• بحث عن
  • غالبية ضحاياه من النساء وصنفته أمريكا “إعاقة”.. مريضات “الفيبروميالجيا” يروين معاناتهن

    شيماء عاطف

    لأكثر من 8 سنوات، كان عاصم يتهم زوجته بـ”الدلع”، فالأطباء شخصوا مرضها على أنه حالة نفسية، فالزوجة التي تعمل أخصائية اجتماعية بمدرسة في محافظة المنيا ذهبت لـ37 طبيب وانفقت 150 ألف جنيهًا على الأدوية التي انتهت بدون أي تحسن لحالتها.

    جربت “أم أحمد” كافة أنواع الأدوية التي وصفها الأطباء لها، منها الكيميائي كالسيمبالتا والتربتزول والكولاجين واللريكا والبروفين، ومنها ما هو طبيعي مثل اللسع بالنحل، كل ذلك دون جدوى.

    تحكي “أم أحمد” تجربتها مع مرض “الفيبروميالجيا”، أو متلازمة الألم العضلي الليفي، موضحةً أنها تفكر في الانتحار يوميًا بسبب شدة التعب والعجز وعدم إحساس المحيطين بها بمرضها الشديد، كما أن العديد من الأطباء فشلوا في تشخيص مرضها المزمن، والدواء الموصوف لها بمثابة مسكنات فقط.

    وأضافت في تصريحات لـ”القاهرة 24”: “بعد رحلة طويلة من العرض على الأطباء، شاهدت طبيبًا على التليفزيون بالصدفة يتحدث عن أعراض مرضي، فذهبت له في القاهرة وتم تشخيصي بعد رحلة كبيرة من اللف على الأطباء، وبعدما تم تشخيصي به اكتشفت أن دواءه مكلف للغاية، فثمن الروشتة الواحدة حوالي 2000 جنيه، وعلاجه الوحيد هو الترامادول وهو غير مرخص استخدامه”.

    وأردفت مريضة الفيبروميالجيا، أنها حينما اشتد عليها المرض ظلت عاجزة في سريرها لأكثر من 5 أشهر وكأنها “مشلولة” تمامًا، وأخذت العديد من الحقن دون فائدة، كما أنها لم تستطع أخذ إجازات من عملها لأن التأمين الصحي المصري غير معترف به على الإطلاق.

    “أم أحمد” ليست الحالة الوحيدة التي تعاني من مرض الفيبروميالجيا في مصر، فقد أجرت أميرة جودت، طبيبة بيطرية، وأميرة حمدي، طبيبة عيون، فيما تعرفان بـ”الأميرتان” أدمنز صفحة “فيبروميولجيا بالعربي” على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، ومؤسستا أول مقر لتقديم الدعم النفسي لمرضى الفيبروميالجيا، في ديسمبر 2017، استبيانًا على 163 من مرضى الفيبروميالجيا في مصر والوطن العربي.

    وجاءت نتائج الاستبيان؛ أن نسبة الإناث المصابات بالمرض 93.9% مُقابل 6.1% للذكور، وأن متوسط معرفة التشخيص من سنة إلى 6 سنوات.

    وبحسب الاستبيان، يستهدف المرض الفئة العمرية من 20 إلى 40 عامًا، وأن 25.2% من المرضى، كان رد فعل عائلاتهم، الإنكار، عند معرفتهم بالتشخيص، فيما ظن 28.8% من الأهل بأن المريض متوهم.

    وكشفت نتائج الاستبيان؛ عن أن 50.3% من المرضى يعتقدون أن إصابتهم نتيجة أسباب نفسية، و48.5% تغيرت اجتماعياتهم إلى حالة سيئة جدًا، و57.1% تأثر زواجهم ما بين تأثير سيئ إلى سيئ جدًا، مقابل 6.1% تغير زواجهم للأفضل، و97% من العازبين المُشاركين فى الاستبيان يرفضون الزواج، لخوفهم من المرض، وأن يصبحوا عبئًا على الطرف الآخر، وأن 77.3% من المرضى تأثرت حياتهم اليومية بدرجة سيئة جدًا بعد المرض، و92% منهم يشعُر بالذنب، عند عدم قدرتهم على القيام بالمهام اليومية بسبب المرض، بينما 30.1% من المرضى تركوا عملهم مقابل 37.4%.

