• بحث عن
  • عميد د. عمرو ناصف يكتب: العريش 1993-2020

    عميد د. عمرو ناصف

    كانت أول ما وطأت قدماي بعد تخرجى في الكلية الحربية وكنت لا أزال برتبة ملازم.. رافقنى إليها بعض رفقاء السلاح من دفعتى إلى الكتيبة ١٠١ حرس حدود.. كنا يانعين يافعين.. بالحيوية مفعمين.. نحلم بغد أجمل وأثمر لمصرنا ولقواتنا المسلحة ولسلاحنا حرس الحدود.
    تناقلتنا الأيام فى الداوريات.. أمضينا الليالى فى سهر الخدمات.. الرمال.. البحر.. البحيرات.. ما بخلنا بجهد ولا آلينا بكد.. أيقنا أننا أسعد أقراننا حظا.. وما يأسنا ولا استكنّا.. فرحين واثقين بغدٍ مشرق لمصر حالمين..
    .. كان للعريش لون يختلط فيه أخضر الزيتون بأزرق السماوات.. وسواد بهم ليل مرصع بنجمات تزين رداءها المستور.. يعلوه نور.. من قمرها المسحور.
    كان للعريش طعم.. يتلأﻷ فيه طعم الكنتالوب فى سيل من شهد التين.. يعقب رطب السمان فى ذلك الخريف الذى إن حل يكسو كل المدينة بطعم الموانئ والارتحال.. يعدوه ربيع ثائر ينبت من حطين.. كانت للعريش رائحة تفوح من جوز الهند الذى يملأ سيارات المرسيدس الأجرة وكأنها صك عرفان لتاريخ تلك السيارات العتيقة عتق الاحتلال، ما هدأت وما استكانت.. تبادلنا وأهلها.. الحب والخير والعرفان.. تقاسمنا الزاد والبحر والأحزان.
    وبعد أعوام.. يمضى كل منا إلى مكان جديد لانسأل أين هو.. أو كان قريبا أو بعيد.. هذا هو شأن الجنود بعزائم الحديد.. لكننا تركنا قلوبنا هناك تحلم بالعودة.. تملؤنا لرمالها كل المودة.. تتعلق أرواحنا برفح.. والشيخ زويد.. والمساعيد.. يملؤنا شوقنا للأرض والعودة.

    ماذا بكِ ياسيناء كى تتغير ارواحنا ما إن نعبر القناة إليك.. ماذا تحوى رمالك.. ماذا تقل أرضك.. ماذا تظل سماءك كى تظل أحلام الرجال وآمال الأبطال تنصبٌُ نحوكِ.. ما ذلك الهواء الذى يملأ صدورنا ما أن تطأكِ أقدامنا .. ما سر بريق عيوننا حين تعانقكِ أرواحنا ..

    .. ثم أعود ٢٠٠٢ ..

    .. اليوم الوظيفة مختلفة لكننى عدت .. ملأتنى السعادة ما أن علمت .. فالعمل فى جمع المعلومات أيضاً مهم فهو رأس معرفة العدو والإستعداد له .. والأهم أننى رجعت .. ووجدتها كيفما تركتها حين إرتحلت .. بل إزدادت إخضراراً ورونق .. لازال بين صخورها عبق وزنبق .. زيتونها مازال يورق .. اتنقل بين جنباتها اليوم جيئة وذهابا بكل حرية .. فلم أعد ذلك الجندى القابع باستعداد داخل السور فجمع المعلومات يستلزم التحرك المستمر و يلزمه الإنصهار بين الناس .. و اينما أدركتك الصلاة فصلِ فأرضها مسجد وهواؤها قداس .. أرواح شبابها عزم وقلوب شيوخها إحساس ..
    .. ثم تمر السنون .. وتتعرقل خطوات النيل فى كبوة الجياد .. ويجثم ليل على صدر الخيمات ويغيب الفجر لسنوات .. تتصاعد أبخرة البارود ويسود الخوف على الطرقات .. تتعالى فوق ربوع التل الصيحات .. ويلوذ الأطفال بكل العتبات .. قد حل غريب لا يشبه من دركوا على تلك الأرض من أحمس حتى السادات.. قوى وغبى.. تفوح منه رائحة البارود ولا يخشى إلا الأفرولات.. زيدوه منها وزيدوه.. واليوم الخيل تهم.. ووطيس المعركة يصول والخوف يزول.. تتلاقى فوق الرمل دماء العزة والشرف وتدمر كل ربوع الخوف.. تمسح كل نقوش الزيف.. وفى يوم العرس.. إن ندفن طير فسيولد دون الطائر ألف.
    ها نحن نعود لنقطف أزهار الفيروز.. نستقبل نفحات النيروز.. فالحتم أن الحق يفوز والعدل يفوز.. مع شمس الغد ستتدفق أسراب الظباء ويرسبل بين صخور الطور الماء.. وتعود لتورق أحلامنا.. ويعود ليثمر زيتوننا..

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى

    إغلاق