• بحث عن
  • أنا الذكورية التي أنجبت “بنتًا”

    نجوي مصطفي

    ال

    أردت أن أبدأ هذا المقال بالاعتذار لكِ، لكنني لم أفعل، صدقيني هذه ليست مكابرة فأنتِ تعرفين أمك لن تتردد أن تقول لك “آسفة لأنني لم أرد إنجاب بنات”، لكنني تراجعت حين عرفت أن رفضي لكِ خوف عليكِ، وأنني حين قرأت كتاب “كيف تلتئم الأمومة” أدركت حقيقة مشاعري، ببساطة خشيت أن أعيش بعقدة الخوف عليكِ طوال الوقت، وتناسيت كل ما يمكن أن نمنحه لبعضنا البعض.

    أنت لا تعرفين أمك، ولا المجتمع الذي نعيش فيه قبل مجيئك تذكَّرت كل شيء في حياتي، وضع المرأة عمومًا في مجمتعنا، ما تواجهه من صعوبات، صحيح أنني تغلبت على هذا كله بعد أن طحنتني الحياة وعرفت دروبها وخضت مشاكلها، لكن ذلك لم يكن بالأمر السهل، ولم أكن أريد تلك البطولة لولا أنها فُرضت عليًّ، فلم يكن لديًّ سبيل سوى المواجهة وأستطيع القول أنني على الأقل لازالت واقفة على قدمي وأنني مع كامل احترامي لك، لا أريد لكِ خوض تلك البطولة!

    إنجاب ولد مُريح يا ابنتي، مريح جدًّا، لن أقلق عليه مثلك، لن تلاحقه نظريات العيب والفضيحة، ولن أخشى عليه من الرجال الذين أعرفهم جيدًا وبصراحة أكثر لن يحمل بين فخذيه “سمعة” عائلة بأكملها، ولن يتعرض للتحرش ولرذالات الرجال، ولن يكون مُطالب أن يتحمل كل شيء ويسكت، لذلك ما إن أنجبت “باسل” حتى ارتحت كثيرًا وتمنيت أن يرزقني الله بولد آخر، رغم رغبة كامنة داخلي في إنجاب بنت نكون صديقتين ونحكي أسرارنا ونتحمل تفاهات بعضنا البعض بعيدًا عن أي شيء، رغبة في صديقة أشتكى لها ونسخر سويًا من زوجي وأبيها دون أن يمثل ذلك أي شيء خارج المألوف.

    لكن هذا لم يمنع أن مجرد إعلان مجيئك كان طمأنة لي، نعم، جئتِ في وقت اتخذت فيه كل الاحتياطات لمنع الحمل، وبالطبع لم تكوني أنتِ المقصودة، فأعلنت عن قدومك متخطيةً كل تلك الحواجز، أخبرني الطبيب فقلت هذا المولود جاء بإرادته، ثم عرفت أنك بنت فقلت إنها خاضت أول تحدى وربحته فهل هذا يمثل أي شيء؟، حلمت باسمك فاستيقظت مقررة أن تكوني “سدن”، كسدنة الكعبة، ثانِ الرهانات ربحتيها أيضًا.

    6 أعوام مرت حتى الآن، احتضنتك وكبرنا معًا، عرفت الأمومة قبلك لكنك مختلفة، ليس لأن هناك ذكاء يشع من عينيك دائمًا، ونظرة أعرف من خلالها أنك تعرفين كل ما يدور حولك من أحاديث، ولكن لأني رأيت فيك ما تمنيته أنا، حتى إصرارك على أخذ حقك ومراوغتي لك كي أهرب من طلباتك المستمرة كانت تخفي بداخلي فرح واطمئنان.

    هل تعرفين، صحيح أنك لست الأولى لكن لم تتح لي الفرصة إلا معك أن يشاركني أحد “الميك اب”، نقف معًا أمام المرآة، “ماما ده مكياجي ومكياجك”، أقول لك صحيح، تعبثين في الأشياء وتجربين كل شيء وتأخذين رأيي، فأرد لك الكرة بأخذ رأيك فيما ارتديه واستمع لنصائحك أحيانًا، أصبحنا صديقتين سريعًا وعرفت أنه مهما علا الخوف من إنجاب بنت، فإن عدم إنجابها عقاب من الله وحمدته أنه كان أعلم بنيتي فلم يحرمني منك.

    أمك صحفية، تعرفين ذلك، وأردت أن أكتب لك هذا المقال لتعرفين حين تُدركي قيمة الكلمات ما أردت قوله، لكن الأهم الآن وقد أصبحنا صديقتين أن تعرفي جيدًا أن الحياة كلها رهانات ولا مكسب دائم أو خسارة دائمة، وليس ثمة حدث في الحياة أي كان هو نهايتها، طالما قادرة على التنفس فأنت قادرة على العيش والنجاح.

    “سدن” لا تحكمي على أحد لمجرد جنسه أو دينه أو لونه، لا أريدك “فيمينست” أنت تعرفين كره أمك جيدًا لهذا المصطلح، و”أبيك” هو الصورة الأصلية للرجل حتى لو لم تقابلي مثله، وأمك عرفت زملاء وزميلات وتعاملت مع الجميع وثبت طيبة وأصل رجال ونساء ونذالة رجالة ونساء.

    “سدن” لا تتعاملي مع أحد إلا بناء على ما يصدر منه تجاهك، لا تسمعي للأقاويل، ولا تعتمدي على صلة قرابة أو زمالة، الطعن لا يفرق بين القريب والبعيد ولذلك لا تكوني عنصرية تجاه أحد.

    “سدن” أحبي الحياة لأنها تستحق أن تُحب، وأحبي الحب لأنه نعمة من الله، واعشقي نفسك كما أنت لأنها تستحق ذلك، ولا ترضي بأقل مما تريدين ولا تتوقفي إلا عندما تريدين وأرفضي كل “المفروض”، أريدك حرة حتى لو كنا في مجتمع ليس حرًّا.

    “سدن”، تلك الوصايا إن لم تقتنعي بيها أرفضيها أيضًا، فكم كرهت الوصايا والتعليمات وإن وجدتي فيها ما ينفعك خذيه، لكن أعرفي جيدًا أن خوفي قبل مجيئك عليك تبدد تمامًا، وأن أعوامًا كثيرةً أريد فيها أن لا أفقد حضنك، وأحاديثك، ولتغفري لأمك نزعة ذكورية سرعان ما تخلت عنها مع أول ابتسامة منك!

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


    إغلاق