    بلغت هالة بدوي، الأربعين من عمرها ولم تكن تعرف أن المرض الذي لازمها منذ أن كان عمرها 13 عامًا، هو مرض مزمن لا يظهر في التحاليل، ولا يعرفه الأطباء بسهولة إلا بفحص نقاط معينة في جسم المريض.

    عانت هالة، 57 عامًا، وهي في سن الثالثة عشر من عمرها بآلام وتيبس في عضلات الرقبة وصداع شديد، تركت على إثره رياضة السباحة التي كانت تمارسها، وبعد أن بلغت 25 عامًا، بدأ ألم العضلات ينتشر في جسدها بأكمله، حتى وصل بها الحال لـ”همدان” شديد عند سن الأربعين.

    وتابعت: “تم تشخيصي وأنا عندي 50 عامًا، ذهبت لأطباء عظام ومعدة وباطنة وكلى ثم مناعة وروماتزم حتى تم تشخيصي، وأنا الآن أعاني من تعب في المعدة والقولون والمثانة بسبب الفيبروميالجيا”.

    وعن العلاج الذي وصفه لها الطبيب، فبينت هالة أن الرياضة هي أفضل الأدوية مع عدم التوقف نهائي عن ممارستها، كما أنها ممنوع وضع السكر في طعامها، فقطعة الجاتوه الصغيرة تستطيع أن توجعها وتجلسها كالمشلولة في السرير، وطعامها يحتوي على خضار وفاكهة وحبوب، وغير مصرح لها تناول منتجات الألبان عدا الزبادي والزبدة، كما أن الراحة النفسية تؤثر كثيرًا في الدواء.

    أما عن آلاء طاحون، فقد أخبرها الطبيب أن تتعايش وتنسى أنها لديها مرض، فكل الأدوية التي تأخذها ما هي إلا مسكنات أثارها الجانبية متعبة أكثر من المرض نفسه.

    وأشارت طاحون إلى أن التشخيص بالنسبة لها كان سهلًا، فقد تم تشخيصها من ثاني طبيب ذهبت له، وذلك لأن والدتها عانت من هذا المرض واكتشفته بعد رحلة استغرقت سنوات بين عيادات الأطباء مختلفة التخصص.

    وبينت: “الطبيب أخبرني أن المرض يظهر في سن معين أو مع مشكلة عضوية أو نفسية، وهو مرض بيتعب الرقبة جدًا ويتسبب في الصداع وعدم تحمل الصوت أو الضوء العالي، وللأسف الوجع بيكون في العضلات مش العظام لذلك يعالجه طبيب الروماتزم وليس طبيب العظام”.

    فيما تعيش سما ماكينزي، أمريكية الجنسية، في منطقة الهرم بمصر، تسافر كل فترة لتتابع علاجها مع فريقها الطبي في ولاية ميتشيجن الأمريكية، بتكلفة من التأمين الصحي الأمريكي.

    ذكرت ماكينزي لـ”القاهرة 24″ أن الأطباء في مصر ليسوا على دراية كافية بمرض الفيبروميالجيا، فهو شائع في الولايات المتحدة الأمريكية وله أدوية تخفف من حدته بدرجة كبيرة، لذلك فهي تسافر كل فترة لتتلقى العلاج هناك ثم تأتي لزوجها المصري.

    وأردفت، أجريت 7 عمليات جراحية خاصة بمرض الفيبرو، حيث أنه لديها فريق طبي مكون من 5 أطباء أجانب لعلاج الفيبروميالجيا، وهم تخصص أعصاب، ومعدة وأمعاء، وقلب، وعظام، وألم.

    تفضل سما العلاج بالأعشاب لأنه مريح جدًا عن الأدوية الكيميائية وليس لديه آثار جانبية، على الرغم من أنه يستغرق وقت أطول إلا أنه جيد.

    ونظرًا لعدم معرفة هذا المرض في مصر، أسست “الأميرتان”، أميرة جودت، طبيبة بيطرية، وأميرة حمدي، طبيبة عيون، صفحة “فيبروميولجيا بالعربي” على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك” لتوعية الناس بالمرض وعلاجه.

