• بحث عن
  • “السيناريو المعتمد” للفوضى (3)

    تحدثنا في المقال السابق عما وقع من أحداث فى صباح يوم 26 يناير 1952، حينما اندلعت مظاهرات إثر اعتداءات الإنجليز على رجال بلوك النظام بمدينة الإسماعيلية يوم 25 يناير، كما تذكرها وثيقة مراسل صحيفة “الفيجارو” في مصر “جان ميرلي”، الذي أكد أن المتظاهرين طلبوا إرسال حملة تأديبية للقنال، وقد حمل المتظاهرون ضباط الجيش وهتفوا لرجال البلوكات، الذين أظهروا رغبتهم فى الانتقام لإخوانهم!

    ويستطرد «ميرلى» قائلاً: فى الساعة السادسة كان يمكن تحديد المؤسسات التى أصابتها أضرار «وهنا ذكر أسماء المؤسسات ودور السينما التى اشتعلت فيها النيران»، وبينها الغرفة التجارية الفرنسية والقنصلية السويدية ومخازن وكلاء السيارات التى أخرجت من المخازن وأشعلت فيها النيران ومخازن الأسلحة والجبة خانة، وفى المساء توجه سفير الولايات المتحدة إلى السراى الملكية لإبلاغ جلالة الملك بأن القوات البريطانية بالقنال ستصل إلى القاهرة بعد ساعة لحماية الرعايا البريطانيين وغيرهم من الأجانب، ما لم يتدخل الجيش المصرى ويحفظ النظام. هذا ما قيل ولكن الحقيقة هى أن جلالة الملك هو الذى استدعى السفير الأمريكى لأنه أدرك حرج مركزه لو لم يتدخل الجيش المصري!
    والأسباب الحقيقية لهذه الحركة هى الرغبة فى طرد الإنجليز من منطقة القنال وبغض الأجانب بصفة عامة باعتبارهم شركاء الإنجليز ومناهضة الروح الغربية، وأخيرا ثورة الفقر على الرفاهية، وبالاختصار «حروب وثورة».
    ويقال إن رؤساء الحركة السريين كانوا يتجمعون فى منزل بالقرب من النيل، ولكنهم هربوا منه قبل المساء ولم يكتشف أمرهم منذ ذلك الوقت، والتهم موجهة إلى:
    1- الإخوان المسلمون.
    2- الاشتراكيون التابعون لأحمد حسين.
    3- الشيوعيون.
    ويظهر أن الوزراء الجدد -يقصد وزارة علي ماهر التي جاءت للحكم بعد الوفد- مترددون فيما يختص بالفئتين الأولى والثانية لأن الإخوان المسلمين قد عضدوا الوزارة المكلفة باتخاذ ما يلزم من إجراءات ضد حركة يوم 26، لقد شردوا فى ديسمبر سنة 1948 على إثر ما ارتكبوه من حوادث، وتم التصريح لهم بمزاولة نشاطهم أخيراً، فهم يحاولون تنظيم حالتهم دون إرهاب، ومرشدهم العام لا يرى أن أقلية سنة 1948 التى كانت متفقة مع الشيوعيين سوف تقوم ضده، وقد صرح بأن «الإسلام ليس فى حاجة إلى الشيوعية ولا إلى الديكتاتورية أو الديمقراطية لأن مبادئه تفوق هذه المبادئ أجمع وهى تحل المشكلات الاجتماعية والثقافية والسياسية على أسس عادلة وروح تقدمية».
    ومن المسلم به أنه يوجد بين الإخوان بعض الشبان المتهورين الذين يسيرون خلف ميول «جريدة الدعوة» (لسان حال الجماعة).. ولكن رسالتهم لم تؤثر للآن على رسالة المرشد الأعظم المعتدلة، وعلى أى حال فإن الجميع متفقون على ما يقضى به الدين والأخلاق والوطنية وهو ألا يخضع الإسلام لأى نفوذ أجنبى.
    أما الاشتراكيون – والكلام لازال لميرلى- فإنهم يدعون إلى إلغاء الامتيازات الداخلية وتوزيع الأراضى، وكان بعضهم منضماً إلى الشعبة الاشتراكية من الإخوان المسلمين «وهنا ذكر تاريخ أحمد حسين رئيس الحزب وقال إن الأوساط الرسمية ليست مقتنعة بأنه مسؤول مسؤولية مباشرة».
    وفيما يختص بالشيوعيين فإنه ليس هناك حزب أو رئيس أو جريدة، ومن المؤكد أن للشيوعيين خلية سرية غير منظمة تقودها الأفكار الماركسية.
    إن هناك من الفقراء من يقول إنهم شيوعيون دون أن يدركوا ما يعنى ماركس وانجلز ولينين، كما أن للشيوعيين رسلاً جاءوا من روسيا أو من البلاد الواقعة تحت نفوذها، وقد هتف لأسطول الصيد السوفييتى بميناء بورسعيد أخيراً، ويجب أيضاً ملاحظة أن هناك أنصار السلام وما لهم من نفوذ فى المدن وفى محيط الطلبة والموظفين والمدرسين وأصحاب المهن الحرة والعمال، وإذا أضيف إلى ذلك النقابات لوجدت جبهة يسارية تفتقر إلى التنظيم وينقصها الانتشار، ولكنه يمكنها أن تزيد من الكراهية ضد الأجانب فى مختلف الأوساط، ولا يغرب عن البال الحزب الوطنى الذى يطالب بالجلاء قبل أى مفاوضة وقد انصرف شبابه عنه ليقوم بعمل أكثر شدة، ويتضح من تصريحات المحققين أن ثوار يوم 26 قد جندوا من مختلف الأوساط أى من الفئات التي ذكرناها ومختلف طبقات الشعب.
    ..انتهت الشهادة التي تؤكد أن “الجماعة” هي المتهم رقم 1 بحرق القاهرة يوم 26 يناير 1952.

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


    CIB
    CIB
    إغلاق