• بحث عن
  • عن القُبح والجمال

    قبل خمس سنوات أخبرني أعز أصدقائي أنه بمرور الوقت تتغير وجهات النظر في الأشخاص والأشياء، يُبدّل الزمن الآراء ويُقلّب الأحوال، الأشخاص الذين تحبهم يرحلون، الموت يُفرّق، والحياة كذلك تؤدي نفس المهمة، لا وجود للثبات، ثم بدأ صديقي يُعدد التناقضات وسط لامبالاة مني، كنت أقول في نفسي هذه مجرد لمحات فلسفية عابرة، لكن الآن، بينما أكتب هذه السطور، لا أعرف أين صديقي الذي أحدثكم عنه، لقد اختفى فجأة من حياتي، ونسيته، بمرور الوقت، تمامًا مثلما أخبرني قبل سنوات.

    حديث صديقي عن التناقضات دفعني للتفكير في القبح والجمال، هذه أيضًا تناقضات يجب وضعها في الحسبان، لا يُمكننا الاتفاق على شكل وتعريف للجمال، وكذلك الأمر بالنسبة للقبح، من وجهة نظري هذه المسألة خدعة كُبرى، بالأساس لا وجود للجمال أو القبح، الأمر فقط أن أعيننا ترى ما تريده، إن طلبت قبحًا سترى العالم كله قبيحًا، وإن طلبت جمالًا ستراه كما تريد.

    أعرفُ فتاة جميلة، جميلة جدًا، الجميع يقول ذلك عنها، لكنني لا أراها كذلك، بل إن أحد أصدقائي يعتبرها نموذجًا للقبح، وثمة فتاة أخرى تبدو جميلة ظاهريًا أيضًا، لكن أحدًا ما لا يطيق الجلوس معها خمس دقائق حتى يشمئز منها، كنت في البداية أسخر من هذه النوعية من البشر، أولئك الذين لا يميزون الجميلات، أوصمهم بالعمى، لكني بتُ ضمن جماعة العميان تلك بمرور الوقت، أو ربما كنت أنا وصديقي طوال الوقت المبصرين الوحيدين.

    الحديث عن القبح والجمال أخذني أنا وخطيبتي “ندى” ذات يوم إلى منعطف التقرير، جلسنا نُحدد ونُقرر صفات الجميلات من وجهة نظرنا، وكأننا نملك هذا العالم ونستحوذ على حقوق تقرير مصيره ومنظوره النسبي، نحن نعتبر أنفسنا ملوكًا فعلًا لهذا العالم، العالم الذي يضمنا وحدنا، المُهم، اتفقنا في نهاية جلسة الحكم هذه على معايير الجمال التي يجب الأخذ بها.

    انتهى الأمر بتحديد خمس معايير، المعيار الأول كان من وجهة نظرنا الأخلاق، كلنا نعرف أن الحياء جمال، الصدق جمال، الأدب جمال، كل هذه الأشياء تُضفي نورًا ربانيًا لبشرة الأشخاص وتزيدهم نضارةً، أما معيارنا الثاني فكان التعليم، أجمل الفتيات هن المتعلمات حتى لو لم يكن ظاهريًا كذلك، وبالمناسبة، الشكل الخارجي بالنسبة لنا كان معيارًا ثالثًا بالترتيب في نظرنا.

    المعيار الرابع، حسبما حددنا، كان التواضع، الفتيات المتواضعات جميلات، أنا أعرف فتيات لا يملكن أي سبب للتكبر وللغرابة يتكبرن، الكِبر مدعاة للقبح، لا أتخيل أساسًا أن قطعة طين رديئة يُمكن أن ترى في نفسها شيئًا يدعو للتكبر، وكلنا من الطين، لكن يُصبح ذلك الطين قبيحًا إذا مسه ذاك الكِبر، أما المعيار الخامس والأخير فكان العلاقة مع الله، إذا جمّلت الفتاة علاقتها بربها تُصبح جميلة، هذه واحدة من الأمور التي اكتشفتها مؤخرًا وثبتت لدي يقينًا.

    في النهاية، ليس أمامنا وقت طويل لندرك أن كل الأشياء الجميلة ظاهريًا تسوء مع الوقت، الورد يذبُل، الشقراء البيضاء تكبر وتسمن وتتجعد، وحتى اللبن الرائق بات الآن يتعكر سريعًا وتشوبه الشوائب، الحياة مليئة بالتناقضات، والثبات لا وجود له كما أخبرني صديقي، أما القبح والجمال فلا زلت عند رأيي أنهما متضادين لا وجود لهما، والأيام بيننا كفيلة لتثبت لك صدق ذلك.

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


    إغلاق