    عانتا “الأميرتان” من الفيبروميالجيا كثيرًا لذلك قررتا أن تؤسسا مقًرا لتقديم الدعم النفسي لمرضى “الفيبرو “وتقديم توعية كبيرة للمرض وعمل الاستبيانات الخاصة به.

    وأوضحت أميرة جودت لـ”القاهرة 24″، أن صفحتها لم تلقَ أي دعم من أي جهة حكومية ولا حتى جهة خاصة، بل بالعكس الجهات الخاصة استغلت بداية الصفحة في المتاجرة بالمرض، وقاموا بتقديم عروض منتجات ليس لها سند علمي، وفي المقابل، كان هناك أطباء وعيادات ومعالجون عملوا خصومات وتخفيضات لمرضى الفيبروميالجيا.

    وشرحت الطبيبة البيطرية، كيفية تقديم الدعم النفسي لمرضى الفيبروميالجيا، موضحةً أن الدعم النفسي للمريض ينقسم إلى الدعم النفسي من جانب الأهل، فلا بد أن يشعروه أنه “مش بيتدلع ولا متوهم”، والجزء الثاني يكون من خلال أن المريض يبدأ المتابعة مع معالج نفسي، أو لمقدم مشورة نفسية لمساعدته في تقبل المرض ومحاولة التعايش معه.

    وأشارت أميرة جودت، إلى أن الفيبروميالجيا كان قد اعترف به الكونجرس الأمريكي بأنه مرض إعاقة في يناير 2019، وقامت إدارة التضامن الاجتماعي الأمريكية “SSA” بتقديم معونات للمرضى، كما أدرجته الجمعية الأمريكية للأمراض الروماتزمية “AARDA” في 2006 كحالة من أمراض المناعة الذاتية، وبالبحث في هذه المواقع الإلكترونية تبين صحة هذه المعلومات.

    وأوضحت الدكتورة صابرين حمزة، أخصائية الروماتزم وأمراض المناعة، أن الروماتيزم العضلي الليفي أو ما يعرف بالفيبروميالجيا يعد من الأمراض التي تكثر بين النساء عن الرجال وخاصةً في فترة منتصف العمر.

    وأضافت حمزة لـ”القاهرة24″ أنه لم يعرف قطعيًا حتى الآن سبب واضح لحدوثه، ويعزي العلماء حدوثه إلى أسباب جينية وراثية، فإنه ينتشر بين أفراد العائلة الواحدة، أو أسباب ترجع إلى العدوى، أو بسبب الاضطرابات النفسية أو التوتر.

    وأضافت: “تصنف الفيبروميالجيا على أنها اضطرابات في ترجمة الألم نتيجة تشوهات في استقبال الإشارات في الجهاز العصبي المركزي، كما أن مريض الفيبروميالجيا لا يشخص بسهولة إلا من قبل أخصائي الروماتيزم الذي يعرف هذه الحالة جيدًا، وإن لم يصادف المتخصص، فسيلقى المريض رحلة طويلة لاكتشاف المرض وذلك لتشعب الأعراض وتنوعها”.

    وشرحت حمزة المشكلات التي يواجهها مريض الفيبروميالجيا، فإنه يتهم أحيانًا بأنه ليس مريضًا من قبل عائلته والمقربين له نظرًا لعدم وجود أشعة أو تحليل يكشف هذا المرض، فهو مرض مزمن لا يسبب الوفاة، بل يسبب انعزالًا للمريض عن أسرته والمجتمع لإصابته بالإحباط الشديد لعدم علاجه، علاوةً عن إصابته بآلام جسدية مستمرة ومؤرقة له على مدار اليوم، كما أنه لا يعرف راحة بالنوم لذا ينعكس هذا كله على أدائه الوظيفي والمهني.

    وعن أعراض الفيبروميالجيا، أشارت أخصائية الروماتزم إلى أنها تتلخص في آلام مُستمرة في العضلات والمفاصل، واضطراب في النوم، وإجهاد ذهني، واكتئاب، وعدم القدرة على رفع أو تحريك اليدين والقدمين، وعدم تحمُل أشعة الشمس، فالمريض دائما مصاب بحساسية الضوء والأصوات المرتفعة والروائح النفاذة، دائم البكاء.

