• بحث عن
  • “مرسال” مدد الله.. هنا مركز دعم ربع مليون إنسان من ضحايا كورونا (معايشة)

    تامر إبراهيم - تصوير مؤمن سمير

    على عتبات الله يمكث أنقياء القلب، من تركوا الزبد يذهب جفاء وآمنوا أن ما ينفع الناس يمكث في الأرض، فساروا في دروب الخير متاجرين مع الله في خلقه، صانعين سلامًا ورحمةً تُسمن وتُغني من جُوعٍ.

    الاختبار الحقيقي لإنسانية الأمم هو ذلك الاختيار الذي يقرره الناس في أزمنة الشدائد والنوائب، لذلك كان الشعب المصري أمام اختبار حقيقي في ظل أزمة جائحة كورونا، التي خلفت عشرات الآلاف من الإصابات والوفيات خلال أشهر قليلة، فأظهر المصريون معدنهم الحقيقي واجتازوا الاختبار في عشرات المشاهد، والتي من أهمها ما قامت به المؤسسات والجمعيات الخيرية من دعمٍ ومؤازرةٍ للمصابين وأسرهم، ومن بين تلك المؤسسات والجمعيات “مرسال” التي تخصصت من اللحظة الأولى لتأسيسها في مساعدة المرضى، كنموذج فريد لدعم الأسر الأكثر احتياجًا في مجتمعنا وما أكثرهم.

    هُناك في حي المعادي، أحد أشهر أحياء العاصمة المصرية القاهرة، مبنى ذو عدة طوابق يمتلئ بشباب عاهدوا الله ألا يُبرحوا أماكنهم حتى يلبوا استغاثة المُحتاجين للعلاج من فقراء تلك الأمة، لتزداد صعوبة مهمتهم بعد أن قرروا ضم كتيبتهم للجيش المصري، الذي يزود عن سُكان المحروسة في حربهم الضروس ضد فيروس كورونا، الذي هدد العالم بأسره وكشف ضعفه.

    أول الغيث

    لم تكن هبة راشد، خريجة كلية الألسن، والتي عملت بعد تخرجها في القطاع الخاص، وتطوعت للعمل بالعديد من جمعيات الأيتام ودور المسنين، تتوقع أن تصبح ذات يوم وليلة مؤسسة واحدة من أهم المؤسسات المصرية لدعم المرضى والمحتاجين، وقائدة كتيبة مقاتلة في المعركة ضد “كوفيد – 19”.

    بعد سنوات من عمل هبة راشد في الجمعيات الخيرية، بدأت في 2011 خطوات جديدة في عملها الخيري حيث اتجهت لدعم المحتاجين صحيًا، بجانب عملها في القطاع الخاص، لشعورها أن ذلك المجال في مصر “معقد”وليس كل الناس يحبون العمل فيه؛ لأنه مكلف جدًا ولطول مدته المتمثلة في فترات العلاج، فهناك فرق بينه وبين المساعدة العينية.. “لقيت نفسي في شغل الصحة لأني هغير فيه حياة بني آدم”، بحسب قولها.

    وسردت هبة في حديثها لـ”القاهرة 24″، بداية الطريق نحو تأسيس “مرسال”، فتقول: “من هنا بدأت أفكر في فتح مؤسسة مخصصة بالصحة فقط، وبالفعل قدمت على ورق مرسال في 2014 وحصلنا على الترخيص في 2015، ومشهرين رسميًا من 5 سنوات”.

    وبنبرة فخر تسترسل: “وصلنا لـ 5 أفرع عيادات خيرية ودار ضيافة وبنجهز لمستشفى علاج أطفال، مسجل لدينا أكثر من 17 ألف مريض من حوالي 40 جنسية، مفيش أي تمييز بين المريض والآخر، الشرط الوحيد هو عدم قدرته على تحمل تكلفة العلاج، وعلاجه غير متاح بالدولة.. لا يفرق سنه ولا حالته الصحية ولا نوع مرضه ولا أي شيء”.

