• بحث عن
  • أمريكا.. الصين والعولمة

    العولمة مصطلح مقصود به جعل الشيء عالميًّا، وهي تعني حرية انتقال المعلومات وتدفق رؤوس الأموال والأفكار والتكنولوجيا والمنتجات والسلع، وأول ظهور للعولمة جاء من الغرب في القرن السادس عشر، وقد ارتبطت باحتلال أوروبا لآسيا وأمريكا، وارتبط حديثًا بتطور النظام التجاري في أوروبا وأمريكا الذي أدى إلى ظهور نظام عالمي معقد اتصف بالعالميّة، ثمّ أُطلق عليه اسم العولمة.

    وقد أرادت أمريكا والدول الصناعية الكبرى ضمان أسواق لمنتجاتها في بلاد العالم الثالث، لا سيما تلك الدول التي لديها البترول مصدر الطاقة الأساسي، والدول التي بها مناجم وعندها المعادن التي تحتاجها الدول الصناعية لاستمرار الإنتاج، فأعادت استدعاء العولمة لضمان استمرار تبعية تلك الدول لها ولباقي الدول الاستعمارية، لذلك فإن العولمة تقوم على أربع عمليات أساسيّة وهي: المنافسة الكبيرة بين القوى العظمى المنتجة، وتبادل السلع، والابتكار والإبداع التكنولوجي، والتحديث المستمرّ على الرغم من أن العولمة نشأت في الغرب إلا أنها تجاوزت نطاق الغرب، ومع تقدم العلم والتكنولوجيا، ولا سيما التطور السريع لتكنولوجيا المعلومات، شهدت العولمة مزيدا من التقدم، ومن الناحية الموضوعية فإن للعولمة تأثيرات مختلفة على الدول حول العالم، حيث تعتقد بعض الدول أن إعادة توزيع الموارد والثروة التي جلبتها العولمة سيف ذو حدين، وأن هناك مستفيدين وخاسرين، وخلال العامين الماضيين، ظهرت بعض التيارات في أمريكا وأوروبا، تقول بأن الدول الناشئة استفادت من العولمة بشكل أكبر، وبالتالي أصبحت الأصوات المعادية للعولمة أكثر شيوعًا.

    وقد بدا واضحًا أن الصين كانت أكثر الدول استفادة من العولمة على الاطلاق، وكانت لها استراتيجية مرحلية لضمان اسواق لمنتجاتها، خاصةً بعد انضمامها لمنظمة التجارة العالمية، وقد عملت الصين في المرحلة الأولى على فتح الاسواق بالعمل على رخص ثمن منتجاتها، حتى ولو كانت على حساب الجودة التي بدأت أقل من مثيلاتها العالمية، وبعد تحقيق الانتشار المطلوب دخلنا في المرحلة الثانية وهي محاولة الارتفاع بجودة منتجاتها بالاهتمام بالبحث والتطوير لضمان البقاء في الأسواق التي كسبتها، وجاءت المرحلة الثالثة على التوازي مع المراحل السابقة؛ وهي فتح الأسواق بالاستثمار في الدول النامية ومشاركة هذه الدول في برامج تنميتها، وأظهر تقرير بحثي صدر مؤخرا عن معهد “بيترسون” للاقتصاد الدولي؛ وهو مركز أبحاث أمريكي، أن وباء كورونا قد جعل الناس أكثر قلقًا بشأن الضعف الناجم عن الاعتماد المتبادل بين الدول، في ظل التحالفات غير المستقرة ونقص التعاون الدولي، وبات هناك المزيد من الناس الذين يؤيدون الحد من الترابط الاقتصادي، هذا ومما لا شك فيه أن التأثير الأكثر مباشرة للوباء على العولمة؛ هو إعادة تنظيم السلسلة الصناعية العالمية، سواء قبل ظهور الوباء أو أثناء انتشاره، وأصبحت أمريكا هي قائدة الموجة المناهضة للعولمة، ورغم أنها كانت وحتى وقت قريب المستفيد الرئيس من العولمة، لكن ترامب منذ أن تولّى السلطة تبنى خطابا مناهضا للعولمة، وهو يرى بأن آليات التجارة الدولية الحالية تضرّ بمصالح الولايات المتحدة، وكانت مبادرته لإرباك نظام العولمة التجارية، وذلك بمحاولة شل وظيفة التحكيم لمنظمة التجارة العالمية، وفي نفس الوقت الذي تناهض أمريكا فيه العولمة، تعمل أيضًا على دفع تيار “مناهضة الصين”، فقد خططت إدارة الرئيس ترامب الجمهوري منذ فترة طويلة لسحب بعض الشركات الأمريكية العاملة في الصين، وقد زاد هذا التوجه حدة بعد تفشي الوباء، حتى أن بعض مسؤولي البيت الأبيض صرّحوا بأن الحكومة الأمريكية ستتكفل بنفقات انسحاب الشركات الأمريكية من الصين.

    وعلى مستوى منظمة التجارة العالمية،  تبذل الولايات المتحدة المزيد من الجهود للتأثير عليها،  فبعد أن أعلن المدير العام لمنظمة التجارة العالمية أزيفيدو عن استقالته، رأت الولايات المتحدة في ذلك فرصة لاختيار خليفة له حسب رغبتها، حيث قال الممثل التجاري الأمريكي لايتهايزر إن الولايات المتحدة تتطلع إلى المشاركة في انتخابات المدير العام الجديد في المرحلة القادمة، كما أنه لم يكن من الغريب قيام الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بإنشاء آلية مبادلة مؤقتة بالدولار مع بنوك عدة دول بسبب تأثير الوباء، وذلك من أجل تقديم الدعم للسيولة بالدولار الأمريكي، ولم يكن من الغريب أيضًا انه استثنى البنك المركزي الصيني (بنك الشعب) من هذا التوجه، والنصيحة التي يجب ان نسديها للصين، أنها أمام ما يسمى بمناهضة الصين، فإن عليها الاستمرار في الالتزام بسياسة الانفتاح،  ليس فقط على المستوى السياسي، ولكن في علاقتها مع الشركات الأجنبية الكبرى ومحاولة إيجاد دور لها في برامج التنمية الصينية هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، يجب أن تتمسك بمكتسباتها الصناعية التي حققتها على الصعيد العالمي، مع العمل على تحسين بيئة الأعمال، وكان حدثًا إيجابيا ذلك الاستطلاع الذي أجرته غرفة التجارة الأمريكية في الصين، وغرفة التجارة الأمريكية في شنغهاي، ومؤسسة برايس ووترهاوس كوبرز في مارس من العام الحالي، الذي أكد أن معظم الشركات الأمريكية متفائلة بشأن استئناف الإنتاج في الصين خلال الفترة المقبلة وليس لديها نية الانسحاب من السوق الصينية، وأخيرًا فإن على الصين منح المزيد من التسهيلات لدول العالم المختلفة، فلا عولمة دون شركاء، حتى تحظى بدعم دولي،  يفرغ موجة مناهضة الصين التي تقودها أمريكا من محتواها.

     

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى

    إغلاق