• بحث عن
  • النجاح والفشل

    مما لا شك فيه أن وباء كورونا (COVID-19) ظهر في الصين، وانتشر منها لكل دول العالم، ومما لا شك فيه أيضًا أن لا أحد يعرف على سبيل الجزم؛ هل حدث هذا الوباء بسبب عادة الصينيين على أكل الحيوانات البرية غير المألوفة، أم أنه بسبب تخليقه معمليًّا؟ وهل الصين هي السبب أم الولايات المتحدة هي السبب؟  وهل هذا الفيروس هو حرب بيولوجية أم نقمة إلهية؟ ولا أظن أن أحدًا يجزم بعلمه، كما لا أظن أن الحقائق ستظهر في المستقبل القريب.

    ولكن من المؤكد أن هذا الفيروس أصبح سببًا مباشرًا في تصاعد النزاع الصيني – الأمريكي من حرب تجارية إلى حرب إعلامية، كبداية لنزاع نفوذ ومصالح قد يضع العالم كله على شفا حربٍ يتمنى العقلاء عدم حدوثها.

    لقد مرَّ التاريخ البشري بأزماتٍ كثيرةٍ ومن هذه الأزمات وباء كورونا المستجد الذي فاجأ العالم، ولن تتمكن الدول والشعوب من الفرار من براثنه، إلا بالسلام والتعاون والتنمية، إن هذا الوباء سلاحٌ ذو حدين في آن واحد، محك ومرآة كاشفة للنجاح والفشل، ومع ظهور الوباء شهد المجتمع الدولي تحدياتٍ مختلفةً مناهضةً للخط الأساسي للحضارة الإنسانية، وعملت هذه التحديات على تقويض النظام الدولي وعرَّضت التضامن والتعاون الدوليين للخطر هذا من ناحية،  ولكن من ناحية أخرى عززت الاعتقاد بالعمل المشترك والتغلب على الصعوبات والإيمان بالحفاظ على الأرض، كمسكنٍ وملاذٍ وحيد للبشرية.

    ما يهمنا هنا أن نقيس مدى نجاح كلتا الدولتين في التعامل مع الفيروس، لنعرف الناجح من الفاشل ونميز الخبيث من الطيب.

    وفي مواجهة هذه الأزمة ساعدت الصين دول العالم على تنفيذ مفهوم مجتمع ذي مصير مشترك للبشرية، من خلال إجراءات ملموسة.

    لقد تم إغلاق مدينة ووهان في ٢٣ يناير ٢٠٢٠،  ولأول مرة في تاريخ البشر تم وضع أكثر من خمسين مليون بشري في حجرٍ صارم، ولأول مرةٍ في التاريخ أيضًا تم بناء مستشفى بألف سرير في عشرة أيام فقط، وتم تجميع الأطقم الطبية من كل الصين للعمل في ووهان، التي تم غلقها بصفتها منطقة كوارث.
    لقد كان أداء الصين الرسمي والشعبي على مستوى الحدث، وأصبحت –وبحق- خط الدفاع الأول، بل ومنحت العالم وقتًا ثمينًا كي يتمكن من محاربة الوباء، ويمكن القول بأن الصين قدَّمت مساهماتٍ هائلةً في التعاون العالمي لمكافحة المرض وقضية الصحة العامة العالمية، وقد تم الاعتراف بكل هذا بشكل كامل من منظمة الصحة العالمية، وأثنى معظم المجتمع الدولي على جهود الصين، فقد قال الرئيس عبد الفتاح السيسي: إن مصر حكومةً وشعبًا تدعم الصين بقوة وتؤمن إيمانًا راسخًا، بأن الصين الحضارة القديمة يمكنها التغلب على المرض بسرعة، وقال: الشعب الصيني شعب متحد وعظيم، كما قال ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز بأنه يقدَّر تقديرًا عاليًا الإجراءات القوية التي اتخذتها الحكومة الصينية تجاه الوباء، ويعتقد أن الصين ستفوز بالتأكيد في حربها على الفيروس، وأكد وقوف السعودية بكل حزم مع الصين، حتى الرئيس الإيراني حسن روحاني، أكد أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الصينية لمكافحة الوباء مثيرة للإعجاب، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان صرح بأن الحرب على الوباء هي حربٌ مشتركةٌ تواجهها البشرية معًا.

