• بحث عن
  • سفيرة الحب

    ● “ألبرت آينشتاين” مكتشف النظرية النسبية هو واحد من أعظم العلماء فى التاريخ زي ما هو معروف للكل.. بس يمكن جزء الحياة الشخصية عند “آينشتاين” ماكنش له الحظ من تسليط الضوء الإعلامي عليه بالذات عندنا إحنا فى الوطن العربي.. “آينشتاين” إتجوز مرتين.. مرة أولانية من “ميلفا ماريك”، ودي مالناش دعوة بيها لإنها كانت مبنية على قصة حب أثناء فترة المراهقة والدراسة وحتى ورغم إنها إنتهت بالجواز وكان من ثمارها أطفال لكن خلافات الطباع الشخصية بين الإتنين خلّى الإنفصال يقول كلمته ده غير إننا ماعندناش معلومات كافية عن المرحلة دي!.. الجوازة التانية، وهي الأهم كانت من بنت عمه “إلسا أينشتاين”..

    قصة حب غلب عليها العقل بنسبة كبيرة فى الإختيار خصوصاً كمان إننا بنتكلم عن “عالم” يعني العقل هو رقم واحد وإتنين وتلاتة وعشرة عنده.. لقي عندها اللى هو محتاجه تماماً وكانت حياتهم سوا سعيدة بشكل يفوق الوصف واستمرت لغاية وفاة “إلسا”!.. هنقف هنا لحظة ونرجع ورا شوية سنين كتيرة أوي قبل الجوازتين وتحديداً لمرحلة طفولة “آينشتاين” لما والدته كانت بتحاول تعلمه يعزف على آلة الكمان من وهو طفل لإنها بتحب المزيكا!.. العيل الصغير اللي كان عنده وقتها 6 سنين كان مزمزأ ومقريف وبتبقي اللحظة اللي أمه بتخلّيه يمسك فيها الكمان وياخد دروس المزيكا من أنيل لحظاته.. بس هى صممت إنه يكمل!.. كمل.. ماكملش حب لكن كمل غصب.. كانت أمه بتشجعه عمال على بطال رغم إنه ماكنش قد كده ولا مبهر فى عزفه يعني بس مين يشهد للعروسة!، والقرد فى عين أمه غزال وكل الأمثال اللطيفة بتاعتنا دي.. مع الوقت بقي الولد فيه بينه وبين آلة الكمان حب وعشق وبقي عنده ثقة فى نفسه لامحدودة بعبقريته فى العزف!.. وده على أرض الواقع بلح يعني.. هو مش عازف مميز خالص!.. كبر “آينشتاين”، وكبر معاه ثقته بنفسه فى العزف اللي كان بيستقبل بسببها إشادة من كل اللى حواليه بالذات لما بيشوفوا الفرحة العيالي اللى وشه وهما بيسقفوله!.. “آينشتاين” حب آلة الكمان لدرجة إن أهم إكتشافاته العلمية كان قبلها بيعزف!، ولما كان بيحب يروق دماغه من كتُر التفكير بيبقي الحل فى شوية عزف يطلعوا من بين صوابعه!.. لما إتجوز هو و”إلسا” كان متعود يعزف لها كل يوم قبل ما يناموا.. فى مرة الفنان “شارلي شابلن” وزي ما هو نفسه بيقول فى مذاكراته عزم “آينشتاين” و “إلسا” على العشاء فى بيته مع مجموعة تانية من أصدقائهم.. “آينشتاين” أخد معاه الكمان بتاعه على أساس إنه يعزف وكده.. لما راح فوجيء إن “شارلي” كان جايب أساساً 4 عازفين تانيين عشان يحييوا الليلة.. “آينشتاين” قال لك هعزف معاهم.. ماشي يا عم إعزف.. طبعاً كان باين الفرق وصوت التجعير اللى خارج من كمان “آينشتاين” مقارنة بالعازفين الباقيين!..

