتابة إنفعالية.. لابد أن تكون لك خطة في الكتابة لكي يحترمك القارىء وتؤدي أنت رسالتك ..!”
    دروس أتذكرها ..وأترحم على عصر “الأساتذة” كلما تابعت ما تنشره مواقع إخبارية وصحف كبري هذه الأيام ..في عصر كان من المفترض أن تخدم فيه “التكنولوجيا” المهنة!

    [email protected]

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى

    CIB
    CIB
    إغلاق