• بحث عن
  • كورونا تحول أمريكا من حلم حضاري إلى هاجس مجهول

    في بعض الأحيان تزورنا أشياء غامضة دون سابق إنذار، وذلك ما حدث مع ذلك الفيروس الغامض الكاره للأحياء بل الحياة كلها ، فهو يكره أي شكل من أشكال الدفء الاجتماعي والتواصل الإنساني، فرق بين الحبيب والصديق، مثله مثل أمريكا التي فرقت ونشرت الكراهية، وكأن الأمر صار صراعا بين الفيروس الغامض وبين امريكا وجيوشها وأساطيلها كما لو جاء ليحول أمريكا من الحلم الحضاري إلي هاجس مجهول.

    فمنذ دخول أمريكا المشهد العالمي، وهي تعمل على تدير العالم من وجهة نظرها فقط دون مراعاة الفروق الحضارية بينها وبين الدول الاخري في الغالب، فكانت تستخدم عبارات براقة في ظاهرها الرحمة ومن باطنها العذاب.

    فأطلقت صيحة العقد الاجتماعي العادل في عهد روزفلت، والحدود الجديدة بعهد كنيدي، والوفاق الدولي بعهد نيكسون، و المجتمع العظيم بعهد جونسون، والنظام العالمي الجديد ورخاء غير مسبوق بعهد بوش الأب، أما الحروب العادلة التي أشعلت الصراعات المذهبية بعهد كلينتون وبوش الابن، واستمرت تلك الصيحة حتى الآن، فهي من صيحات القوة الغاشمة المغرورة.
    فروزفلت عبر عنها أنها تنطلق من خلال قانون القوة الذي يسمي بقانون باركنسيون للأمن القومي الأمريكي، والذي ينص على أن “إحساس الأمة بعدم الأمان يزداد مباشرة مع زيادة قوتها، وكلما زدات قوتها و كانت أكبر وأقوي وأقدم زعماءها والصفوة فيها وشعبها علي زيادة طموحهم في الشئون الدولية”.

    وبعبارة أخري يرون أنفسهم كمن قدر لهم أن يفرضوا النظام علي شئون العالم، أو على الأقل الإبقاء عليه في إطار نوع النظام يبدو سليما.

    كما أن الأمم الكبرى والأقوى، هي وحدها القادرة علي تطوير صورة مقبولة لعالم يستطيعون من خلال جهودهم القومية الخاصة تشكيله أو تغييره أو الضغط عليه بالكامل، فالسياسات التوسيعية الأمريكية في شأنها الامبراطوري مثل كل الامبراطويات السابقة والتي كانت تسعي إلى السيطرة وهذه أغراض القوة.

    ولكن غير المفهوم أن يصل الخوف عند أمريكا إلي حد إشعال وهيمنة حضارية تستخدم في سبيل ذلك عبارات مطاطية مثل نشر الديمقراطية، والقضاء على استبداد حكام دول أخرى.

    ولكن الحقيقة التي جاءت علي لسان عضو مجلس الشيوخ البرت جي بفريدج في عام ١٩٩٨ يجب أن نصمم مؤساتنا علي وصول القانون الامريكي والعلم الأمريكي والنظام الأمريكي والحضارة الامريكية إلى المناطق والطرق التجاريه في العالم، وقد يكون هذا بصورة دموية وستكون نعمة الرب معنا حتي يصبح نجما ساطعا في أرجاء العالم.

    وهكذا كان الداب الامريكي دائما وابدا الأمر الذي يشير إليه رجاء جاردوي والذي يشخص فيه الوضع بدقة متناهية، حيث يقول: نحن نعيش مجددا عصر فساد التاريخ وتدهوره كما كان في زمن الانحطاط الروماني وألعاب السيرك التي كانوا ينشغلون بها في هذا التدهور المرسوم بهيمنة تقنية وعسكرية ساحقة، لإمبراطورية لا تحمل أي مشروع إنساني قادر على إعطاء معني للحياة بأنها امبراطورية في طريقها إلى الأفول.

    فأمريكا قبل كورونا عندما كانت تذهب لتحارب، تترك كل شعاراتها البراقة، وتستخدم المنطق الامبريالي، إلى أن حضرت سيدة الكون كورونا لتلقن أمريكا سيدة الكون بالادعاء، درسًا سيكون له أثر كبير على انكماشها داخل حدودها لتداوي آثار الهزيمة الماحقة التي نالتها علي يد ذلك الكائن الذي لا يرى بالعين المجردة، وسوف يتراجع ذلك الأهوج ترامب عن أهدافه التي رسمها له دهاقنته والذين غرهم بالله الغرور، الخلاصة إن تاريخا جديدا سيكتب بعد كورونا سيسقط كيانات وسيرفع كيانات أخرى.

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


    إغلاق