    تمنح “مرسال” كل مريض “كودا” يُعبر عن ملفه الطبي احترامًا لخصوصية المريض، وحظرت نشر صور وبيانات مرضاها لجمع التبرعات من خلالها، لتكون أو قيمة تضعها في سبيل عملها الخير، بحسب رواية مؤسستها.

    وأردفت: “لا يحق لأي شخص الاطلاع على بيانات أو أوصاف أو صورة المريض إلا الموظف الذي يعمل معه مباشرةً.. حتى زمايلنا في باقي الأقسام لا يطلعون على البيانات”.

    بدأت “مرسال” مسيرتها ذات الخمسة أعوام باثنين من الموظفين رفقة هبة راشد، حتى وصلوا إلى 160 موظفا يتولون العمل على تقديم المدد لمن يحتاجونه من أصحاب الأمراض المختلفة.

    وتشير “هبة” إلى أن قسم الطوارئ لدى المؤسسة يعمل على نوعين من الحالات، طارئة كالحوادث الفردية مثل الاحتياج لحضانات أطفال أو عناية مركزة وغيرها، أو الأحداث المفاجئة مثل تفجير معهد الأورام أو حريق محطة مصر، والتي يجتمع فيها فريق العمل “أون لاين” لبحث كافة سبل المساعدة في أسرع وقت.

    لم تكن أزمة كورونا وحدها التي عرفت بها “مرسال”، ففي وقت حدوث تفجير معهد الأورام كان لها دور كبير أيضًا، تحكي عنه وتقول: “المشهد كامل كان من تصاريح الحكومة حينها، ووقتها قالت الحكومة إن الدولة ستقوم بتوزيع المرضى على مستشفيات أخرى.. وقتها لم نجد أزمة لدى المرضى، ولكن الأزمة الكبرى كانت مع الأهالي، الذين أصبح مأواهم الشارع، أو المريض الذي أتى لأخذ الجرعة فأصبح هو الآخر لا يجد مكانا للمبيت.. قررنا وقتها فتح دار الضيافة مجانًا لاستقبال المرضى أو المرافقين، وهذه الطريقة هي نهجنا في التعامل مع أي أزمة طارئة”.

    وعن أعداد الحالات التي استضافت حينها، تقول: “وقتها فتحنا الدار للجميع، واستقبلنا حوالي 20 حالة”. ولم تكن تلك هي المرة الأخيرة، حيث تشير “هبة”: “أيضًا وقت السيول قبل أزمة كورونا فتحنا دار الضيافة أمام الأسر التي هُدمت منازلها، ومن بين من استقبلناهم أسرة من الدويقة مكونة أب وأم وأطفال أغرقتهم السيول ولم يعودوا يمتلكون أي شيؤ من أموال أو غيرها”.

    وترى مؤسسة “مرسال” أن دور مؤسستها تكاملي مع الحكومة، وتقول: “دورنا تكاملي مع الحكومة، لو الحكومة اشتغلت على حاجة معينة، بنشوف الحاجات التانيه التي لم تغط”.

    مدد الله

    تحدثت هبة راشد عن التبرعات للجميعات الخيرية، فقالت: “التبرعات التي تدفع في مصر كافية جدًا، ولا يوجد لدينا عجز في التبرعات، ولكن لدينا طريقة تنظيم خاطئة تخلق كثافة في حالات والحالات الأخرى الدنيا ضالمة فيها.. الصحة مثلًا تحتاج عملا منظما وليس بشكل فردي”.

    وعن تحرك الجمعية خلال أزمة كورونا، تقول: “نحن منظمة صحية، ومع بداية ظهور حالات بشكل قوي في مصر، بعد أزمة السيول، قررنا التحرك وتصعيده حسب الوضع في مصر، منذ مارس نزلنا للأسر البسيطة؛ لغرض التوعية وإعطائهم مواد التعقيم والحماية، ومع ارتفاع منحنى الإصابات ودخول رمضان، قررنا النزول للأرض ومساعدة الأطباء”.