    بعد الجهود البطولية، هزم الشعب الصيني هذا المرض وضرب مثالًا مشجِّعًا للعالم، وحتى بعد هزيمة المرض في الصين، بذلت الصين قصارى جهدها لتوفير المواد الطبية للعالم، الأمر الذي اعترف به القاصي والداني؛ فالأطقم والمساعدات الطبية، توزعت من الصين على باقي العالم، دولة مثل موريتانيا اعترف رئيسها محمد ولد الغزواني بالأفعال الصالحة للصين لتوفير مضادات الوباء ونقل خبراتها للغير، كما اعترف وزير الخارجية الإماراتي بتلقي مساعدات صينية، والسفير الجزائري، وكذلك السفير السوداني،  لقد ذهبت مساعدات الصين لدولٍ لا تستطيع أن تقف وحدها في مواجهة الوباء، وكذلك لدول العالم الأول مثل إيطاليا وفرنسا وبلجيكا، وانتشرت الأطقم الطبية الصينية في المستشفيات الأوربية، وأصبحت الممارسات الصينية، ممارساتٍ ملموسةً لمفهوم مجتمع ذي مصير مشترك للبشرية.

    وتم تتويج الجهود الصينية بكلمة الرئيس الصيني شي جين بينغ في القمة الاستثنائية لقادة مجموعة العشرين في مارس، الذي قال بأن العديد من أعضاء المجتمع الدولي، قدموا إلى الصين المساعدات والدعم، حين مرَّت بأصعب الأوقات، وهذا ما لن ننساه أبدًا، وسنظل نتذكره ونعتز به.
    وقد أكد الرئيس الصيني بأن بلده تتمسك بمفهوم مجتمعٍ ذي مصير مشترك للبشرية وترغب في تقديم المساعدة في حدود قدراتها إلى البلدان الأخرى، وتدعو المجتمع الدولي إلى تعزيز الثقة والعمل معًا لكسب هذا الكفاح البشري ضد الأمراض المعدية الرئيسة.

    وقد جاء في مقال للكاتب الصحفي الصيني نادر رونج، نشرته صحيفة الشعب الصينية الرسمية، ما نصَّه (منذ فترة قصيرة وإلى الآن قام عددٌ قليلٌ من الأشخاص المصابين بـ “الفيروسات السياسية” بتشويه الحقائق وتزييفها وخلق الشائعات وإرباك الناس لأغراضٍ سياسيةٍ خفية، وهاجموا بقوة جهود الصين في مكافحة الوباء، حتى أنهم حاولوا استخدام الوباء لـ “الابتزاز”، ما يتناقض مع الحد الأدنى من الأخلاق البشرية، لكن ومع كل هذا فإن الأشخاص المُمَيِّزِين يدركون جيدًا أن الصين كانت هي خط الدفاع الأول، وجعلت العالم يفوز بوقت ثمين كي يتمكن من محاربة الوباء، ويمكن القول بأن الصين قدَّمت مساهماتٍ هائلةً في التعاون العالمي لمكافحة المرض وقضية الصحة العامة العالمية، وقد تم الاعتراف بكل هذا بشكل كامل، وأثنى عليها المجتمع الدولي وبلدان المنطقة بشكل واسع، في مواجهة التيار المعاكس لمحاولة وصم جهود الصين في مكافحة الوباء، أصدرت دول غرب آسيا وشمال إفريقيا صوتًا عاليًا ودافعت عن الحقائق ودعمت الصين وصانت العدالة الدولية، طبعًا كان يقصد الإدارة الأمريكية وإن لم يصرح بذلك.