    وتابعت حمزة، إذا شعر المريض بألم شديد ومنتشر بأنحاء الجسم، وهو ألم شديد يستمر لثلاثة أشهر على الأقل، ويكون بأجزاء الجسم وبالقسم العلوي والسفلي، والتعب المستمر على الرغم من النوم لساعات طويلة، وصعوبات إدراكية تتمثل في ضبابية الدماغ ومشاكل في التركيز والانتباه، فعليه فورًا الذهاب لطبيب روماتزم ومناعة، ولا يذهب لأطباء عظام أو أي تخصص آخر.

    وعددت حمزة أنواع الفيبروميالجيا، فمنها الفيبروميالجيا الأولية، غير المصاحبة لأمراض أخرى، وفيبروميولجيا ثانوية مصاحبة لأمراض أخرى مثل أمراض الروماتيزم والمناعة أو مصاحبة لأي مرض مزمن وكذلك الشعور بالألم لأوقات طويلة، حيث إن نقص فيتامين “دال” يلعب دورًا مهمًا جدًا في هذا المرض.

    أما عن العلاج، فبينت دكتورة صابرين أنه يشتمل على عدة طرق منها، الأدوية والعناية النفسية من أجل إدارة المرض والتقليل من الأعراض قدر الإمكان، والتقليل من الشعور بالتوتر وكذلك الاسترخاء والابتعاد عن الضغوط النفسية وجميع الأنشطة التي قد تزيد من الأعراض لدى المرضى، ووضع قواعد محددة للنوم وتنظيم ساعات ممارسة الرياضة المناسبة مثل المشي والسباحة، مع اتباع نظام غذائي صحي مع تحديد كمية الكافيين المتناولة.

    وألمحت، إلى أن العلاج الطبيعي يساعد في تخفيف الآلام وتقوية العضلات والأربطة مما يجعلها أكثر مقاومة للإجهاد، وكذلك العلاج الدوائي المتمثل أهمه في دواء البريجابالين و مضادات الاكتئاب، ودولوكسيتاين، وميلناسيبران وفينلافاكسين، وأقراص الصرع وإزالة التشنجات.

    كما ذكرت طبيبة المناعة، أنه من أفضل الأساليب الفعالة في علاج الفيبروميالجيا هو اتباع حمية غذائية صحية، والمقصود بهذا، الحصول على وجبات متوازنة العناصر الغذائية الصحية الطبيعية.

    وتابعت، اعتبر بعض العلماء أن المرض هو الترجمة الجسدية لمرض الاكتئاب المزمن، فهذا المرض يدرج في كل مؤتمرات تخصص الروماتيزم كموضوع مهم في كل مرة، ولكن لم يخصص له مؤتمر بعينه حتى الآن، فالفيبروميالجيا لا يسبب إعاقة ذهنية ولا جسدية، ولكنه يسبب انعزالًا للمريض عن المجتمع وهذا في حد ذاته يعد خسارة للمجتمع من أفراد منتجة.

    وبالحديث عن إدراج مرض الفيبروميالجيا كمرض إعاقة، وبمواجهة التأمين الصحي المصري بذلك، أكد الدكتور محسن جورج، مستشار الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل، أن التأمين الصحي الجديد دوره هو التأمين ماليًا فقط، بينما وزارة التضامن الاجتماعي هي المعنية بتحديد الإعاقة، لأنها الجهة التي تدفع التعويض.

    وأضاف جورج لـ”القاهرة 24″ أن مرض الفيبروميالجيا مرض نادر وعلاجه تجريبي، ويتم التشخيص فيه بالاستبعاد، لذلك من الصعب تحديد المرض، ولهذا فإن الدول التي أعتبرته من أمراض الإعاقة حريصة جدًا في تحديده حتى يذهب التعويض لمستحقيه.

    وتابع، وزارة التضامن هي المعنية بتحديد الإعاقة ولكن بعد أن تلجأ للتأمين الصحي القديم لعمل تقرير طبي تبدأ على إثره وزارة التضامن دفع التعويض.

    وأضاف جورج: “مرضى الفيبروميالجيا عندهم حاجة محدش عارف يشخصها ولا يعالجها، لذلك فهم بيدخلوا في صراعات صعبة جدًا، أما التأمين الصحي الجديد لا يقدم أو يشخص علاج، بل يعمل على تجميع الاشتراكات وإدارتها وتحويلها لمقدمات”.

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


    CIB
    CIB
    إغلاق