    واحد منهم طلب منه إنه يستريح لإنه بعزفه بيشوشر عليهم!.. راح قعد جنبها، ودي كانت أول مرة حد يصدمه برأيه الحقيقي الواقعي فى عزفه!.. طبطبت “إلسا” على ضهره بدون ولا كلمة.. سألها: (أتعتقدين أنهم سيسمحوا لى بالعزف مرة أخري الليلة؟).. قالتله: (لقد عزفت أفضل منهم جيمعاً بالفعل، ولا يهمني إن سمحوا لك بالعزف أم لا، هل تعدني بشيء؟).. بص لها بدون ما يرد.. كملت: (عدني أن تعزف لى بمفردي عندما نعود إلى منزلنا).. “آينشتاين” وشه نور زي ما بيحكي “شارلي” فى مذكراته، ورغم إنه زي أغلب الموجودين ماكانوش سامعين الكلام اللي بيدور بين الراجل ومراته-(واللي عرفه بعد كده من صديقه)-؛ لكنهم كانوا شايفين تغير ملامح وش “آينشتاين” من الإحباط للأمل والإنبساط.. المهم إنهم وحتي لما حاولوا يخلّوه يعزف تاني فى الليلة دي رفض، وبص لـ مراته وقال: (لدي دعوة خاصة اليوم للعزف لأهم شخص بحياتي).. قالها وكمل سهر وهزار ورقص.. لكن عزف هنا تاني؟.. لأ.. يمكن أغلب الإستغراب بتاع الحضور كان إن إزاي “إلسا” واللي بالمعايير الجمالية ماكانتش هي أحلي زوجة فى الدنيا يعني؛ لكن قدرت تخلّى واحد بقيمة وقدر ودماغ وشخصية “آينشتاين” يبقي زي الطفل مبسوط بالكلمتين الحلوين دول!.

    آينشتاين
    آينشتاين

    ● الحاجة “إنصاف عبدالرحيم”.. سيدة عظيمة ووالدة صديق عمري “عصام خيري”.. التعامل بيننا ماكنش مجرد تعامل بين سيدة فاضلة مع صديق إبنها.. كانت حرفياً أم تانية ليا، ولكل حتى أصدقاء ولادها الأربعة.. وأنا فى الجامعة كنت بحب بنت جارتنا.. قصة حب طفولي كان غالب عليها المراهقة والتفكير العيالي، وغايب عنها وبقوة العقل والمنطق.. البنت من مستوي إجتماعي مرتفع بشكل كبير.. عملت محاولات كتير معظمها نجح وبعضها فشل عشان ألفت نظرها.. صحيح هي كانت ولا هي هنا وولا فرق معاها ولا محاولة من دول لكن طبعاً بعد نشوة نجاح أى خطوة ما أو حتى إحباط فشل خطوة ما كان بيبقي المطلوب بالنسبالي حد أرمي فى ودانه وقلبه الحكي اللى عندي.. دا أنا عملت كذا كذا كذا.. آه الأصدقاء كانوا بيكونوا هما الملاذ الأول للمهمة دي بس فى النهاية هما بيقولولك اللي برضه لو قعدت مع نفسك تفكيرك هيهديك ليه.. ما هو بالعقل كده خلاصة تجاربنا كلنا وبما إننا فى نفس السن أكيد هتكون واحدة.. مين الفكيك اللى فيهم هيجيب الديب من ديله!.. محدش!.. بس ماكنش فى بالي غيرهم، وفعل الحكي نفسه بيريح.. بعد مرة من المرات اللي كنت محبط فيها بعد ما عملت تصرف فيه تسرع ونتيجته ماكانتش كويسة رحت عشان أدردش مع “عصام” وأحكيله.. كان فى مشوار وراجع بعد شوية.. قعدت مع الحاجة “إنصاف” لغاية ماييجي.. كنا بنتكلم فى أي حاجة.. هي لاحظت إن إبتسامتي إبتسامة مجاملة ومجاراة فى الكلام مش أكتر.. يمكن كمان لاحظت كفوف إيدي اللي كنت بفركها بتوتر وأنا دماغي فى حتة تانية خالص.. أو حتى لاحظت من خلال ردودى الثابتة عليها واللي بتثبت إن اللي بيرد ده فى وادي تاني خالص..

