• بحث عن
  • خذلان في الواقع والعالم الافتراضي.. حكايات مرضى الاكتئاب بين الأسرة ومواقع التواصل الاجتماعي

    ندى عمران

    أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي، ملاذًا يلوذ به الجميع في الآونة الأخيرة، فهي الآن بمثابة المنبر و”المتنفس” للكثير ممن يضيق بهم الأحوال ولم يستطيعوا أن يتحدثوا في الواقع عما يشعرون به، وربما بحثًا عن أحد يشاركهم هذا الألم في الواقع الافتراضي، أو وسيلة إبلاغ رسائل لم يستطيعوا التفوه بها في الواقع، ليستتروا خلف شاشاتهم ويتحدثوا.

    يجلس بهاء الدين محمد كعادته في غرفته المنقلبة رأسًا على عقب، عقب مشادته مع والده، يفكر فيما حدث والشعور بالمرض أنهكه وأهلكه، ودون سابق إنذار.. يدخل عليه رجلان يراهما لأول مرة، يكبلان يديه ويصطحبانه بقوة لغرفة صغيرة أسفل الأرض، بها أكثر من سبعين مدمنا ومرضى نفسيين، لمدة 42 يومًا، ليكتشف بعد ذلك أنها مصحة تابعة للطبيب النفسي المعالج له.

    يصف بهاء تلك الغرفة بأنها أسوء من أسوء سجن، يُطلب منهم تناول الأدوية المهدئة حتى يهرب بالنوم من هذا الكابوس، ويخرج بعد ذلك بحالة أسوء مما كان عليها.

    يحكي ذو الـ29 عامًا، أنه مرض بالاكتئاب منذ قرابة 10 سنوات، تحول خلالها من شخص إلى نقيضه، فقد معها إحساسه بمتعة الحياة، فعلى حد قوله “الدنيا سودا في وشي طول الوقت مخنوق مش عارف أتعامل مع حد”.

    في البداية لم يكن بهاء على وعي بحقيقة مرضه، فعندما كان يحكي لأهله عن شعوره، كان الرد يقتصر على: “أنت بعيد عن ربنا.. صلي وهتبقى كويس”، ليبدأ بعدها في البحث عن مخرج لنفسه، ولكن دون جدوى، ليأكل الاكتئاب شبابه، الذي مر دون نجاح يذكر، وكل ما يتذكره خلال هذه الفترة هو الشعور بالضيق، ومحاولاته الثلاث الانتحار، حتى يتخلص من ذلك الألم، ليقرر بعدها الاستعانة بطبيب نفسي، باحثًا عن مخرج له.

    “عيب هيقولوا عليك مجنون” هذا هو الرد الذي يتلقاه بهاء من الأهل كلما فاتحهم في الاستعانة بطيبب نفسي، ويحكي: “كل ما باخد الخطوة وأقول أروح لدكتور نفسي، مالقيش دعم ومساندة من أهلي.. ماكنتش محتاج غيرهم”، ومع سوء حالته وافق الأب، وشخصه الطبيب مرضه باكتئاب حاد وفصام، ليبتعد عنه إخوته ويرمقه الجميع بنظرات الخوف والترقب.

    يقول بهاء: “الاكتئاب ضيع عمري.. فاشل في عملي وحياتي الاجتماعية، أصبحت وحيدًا، منعزلًا، بهرب من أي تجمع فيه ناس”، ليلجأ لمواقع التواصل الاجتماعي، ويكتب عن حالته ورغبته في الانتحار، بحثًا عن الدعم، ويحكي: “بدور على حد يساعدني، أنا تايه ومحطم، والتواصل مع البشر في الواقع بيحبطني، ولكن رد فعل الناس ضايقني أكتر، الناس في ملكوت تاني، وقالولي قرب من ربنا هتبقى كويس”.

    الهروب والبحث عن النفس

    “ماكنتش بتكلم عن مشاعري وسط الناس، كنت بعدّي كل حاجة.. لحد ما بقيت مش عارف أتعامل ومحتاج أنفجر”.. يحكي يوحنا ويليام، أنه كان دائمًا ما يتحمل تجاوز من حوله في حقه وتنمرهم عليه، حتى فاض به كيله، قبل التخرج من الجامعة بشهر واحد، فأزدادت مخاوفه من المستقبل المجهول والدخول للمجتمع الكبير، لينسحب فجأة من كل شئ، ويصبح مريض بالإكتئاب، وتتحول حياته من حياة مليئة بالصخب والأصدقاء والأنشطة إلى شاب جالس بالمنزل، يهرب بنفسه من أي تجمع.

    ” كنت حاسس إني بغرق ومش عارف نفسي”، هكذا يصف صاحب الـ23 عامًا، فترة معاناته مع الاكتئاب، والتي استمرت شهرين، حتى قرر أن يذهب لطبيب “سيكوثيرابي”، وهو علاج نفسي بالحكي والطاقة الحيوية، على مدار شهر ونصف، ويقول: “اتعلمت إزاي اتعامل مع نفسي، ماكنتش هعرف ازاي اطلع من دوامة الإكتئاب غير بدكتور”.

    اختار يوحنا أن يشارك حالته على حسابه الشخصي، لتشجيع غيره على الذهاب لمختص، فظهور حملة “أنت مش لوحدك” أثارت غضبه، فهو يرى أن الإكتئاب ليس علاجه الحكي مع آخرين فقط، يستلزم دخول طبيب، ويضيف: “مش أي حد ينفع نتكلم معاه عن وجعنا، وممكن حد يستغل الكلام اللي هيطلع منك في لحظة ضعف، وسيحول الأزمة لأزمة أكبر وضغط على المريض أكتر”، ويكمل: “للأسف كمجتمع مابنتقبلش فكرة المريض النفسي من الأساس، أختار شخص قريب منك مش غريب وهتبقى مجرد فضفضة وليست بعلاج”.