    هذا كان أداء الصين على المستويين الشعبي والرسمي، فماذا عن أداء الولايات المتحدة؟

    أوَّل إشعارٍ رسمي تلقَّته الولايات المتحدة من الصين، كان في 3 يناير هذا العام، وهو نفس اليوم الذي تلقت فيه كوريا الجنوبية إنذارًا من الصين، وقد كانت تحذيرات منظمة الصحة العالمية أسبق بالإنذارات التحذيرية عن الوباء.

    كذلك كانت هناك إحاطة يومية للرئيس ترامب، وقد وجهت وكالة المخابرات الأمريكية، تحذيرًا من شدة تهديد فيروس كورونا،  وكانت أمريكا هي أول دولة غربية تحذِّر من الفيروس.

    ومع ذلك فإن إدارة ترامب ولمدة سبعين يومًا من تلقيه أول تحذير بالوباء، بدأت تدرك مدى خطورة الفيروس وأنه ليس أنفلونزا غير قاتلة، ويمكن السيطرة عليه كما صرح ترامب نفسه من قبل، وبدأ ترامب يتعامل معه على أنه قوة مميتة ومرعبة قد تهزم نظام الدفاع الأمريكي وقد تقتل عشرات الآلاف من المواطنين في أي وقت،  يمكننا أن نرى الآن بوضوح أن هذين الشهرين هما لحظات حاسمة ضائعة، لو اهتمت إدارة ترامب لأنقذت أرواحًا كثيرة.

    هذا الكلام ليس من عندي، ولكنه ما جاء في تحقيق تم نشره في الواشنطن بوست في الرابع من أبريل هذا العام، لقد كان تحقيقيًا موسعًا استعرض بعمق الأسباب الكامنة وراء فشل التجربة الأمريكية في مكافحة فيروس كورونا خلال 70 يومًا الأولى، ويستند المقال إلى 47 مقابلة مع مسؤولين حكوميين أمريكيين وخبراء في الصحة العامة ومسؤولين في المخابرات، وغيرهم من المشاركين في عملية مكافحة الوباء.

    جاء بالتحقيق الصحفي، أن ترامب قدَّم بعض التأكيدات التي لا أساس لها في تلك الأسابيع،  مما أدى إلى ارتباكات عامة كبيرة وتناقض مع الرسائل العاجلة التي أرسلها خبراء الصحة العامة، كما قال التحقيق.
    وكما جاء بالتحقيق ما يلي:
    ظهرت أول إصابة معروفة في الولايات المتحدة في يوم 21 يناير، بعد فحص رجل من “سياتل” الذي كان مسافرًا إلى الخارج، وكانت النتيجة إيجابية، وفي هذا الوقت أيضًا بدأ المسؤولون الأمريكيون ينظرون مباشرة إلى فشلهم في الاستجابة للأزمة.

    وأصدرت المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أول تنبيه عام بشأن فيروس كورونا في 8 يناير، وبدأت في مراقبة المطارات الرئيسية في لوس أنجلوس وسان فرانسيسكو ونيويورك في 17 يناير، حيث يصل عددٌ كبيرٌ من الركاب كل يوم، ومع ذلك، في جوانب أخرى، كان الوضع خارج نطاق السيطرة وتضاعف عدد الحالات في سياتل، والجمهور يطرح المزيد والمزيد من الأسئلة، ولا توجد تدابير لمنع الركاب المصابين من الوصول من الخارج.

    وفي 22 يناير، في مقابلة مع CNBC في دافوس، سُئل ترامب لأول مرة عن فيروس كورونا، وعما إذا كان قلقًا بشأن وباء محتمل،  قال ترامب: “لا تقلق. نسيطر بشكل كامل، هناك حالة واحدة،  سيكون كل شيء على ما يرام”.