    (ممممم، آه طبعاً، أوُمال، عندك حق، أكيد أكيد).. سألتني فجأة: (مالك يا إبني؟).. إنتبهت لسؤالها، ورديت بصوت خرج غصب عني متحمل بتوتر: (الحمدلله يا طنط ربنا يخلي حضرتك).. قالت: (الحمدلله على كل حال بس أنا بسألك مالك؟).. ماقدرتش أرد.. حاولت تخفف من إحراجي وقالت: (أنا مش زي مامتك؟).. رديت: (آه أكيد والله).. قالت: (خلاص وقت ما تكون عايز تحكي أنا هكون عايزة أسمع).. بس هما الكلمتين دول.. بدون تفكير وفى لحظة صمت سألت نفسي وجاوبت.. ينفع؟.. وليه لأ!.. طنط لما عرضت عرضها الكريم إنها تسمع عرضته بصدق.. أصل بيبان فى نبرة الصوت.. بس هل ينفع أحكيلها عن الهبل اللي أنا بعمله، ورحت عملت كذا عشان فلانة تاخد بالها، وعملت لها كذا عشان ألفت نظرها!.. السيدة الفاضلة القديرة اللي كانت فى منصب حكومي كبير ومهم ودماغها مليانة مليون حاجة أهم من إنها تسمع تفاهاتي هيكون عندها صبر!.. يا عم طب ما تجرب مش هتخسر حاجة!.. حكيت.. سمعتني.. سمعتني يمكن أكتر من كل أصحابي.. سمعتني وقالت رأيها فى تفاصيل صغيرة بمنتهي التركيز والتضامن.. (يخرب بيت عقلك، وعملت كده فعلاً! إحكيلي إحكيلي).. أنا أحكي وهي تسمع.. وصل “عصام”.. إستغرب إن فيه موضوع مفتوح فى الكلام بيني وبين طنط، والحقيقة إنه كان قلقان إنها تكون جرجرتني فى الكلام عشان أحكي حاجة عن أسراره اللي محدش يعرفها غيري.. طنط أخدت بالها.. طمنته، وغيرت الموضوع، ولما أنا وهو بقينا لوحدنا سألني فقلت له إننا كنا بنتكلم فى موضوع خاص بواحد قريبي.. هو ماصدقش بس عمل نفسه مصدق.. بعدها بيوم أو إتنين زورتهم وقابلت طنط.. إتفقت معايا إني أكمل حكي، وإقترحت عليا نعمل سيم أو شفرة وإسم مستعار مشترك بيني وبينها نقوله عن البنت بحيث لو حد دخل فجأة نكمل كلامنا عادي!..

    سمينا البنت “محمود”!.. الكلام بيني وبينها كان رايح جاي عن “محمود” وعملت إيه عشان “محمود”، ورد فعل “محمود” كان إيه، وأبو “محمود” عمل إيه، وهكذا.. بعد كل مرة حكي لقيت فى الحاجة “إنصاف” صبر الأصدقاء فى السمع، وبعد نهاية السمع كنت بلاقي فيها نضج السنين فى النصيحة.. كلمات معينة من كلامها هتفضل فى بالي من ردودها وعمري ما هنساها حتى لو ربنا مد فى عمري وبقي عندي 100 سنة.. (مادام بتعمل اللى عليك وبتدعي أكيد فيه أمل).. (بقي ليك دعوة ثابتة كل يوم فى صلاتي مع أولادي إن ربنا ينولك اللي في بالك لو فيه خير ليك ولو مفيش يبدلك أحسن منه ويرضيك بيه).. فى مرة من المرات لما رحت عندهم وأنا بحكيلها عن رد فعل البنت اللى كان سخيف وقليل الذوق إتصلت بيها عشان أحكيلها.. ماتكسفتش إني أبكي وأنا بكلمها وبحكي.. كان رد فعلها إنها هي كمان بكت!.. قولت: (أنا آسف والله).. قالت: (أنا مش فاهمة هي إتجننت دي ولا إيه! هي تطول! إزاي واحدة تشوف حد بيعمل عشانها ده كله تتصرف كده معاه).. ويزيد بكاها!.. بقت مهمتي أنا إني أخليها توقف بكاء!.. من وسط دموعها قالت: (والله يا إبني لو عندي بنت تالتة ومش متجوزة كنت إديتهالك وهبقي مطمنة عليها).. تهدي وتيرة المكالمة شوية بـ شوية وتسألني قبل ما أقفل: (هتعمل إيه؟).. أرد: (هعمل إيه فى إيه يا طنط؟ الحكاية شكلها خلصت).. تقول: (مين قال! أنا عن نفسي مش هبطل دعاء وهكثف كلام مع ربنا كل يوم فى قيام الليل وفى كل صلواتي، بس إنت هتقف مكانك؟).. أسألها: (هعمل إيه؟).. ترد: (تكمل! مادمت مصمم وعايزها كمل وماتيأسش بس قبل كل حاجة قول لى يمكن يكون عندي رأي).. حاضر.. وفعلاً حصل!.. على مدار سنتين ونصف كانت طنط شريكة فى معظم خطواتي من خلال السمع والنصيحة فى التعامل مع البنت.. بقي ليها وبسبب سمعها ده درجة من الغلاوة لم ينافسها فيها غير أمي.. لما قبضت أول مرتب ليا من القاهرة سافرت إسكندرية مخصوص عشان أفرحها قبل حتى ما أروح بيتنا.. دخلت عليها الأوضة بتاعتها وإديتها الظرف الأبيض وقولتلها: (ألفين جنيه).. قالتلي بـ ثقة: (ولسه! دي البداية وهتشوف).. حتى لما هي رجعت الصعيد فضلت مكالماتنا على قد قلتها بسبب تقصيري أنا فيها من الود والدفا اللي بحس من خلالهم إن الدنيا لسه بخير.. (لسه بدعيلك والله زي ما إتفقنا من سنين فى كل ركعة ومع آذان وصلاة الفجر).. دى الجملة اللي كنت بحس بعدها إن لساني متلجم، ويمكن هي الدعوات اللي دي اللى الواحد هيفضل مكمل بيها..