    وتستكمل: “تبرعنا بـ7 أجهزة تنفس صناعي يقدروا بنحو 2 مليون جنيه، بالإضافة لمستلزمات الأطباء من التعقيم والماسكات في أكثر من 10 مستشفيات في الصعيد، ما بين صدر وحميات وعزل”، مضيفةً: “بعد العيد الوضع للأسف أصبح أكثر سوءًا بمعدلات عنيفة، لنقرر تكثيف العمل بجانب العمل الأول”.

    “قسمنا المصابين لحالات مستقرة نوعًا ما تعزل منزليًا، وأخرى حرجة، والحالات الأولى وجدت مشكلة في التواصل مع الأطباء، وواجهنا تلك الإشكالية بجروب على فيس بوك باسم فريق مرسال لدعم مرضى كورونا، بلغ عدد المشتركين فيه حوالي ربع مليون شخص، ويقوم بالرد عليهم أطباء متطوعون، النوع الثاني وهو الأخطر، حالات الرعاية المركزة مع زيادة الأعداد والضغط على المستشفيات الحكومية و105 تعطيهم أدوار وهذا طبيعي لعنف المعدلات، فبندخلهم رعاية مركزة خاصة ونتكفل بيها، وفي حالة كان مقتدر نقوم بتوفير السرير فقط عن طريق التوجيه”، هكذا تروي “هبة” آلية تعامل المؤسسة مع حالات الإصابة بفيروس كورونا.

    وعن عدد مصابي كورونا الذين تولتهم “مرسال”، تقول هبة راشد: “بداية من العيد حتى الآن 190 حالة بالعنايات المركزة على مدار 21 يوما فقط، والعدد يزداد يوميًا”.

    وتضيف: “منهم حوالي 50 مريضا محجوزين في مستشفيات متفرقة، وباقي الحالات إما تم شفائهم وإما حولوا لمستشفيات حكومية، بالإضافة لحالات المبنى الجديد”.

    وبسبب زيادة الحالات التي تحتاج لعناية مركزة وارتفاع تكلفة المستشفيات، اتجهت “مرسال” لإيجار مبنى يحوي 20 سرير رعاية مركزة، حيث السرير الواحد وصل تكلفته 30 ألف في الليلة الواحدة داخل بعض المستشفيات، فتوضح قائدة “مرسال”: “شوفنا الحل ده أسرع وأوقع للناس.. وبسبب عدم مقدرة المستشفيات الحكومية الآن على استيعاب كل حالات، قررنا نتدخل بشكل أقوى”.

    ادعم مرسال

    “دعم رهيب وعمري ما شوفته”، هكذا تصف هبة راشد الدعم المقدم لها من قبل المصريين، مردفة: “شوفت خير من الناس هايل، واقفين ومتعاطفين معانا ومع الأزمة وتساعد بكل مقدرتها.. في اليوم مثلًا نستقبل نحو 5 آلاف جنيه من خدمة التبرع برسالة وهذا رقم كبير بالنسبة لتلك الخدمة”.

    لدى هبة راشد أمنية خلال تلك الأزمة لدعم جهود “مرسال” في مساعدة مصابي كورونا، فتقول: “كل ما نحتاجه هو تعريف الناس بدورنا مع أزمة كورونا، نحن لا نمتلك إعلانات ولا رجال أعمال تدعمنا، كل اللي في ضهرنا شباب السوشيال ميديا.. عايزينكم معانا ومكملين في اللي بنعمله سوا ليوم القيامة”.

    تلبية النداء

    أركان المؤسسة يبدو عليها الهدوء على الرغم أن الجميع في حالة حراك دائم، أوراق تتنقل بين الأيدي والأخرى مدونا عليها بالحبر تفاصيل حالات تحتاج إلى تدخل عاجل، ونداءات واستغاثات تتطاير من حناجر إلى قلوب لا تكف أبدًا عن البحث عن سُبل للعون والإنقاذ.