    في الواقع، لدى مجلس الأمن القومي فرصةٌ للسيطرة على الوباء، حيث يمكنه تعديل استراتيجية الولايات المتحدة والسيطرة على الفيروس عندما يكون ذلك ممكنًا، وإيجاد طريقة لإعداد الموارد المطلوبة والمستشفيات عند تفشي المرض في الولايات المتحدة، بما في ذلك المعدات الأساسية مثل الكمامات الواقية وأجهزة التنفس الاصطناعية، لكن يبدو أن المسؤولين الأمريكيين قلقون أكثر بشأن القضايا اللوجستية، بما في ذلك كيفية إجلاء الأمريكيين من المنطقة المتضررة، بدلاً من التعبئة للتعامل مع ما هو على وشك الحدوث.
    لقد أصبحت احتياطيات كمامات N95 والملابس الواقية والقفازات وغيرها من المستلزمات الطبية غير كافية، بعد نقص التمويل لعدة سنوات، كما ضيَّعت الولايات المتحدة فترةً نافذةً ضيقةً لتخزين أجهزة التنفس الاصطناعي والكمامات وغيرها من مستلزمات الحماية. في نهاية مارس، طلبت الحكومة 10 آلاف جهاز تنفس اصطناعي، وهو بعيد عن تلبية احتياجات مسؤولي الصحة العامة وما قاله المحافظون.

    الخطأ الأكثر تكلفة؛ هو أن كبار مسؤولي الصحة قدَّروا أن الوباء قد يكون محدودًا في الولايات المتحدة،  مثل جميع الإصابات الأخرى منذ عقود، وأن المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض يمكن أن تطور بشكل مستقل اختبارات تشخيصية لفيروس كورونا.

    في الواقع، العديد من الإخفاقات في وقف تفشي الالتهاب الرئوي الناجم عن فيروس كورونا في الولايات المتحدة، إما بسبب ترامب، أو تفاقمت بسبب قيادته.

    ولكن لعدة أسابيع، بالكاد ذكر الأزمة، لكنه لم يقلل من شدتها أو نشر معلومات واضحة، وفي الوقت نفسه، رفض تحذيرات مسؤولي المخابرات وكبار مسؤولي الصحة العامة، لم يبد قط أنه أبدى قلقًا شديدًا بشأن الإصابات المحتملة على نطاق واسع في أمريكا.

    إذا كشف فيروس كورونا عن ثقة الدولة الزائفة في قدرتها على التعامل مع الأزمات،  فإنه يسمح أيضًا للناس برؤية حدود ترامب كرئيس، وازدرائه للحقائق والعلم والخبرة.

    بعد أشهر من التقليل من شدة فيروس كورونا، ومقاومة الدعوات لاتخاذ تدابير صارمة لاحتوائه، بعد أن توج نفسه كرئيس في زمن الحرب، بدا ترامب أخيرًا خاضعاً لواقع (كوفيد-19). وقال في مؤتمر صحفي يوم 31 مارس: “من المهم للغاية أن يتبع الشعب الأمريكي هذه الإرشادات في غضون الثلاثين يومًا القادمة، “هذه مسألة حياة أو موت”.

    وإذا أضفنا إلى ما جاء بالتقرير أن أداء الإدارة الأمريكية على الصعيد العالمي لم يقترب نهائيًّا من أداء الإدارة الصينية، فإن النجاح التام في التعامل مع الفيروس بعد حدوثه كان من نصيب الصين،  أما أمريكا في إدارة ترامب، والجمهوريون، فشلت فشلًا ذريعًا.

    واليوم وبعد مرور أكثر من أربعة أشهر على ظهور الوباء لأول مرة الصين، فإن عدد الإصابات الصينية المسجلة لدى منظمة الصحة العالمية، يقل عن ٨٤ ألف إصابة والوفيات ٤٦٠٠ وفاة،  أما الولايات المتحدة فإن عدد الإصابات وصل لسقف المليون ونصف إصابة والوفيات ٨٩ ألف حالة وفاة، واترك لذكاء القارئ أن يحدد من من الناجح ومن الفاشل.

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


    إغلاق