• بحث عن
  • «ولا يزالون مختلفين»

    في مجتمعاتنا العربية، يعتبر الناس أن الاختلاف في الآراء والمعتقدات، يمثل شكلًا من أشكال العداء، حيث إنه بمجرد طرح رأى مختلف، خاصةً فيما يتعلق بالمسائل الدينية، يثور كثيرون رافعين شعار  وإسلاماه” فمهما كانت درجة ما يدركه الجمهوعن الاختلاف، فإنني أتصور أن مصدر هذا التعصب الأعمى، الذي يجعل الشخص لا يدرك فحوى الرأي، هو ضحالة التفكير، والحكم المسبق قبل الاضطلاع والتفكير.

     التعصب الأعمى في المسألة الدينية، الذي يتسبب في مشاكل مجتمعية كثيرة، ما هو إلا حيلة نفسية لدى البعض، معتقدين أن ذلك يغسل ذنوبهم، ويضعهم على الطريق الصحيح، رغم أن هؤلاء يقومون بعرض أفكارهم مختلطة بتجريح، بل وإلقاء التهم على الآخرين بهدف تحقيق انتصار مزعوم، لدرجة أنه في كثير من الأحيان يتصاعد هذا الاختلاف إلى صراع شخصي لغلبة الأفكار، حيث يريد كل طرف أن ينتصر بأفكاره، متناسين أن هدف الاختلاف هو البحث عن الحقيقة بأدوات علمية.

    الحقيقة التي يجب أن نسلم بها جميعا، أن الاختلاف سنة كونية اقتضتها الحكمة الإلهية،”ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين“. انطلاقًا من هذا لا يجب أن يولد من وراء الاختلاف في الرأي، حالة من الكراهية والغل تسود المجتمع، خاصة أن التعدد في وجهات النظر يسهم بلا شك في تصحيح الأخطاء.

    من يظن أنه يملك الحقيقة المطلقة واهم، رحم الله الشافعي حين قالرأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، فالأوائل كانت لديهم سعة صدر في تقبل الرأي المخالف، فالبعض تغلب عليه العصبية والتعصب الجاهلي، رغم ارتداء ثوب الحضارة.

    وعلى ما سبق، يمكن القول إن الصراع حول الرأي والرأي المخالف، يحدث معه تشوش في الرؤية، حيث تختلط المفاهيم، ويختلط على كثيرين الفرق بين النقد والنقض، فالأولى: تعنى تفحص الشيء وإعطاء رأي فيه، والثانية: تعني إبطال الشيء أو إلغاءهكما تختلط المفاهيم حيث يعتبر البعض أن نقد رأى رجل الدين، هو اختلاف مع الدين ذاته، ولا أدرى لماذا يتصور البعض هذا التصور، فالدين الذي أنزل من عند المولى عز وجل متين لا يمكن أن يتأثر برأي.

    الواضح أن ثقافة الاختلاف لن تنمو بين ليلة وضحاها، فنحن جميعا نحتاج إلى تعلم ثقافة الاختلاف، فمن الطبيعي أن نختلف في وجهات النظر والآراء، لكن غير المنطقي على الإطلاق، أن نحول الخلاف إلى صراع ويعلو خطاب الكراهية، وهنا يحضرني الحديث المعروف الذي دار بين قاتل المفكر فرج فودة والقاضي، عندما سئل القاتل، لماذا قتلته؟ فرد لأنه كافر، سأله القاضي هل قرأت ما يكتب؟، فأجاب بالنفي، ولكني سمعت أنه كافر، هذه الحادثة يتجلى فيها كيف أن تأجيج خطاب الكراهية تتولد عنه الجرائم والعنف، ومن المؤكد أن هذا على غير مراد الله، ففي حادثة مقتل فرج فودة اجتمع الجهل والتعصب، وأصبحا سلاحي طعن للآخر، فعندما يحضر التعصب والانغلاق فلا مكان للعقل والحكمة.

    انطلاقًا من هذا يأتي دور النخبة، أولا بأن يكونوا مثالاً يحتذى به في إعلاء ثقافة الاختلاف، فلا يصح المشهد الذي يتكرر على الفضائيات، من تبادل الاتهامات والتجريح الشخصي، بين من يحسبون علي المثقفين، فإذا كان حال النخبة كذلك، فماذا ينتظر من المجتمع؟، ثانياً مناشدة جميع المؤسسات لتضمين ثقافة الاختلاف وقبول الآخر في مناهج التعليم سواء الجامعي أو ما قبل الجامعي، بالإضافة إلي تضمينها في محتوى خطب الجمع ووعظ الكنائس، بدلاً من نشر خطاب الكراهية، والارتقاء بالمحتوي الذي يقدم في الصحف وعلى الشاشات، فعلي النخبة واجب الارتقاء بالمجتمع إلى الأفضل، بدلاً من تتبعه إلى القاع.

     

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى

    إغلاق