    الوحدة مكانًا للحب

    ذات ليلة أتصلت رحاب أشرف، بإحدى صديقتها المقربات، تطلب منها المساندة وأن تعطي لها سببًا واحدًا يرجع لها شغفها وحبها للحياة مرة أخرى، ففي ذلك الوقت كانت تطاردها فكرة الانتحار لتتخلص من كل الآلام التي تشعر بها.

    “بطلي هبل، قومي صلي”، كان ذلك رد صديقتها عليها، فتصف رحاب تلك الكلمات بـ”ردها خذلني مايعرفوش إن الانتحار مالوش علاقة بالدين”.

    “بيتنا بيغيب عنه الحب.. وأنا بعيدة عن أهلي، بالنسبالهم الأكل والشرب أهم حاجة”، هكذا تسرد رحاب معاناتها مع أهلها، والتي على إثرها تعاني من الاكتئاب منذ عاميين، فعلاقتها مع والدها شبه معدومة ولم تحاول إصلاحها، بلغت الأمور ذروتها، عندما رسبت ذات الـ21 عامًا، في أول عام دراسي جامعي لها، وبعدها علم الأب بوجود حب بحياتها، فبعدما ذاقت طعم ما كانت تبحث عنه، وتمسّكت به كطفلةٍ، قرر الأب حرمانها مرة أخرى من الحب، ومنعها من الكلية، وأخذ هاتفها المحمول منها، ومنعها من الخروج من المنزل أيضًا، لتقضي بعدها فترة إنعزال دامت خمسة أشهر.

    تحكي رحاب أنها في تلك الفترة أزداد لديها الشعور بالوحدة، وأزداد وزنها بشكل واضح، وأصبح سلوكها عدواني مع أفراد أسرتها، وبسبب ذلك وافقت الأم على طلبها بالانتقال للعيش مع الجدة، لتقرر بعدها الاستعانة بطبيب نفسي، دون معرفة أهلها، وتسرد في أسى: “كل حاجة في حياتي أهلي مايعرفوش عنها حاجة.. مابقتش قادرة أستحمل اللي بيحصل حوليا الدنيا بتسود أكتر”.

    مع الاستعانة بالطبيب النفسي، استعادت رحاب جزء من نشاطها مرة أخرى، ولكنها كانت تتهرب من الناس لعدم قدرتها على الاجابة بعد سؤالها بـ”مالك؟”، لتتلقى اللوم والضغط من اصدقائها.

    “ماحدش كان يعرف أنا بمر بإيه، طول الوقت انا جنبهم وبسمعلهم كان نفسي حد يسمعلي ويهتم بيا”، وحتى تخلص من هذا التأنيب، أختارت رحاب أن تحكي عن إكتئابها ومطاردة فكرة الانتحار لعقلها، على حسابها الشخصي بموقع فيس بوك، لتتلقى بعدها اتصالات من أصدقائها تحمل كثير من الدعم والحب، ولكنها تصفه بالاهتمام “الكاذب”، الذي يأتي يوم وأخر ويختفي مرة أخرى.

    “المتسول لما يمد إيده”

    وجع الفقد وفاجعة الموت.. شعور اعتاده شادي إبراهيم- اسم مستعار- على مدار شهرين بعد وفاة 8 أفراد من المقربين له، حيث يصف حالته وقتها بـ”شبه المشلول”، وكانت المساندة التي تلقاها وقتها من المحيطين به هي السخرية منه، فيقول أحدهم “إيه الواد اللي كل شوية وفاة دا”، وآخر: “قلبت صفحتك وفيات”.

    شاءت الظروف بشادي، ذور الـ23 عامًا، بالعيش في القاهرة، بعيدًا عن أهله، ليكون له عائلة جديدة من زملاء العمل تعوضه عن بعده عن أهله، أستمرت صداقتهم ثلاث سنوات ونصف، لم يكن يدرك خلال هذه المدة أن عائلته الجديدة التي اختارها هي أول من تتخلى عنه عند مروره بضائقة نفسية، مشبهًا نفسه بالمتسول عندما طلب منهم المساندة، ليجد الرد “مفيش حد فاضيلك.. قوم شوف حياتك”، ويصاب بعدها بالإكتئاب ويترك عمله. ويقول: “لما وقعت وسط أسرتي الجديدة اللي أختارتها هما اللي داسوني”.

    واختار شادي أن يكتب على حسابه الشخصي ما يمر به، في محاولة منه لإبلاغ رسالة لأصدقائه الذين تخلوا عنه، ولكن رد فعل الناس، خذله هو الآخر، فيقول: “ناس كتير طبطبت، بس الشخص القوي وقع من نظرهم، ونظرات الاحترام لنجاحي تحولت لشفقة”.

    من جانبه، يصف الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، من يشارك حالته النفسية على مواقع التواصل الإجتماعي، بالباحث عن المساعدة الوجدانية، لعله يجد أحد يأخذ بيده ويخرجه مما فيه. ويعتبره فرويز، استعراض للمرض أكثر، فالبعض يتاجر بمرضه ويبحث عن التفاعل، حسب قوله، ويحاول أن يعوض الحرمان العاطفي الذي يعانيه.

    وعن أثر رد فعل الناس على المريض، أوضح الطبيب النفسي، أنه يختلف حسب الحالة وظروف مرضها، فإذا وجد تعاطف معه سيكون له تاثير إجابي عليه، لأنه سيشعر بأن أحد بيشاركه مشكلته.

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى

    إغلاق