• بحث عن
  • الأخوة في الإنسانية

    ذات يوم كنتُ أسير على الجبل، فرأيتُ من بعيدٍ وحشاً كاسراً فَخِفتُ منه، ولكنني عندما اقتربت منه، اكتشفتُ أنه إنساناً، وعندما وصلتُ إليه رأيتُ أخّاً لي. نجد على مدار الأجيال شعوباً ودولاً تدّعي بأنها أرقى وأسمى البشرية وتحتقر الشعوب الأخرى معتبرة إيّاها عالة على المجتمع الدولي! لقد تناست هذه المجتمعات بأننا جميعاً أبناء الله الذي خلقنا على صورته ومثاله في الحُب والقداسة والرحمة، لكننا نستطيع أن نتعلم الدرس من هذا المَثَل البسيط الذي ذكرناه في مستهل موضوعنا، وهو أن المسافة التي نضعها بين بعضنا البعض تشوّه معالم وجه الآخر، وتسبب خوفاً من الناس، لأننا نتخيلهم أشباحاً، حتى أن عقلنا يتوقف عن التمييز في هذه اللحظة. لذلك يجب علينا أن نقترب من الآخر دون حذر، وهذا يعني أن نسعى إلى فهم الأشخاص ونواجه هؤلاء الذين نعتبرهم خطراً على حياتنا.

    وبقدر ما نُذيب المسافة، تظهر الصورة الحقيقية للآخرين وندرك الملامح الخاصة بهم، وتختفي الكوابيس والتخيلات. لكن كل هذه لا تكفي، بل يجب علينا أن نتحلّى بالشجاعة التي تدفعنا لمواجهة الشخص ومقابلته وجهاً لوجه والتحدث معه، والنظر في عينيه، حينئذٍ سنكتشف على هذا الوجه علامات الألم والحزن والفرح والخوف والرجاء واليأس والهم والقلق والحُب، كل هذه الملامح نتقاسمها جميعاً في حياتنا اليومية وتُكوّن منّا جماعة أخوية. إذا كنتُ أريد في بداية الأمر أن أُلقي حجراً من بعيد للدفاع عن نفسي، إلا أنني عندما اقتربتُ من الآخر استطعت أن أمدد له يدي. كما أنني اكتشفت جمال وقوة وجه الشخص الذي أتقابل معه سواء كان رجل أو امرأة. ويقول في هذا الصدد الأب الفيلسوف Italo Mancini: “إن عالمنا سيحيا حقاً ويحُب ويتقدس ليس من النظريات الغير محدودة أو أحداث التاريخ أو ظواهر الطبيعة، لكن من وجود مراكز الحياة المذهلة ألا وهي وجوه الآخرين. وجوه بحاجةٍ إلى رؤيتها واحترامها وملاطفتها”. نستطيع أن نكتشف في عين كل إنسان نفسيته وسر حياته، كما أننا إذا نظرنا بكل حُب في وجه الآخر، لن نجد أي وسيلة تدفعنا إلى بغضه. كل هذا عاشته الأم تريزا مؤسسة راهبات المحبة الهنديات والتي خدمت الفقراء والمرضى والمسنّين والأطفال المهملين في العالم كله دون تمييز أو تفرقة، وتعلّمنا هكذا: “الناس غير عقلاء ولا منطقيين وأنانيون، لا يهم، أحبّهم رغم ذلك؛ إذا فعلتَ خيراً للآخرين فاتّهَمك الناس بأنك تفعل هذا بدوافع أنانية خفية، لا يهم، اصنع خيراً رغم ذلك.

    إن استطعت أن تحقق أهدافك ستجد من يسعى لإعاقتك لا يهم، ثابر على نجاحك رغم ذلك؛ الخير الذي تعمله اليوم سيُنسى غداً لا يهم، اعمل خيراً رغم ذلك؛ الصدق والصراحة يجعلانك عُرضة لإيذاء الآخرين لا يهم، كُنْ صادقاً وصريحاً رغم ذلك… الناس بحاجةٍ إلى مساعدة، لكنهم ينقلبون عليك إذا ساعدتهم لا يهم، ساعد الناس رغم ذلك… أعطِ العالم أفضل ما عندك”. عادةً يستخدم الأشخاص الذين يفكرون في عمل الخير شعار “يهمني” حتى يسارعون في خدمة الآخرين ويتخلّون عن أنانيتهم، وهذا الشعار يستخدمه الذين يشعرون بمعاناة الإنسانية ويضعونها على عاتقهم مهما كانت النتيجة. شعار “يهمني” هو ارتقاء الضمير الذي يشعر بأننا أبناء عائلة واحدة وهي البشرية، ولنا أبٌ واحد وهو الله. لكننا اليوم أمام شعارٍ آخر: “لا يهم” الذي أرادت القديسة الأم تريزا كتابته على حائط ملجأ للأطفال بمدينة كالكوتا الهندية. مرات عديدة يكون حُكم الآخرين ونقدهم لأعمال الخير هو وسيلة لإحباط فعل الخير نحو البشرية، ويُعتبر هذا العدو اللدود للسخاء والتطوع والصدق والأمانة. لذلك كانت رسالة الأم تريزا مبنية طوال حياتها على كلمات السيد المسيح: “كل ما فعلتموه من ذلك لواحدٍ من أخوتي هؤلاء الصغار، فلي قد صنعتموه” (متى 25: 40).

    إذاً يجب أن نعتبر كل البشرية أخوةً لنا، ونكتشف في وجوه الآخرين ملامح الإنسان الحقيقية، وبناءً على ذلك ستصبح الأرض كلها فردوساً نعيش فيه، وستكتسب الحياة طعماً ومعنى مختلفين وجديدين. ويعبّر Paisij Veličkovskij أحد النسّاك الأوكرانيين عن الأخوّة بهذه الكلمات: ” عندما أنظر إلى الآخرين لا أراهم أخوة بل ملائكة، وعندما يأتي إليّ أحد المحتاجين، أحني رأسي نحوه متذكّراً كلمات الكتاب المقدس: رأيتَ أخاك، رأيتَ الرب”. هكذا نختم حديثنا بالترتيب الصحيح للأمور: الله أولاً، أخي ثانياً، وأنا في المقام الأخير.

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى

    إغلاق