• بحث عن
  • نشرة 11 وميكروباص TeN

    جاءنا البيان التالي: “تعلن إدارة قناة TeN عن توقفها عن البث بنهاية شهر ديسمبر 2019 لأسباب تمويلية وإعلانية بحتة”.. ليست هذه المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة التي أتلقى فيها مثل هذا البيان، فالعاملون مثلي في مجال الإعلام والصحافة يعلمون جيدًا ما تموج به أحداثه.. تقلباته وأهواء صناعه.. عثراته وانحساراته وانحيازاته.. لكن هذه المرة كانت مختلفة تمامًا.

    في عيونهم بدا عمق حزين يعكسه الموقف الغامض لمستقبل غير متضح المعالم، وباب رزق يُوصد أمامهم دون رغبة منهم، أو ذنب اقترفوه، فقد أخلصوا جميعا وتعاهدوا واجتهدوا وجدوا طيلة أيام وشهور وسنين، حتى تبوأوا مواقعهم في صناعة الإعلام.
    كنا وكانوا وكنت واحدًا منهم، لم ندخر جهدًا، ولم نترك فرصة تجعلنا في المقدمة إلا وانتهزناها، ولم نتخاذل أو نتقاعس عن أداء واجب، فجميعنا أحببنا التجربة حتى صارت مدرسة نتعلم فيها وننهل منها خلقًا ومهنًة ودروسًا. وبالنسبة لي شخصيًا صقلت إمكاناتي وقدراتي حتى باتت واحدة من أعظم التجارب التي أفخر بها، وتشرفت بالعمل وسط مجموعة من الخبرات وأساتذة العمل الإعلامي الذين تعلمت منهم جميعًا.

    بعد اجتماع الرابعة، وإعلان إغلاق القناة، وقف الجميع يترقبون.. يتهامسون فيما بينهم عن المصير المجهول.. فالجميع يرتبط بالتزامات مالية، وأكثرهم شباب يخطون نحو الغد بخطوات قلقة متثاقلة يرقبون مستقبلا غامضًا.. بعضهم على وشك الزواج، وآخرون لديهم أبناء ومدارس وأقساط وارتباطات عديدة.

    دخلنا لتنفيذ نشرة الحادية عشرة مساءً.. هذه آخر الخدمات الإخبارية في القناة.. هكذا أخبرونا.. يمر الوقت سريعًا.. البعض محبط عابس.. والبعض الآخر يستقبل الأمر بابتسامة ساخرة متجاهلًا.. بغموض بدت المواقف مختلفة، واللحظات خانقة، والظروف عابسة.. انتهت الخدمة الإخبارية، والتقطنا الصور التذكارية، وتبادلنا السلام وكأننا لن نلتقي مجددًا..
    النظرات مهمومة، والعبرات مكتومة، والكلمات مكلومة.. تظاهر الجميع بالقوة والصبر، ولكن بين ضلوعهم آهات، وفي كلماتهم تختنق عبارات الوداع والسلام.

    ركبنا “ميكروباص” القناة الذي يقلنا للعودة عقب النشرة المسائية.. صمت خانق يطبق السيارة.. لم نتفوه بكلمة واحدة.. وعلى غير العادة لم ينبس أحدنا ببنت شفة.. جميع الزملاء اعتادوا التسامر والتناقش في الكرة والأحداث وأمور العمل والبيت والحياة، غير أن هذه المرة غير سابقاتها.

    منذ أن انطلقت السيارة من أمام باب القناة بمدينة الإنتاج الإعلامي في مدينة 6 أكتوبر حتى وصلت بنا إلى الجيزة لم ينطق أحدنا بكلمة واحدة، باستثناء كلمات الوداع وقت الوصول، مع أن بين نظراتنا، وفي قسمات وجوهنا الحزينة سطورًا وقصصًا طويلة لا تكفيها كتب وساعات للحكي.

    نزلت من السيارة وفي رأسي تدور أسئلة كثيرة.. كيف سيدبر هؤلاء حالهم؟ ولماذا يفتقد العاملون في مجال الصحافة والإعلام مبدأ الأمان في الحياة، والحق في عمل كريم يحفظ لهم كرامتهم، ويصون أسرهم، ويستر أبناءهم؟ ولماذا يعبث العابثون بأرزاق أسر كاملة لمجرد قرار دُبر في غفلة؟

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى

    إغلاق