    الحاجة إنصاف عبدالرحيم رحمها الله
    الحاجة إنصاف عبدالرحيم رحمها الله

    يوم خروجها على المعاش إتفق كل زمايلها الموظفين إنهم يعملوا لها حفلة وداع وحجزوا حديقة جنينة كبيرة عشان تساع العدد الكبير اللى كان حابب ييجي يجامل ويسلم على الحاجة “إنصاف” اللي وبسبب جدعنتها بقت كإنها جزء من المبني الحكومي اللي شغلها كان فيه.. كنت حاضر الحفلة دي، وغصب عني كانت رجليا بتاخدنى من مكان لمكان فى الجنينة، وغصب عني برضه كنت بسمع كلمات الإمتنان والإشادة من ناس معرفهاش بيكلموا بعض على جنب عن جدعنة وطيبة الست دي وبرضه سعة صدرها!.. كلام حلو وعظيم كتير من ناس أكتر!.. الله! دا مش أنا بس!.. لكن السؤال اللي كان شاغلني وقتها: (هي بتستحمل تسمع وتساعد دول كلهم إمتي؟).. وده السؤال اللى إكتشفت إن إجابته مش مهمة!.. إحنا ليه بندور على سبب لجدعنة أو طيبة فلان وكإن الأصل فى الأمور هو الندالة والإستعجال والكروتة وعدم سماع بعضنا.. يا عم فيه نوع مختلف من الناس عايش وسطنا والله حتى مع ندرته لكن ربنا بيصالحنا على الدنيا بيهم.. بسألها فى واحدة من أواخر مكالماتنا مع بعض: (فاكرة “محمود”؟).. ضحكت كإنها ماضحكتش قبل كده وقالت: (وده يتنسي! هو عامل إيه صحيح دلوقتي؟).. قولتلها: (إتجوز الحمدلله وخلف كمان).. ردت: (ربنا يسهل له، يروح “محمود” ييجي غيره ألف محمود، برضه مش هبطل أدعيلك يا نور عيني).. السنة اللى فاتت اتوفت طنط “إنصاف” بس بعد ما سابت أثر كبير فيا وفى ناس تانية كتير كانوا فى محيط دايرة معارفها.. السيدة العظيمة اللي وبسبب مرضها كانت حركتها صعبة فى آخر كذا شهر عمرها ما إتاخرت عن حد طلبها فى حاجة، ولا عمرها أخرت فرض من فروض ربنا وكان عندها ميزة عظيمة مع الكل.. بتعرف تسمع.. مش مجرد سمع فض مجالس وخلاص لكن سمع وتضامن لأقصي درجة.. ربنا حط فيها قبول يريح القلب، وطلة تخلّي الواحد ينسي أى حاجة.. الله يرحم الحاجة “إنصاف عبدالرحيم” الغالية هي وكل الطيبين اللى كلامهم بلسم وشفاء وكان بيهون كتير.

     

    أى حد لسه محتفظ بمقدار من الطيبة جواه فى الزمن ده هو سفير حب فى قلب كل اللى بيتعاملوا معاه.. فيه نوع من البشر وجودهم هو اللى حافظ جزء مش قليل من إتزان الكورة الأرضية.. “الطيبين”.. الموضوع ملوش علاقة بـ دين أو جنسية أو نوع.. مش كل يوم بتقابل إنسان “طيب” وهما أساسًا فئة قليلة.. وجود شخص “طيب” فى دايرة معارفك بيهون كتير.. محدش يستعر من طيبته لأنها مش عيب.. مفيش طيب مش جدع.. مفيش طيب مش حساس.. بالمناسبة “الطيبين” هما الأكتر عرضة للإكتئاب من كُتر حساسيتهم.. “د.أحمد خالد توفيق” بيقول: (الاكتئاب مرض لعين، والأدهى أنه يتطلب قدرًا كبيرًا من الذكاء والحساسية لدى المريض كي يصاب به).. بيزيد العالم قسوة ووحشية لما “الطيبين” بيقلوا.. بيزيد الناس حمورية وغباء كل ما يبعدوا عنهم إنسان “طيب”.. لما بيغيب “الطيب” لا بيعرفوا يسامحوا نفسهم من تقصيرهم فى حقه ولا بيقدروا يعوضوه.. يبقى مين اللى خسر؟.. من الجمل الدارجة زمان فى الشام ولما كان بيبقى فيه أب أو كبير عيلة بيوصى أسرته وهو على فراش الموت على حد من أولاده كان يقول: (ديروا بالكم على “الطيب”).

     

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


    إغلاق