    حظيت “مرسال” بتطوع العديد من الشباب الساعي للانضمام لكتائب المجاهدين في سبيل الله لدعم مصابي كورونا وأسرهم، ومن بين هؤلاء المتطوعين أولئك القائمون على إدارة جروب “مرسال لدعم مرضى كورونا”، الذين يحرصون على مدار اليوم على تقديم الدعم الطبي والنفسي للمصابين بالوباء.

    مصطفى شرقاوي، “أدمن” جروب “مرسال لدعم مرضى كورونا” على موقع التواصل الاجتماعي الشهير “فيس بوك”، انضم للعمل في المؤسسة منذ 7 أشهر، إيمانًا منه بقيمة وأهمية العمل في مؤسسة تدعم المرضى في كل أرجاء مصر.

    يقول شرقاوي، إن جروب “مرسال لدعم مرضى كورونا” أسس منذ حوالي شهر بسبب اكتشاف أن هناك معاناة لمرضى كورونا، أراد العاملون بالمؤسسة تقديهم كافة سبل الدعم له، وعلى مدار تلك الأيام وصل عدد المنضمين لتلك المجموعة إلى 256 ألف شخص.

    يضيف المسؤول عن الجروب: “بيتم يوميًا قبل من 500 إلى ألف منشور، سواء حالات اشتباه أو إصابة بالفيروس، ثم يتم توجهيهم إلى أطباء مرسال المتطوعين ليتم إخبارهم بالأدوية الواجب تعاطيها وطرق العزل الصحيحة، أو التدخل الحاسم في الحالات الحرجة”.

    25 شابًا وشابة يقودودن العمل بجروب “مرسال لدعم مرضى كورونا” وخلفهم 30 طبيبًا وطبيبة، يعملون على مدار الساعة لمساعدة كافة الحالات.

    تلك الطريقة ليست الوحيدة لتلقي نداءات المستغيثين بـ”مرسال”، فالمؤسسة لديها خط ساخن تتلقى من خلال اتصالات المواطنين على مدار اليوم، ولم تكتفي بذلك، بل توسعت في قسم “الكول سنتر” وأضافت إليه عناصر جديدة لمواجهة كافة الاستغاثات في أزمة كورونا.

    أحمد مصطفى، قائد فريق “الكول سنتر” في المؤسسة، يشرح أن عملهم مقسم إلى ثلاث ورديات تبدأ التاسعة صباحًا وتنتهي العاشرة مساءً، لتغطية كافة المكالمات الواردة، والتي تصل إلى 500 مكالمة يوميًا تقريبًا.

    يشير مصطفى إلى أنهم أول من يستقبلوا الحالات المتواصلة مع مرسال، ويقومون بمعرفة كافة تفاصيل الحالة، ثم يتم توجيها إلى الفريق الطبي أو الموظف المسؤول لتقرير ما هو مناسب، ثم متابعة الحالة بشكل دوري.

    ويوضح أن هناك اتصالات تحتاج إلى قرارات حاسمة وعاجلة يتم النظر فيها بشكل فوري وسريع، لافتَا إلى أن من بين تلك الحالات ما جعله يبكي مثلما حدث مع شاب اتصل باكيًا لأن والده يعاني بشدة من الإصابة بفيروس كورونا، وذهب لجميع المستشفيات الممكنة ورفضوا استلام الحالة، وبات غير قادر على التعامل معه، فانتقل البكاء من سماعة الهاتف إلى فريق العمل في “الكول سنتر”.

    يرى مصطفى، الذي انضم إلى مرسال منذ حوالي عام، أنه حقق شغفه بالانضمام إلى مؤسسة خيرية تساعد المرضى لتوفير احتياجاتهم الطبية في عمل إنساني خالص لم يكن مُسلطا الضوء عليه، في ظل التركيز على المساعدات الاجتماعية، متابعًا: “عندنا إصرار نستكمل المسيرة ونساعد الناس.. وبطالب الناس مساعدة مرسال ودعمها خلال الفترة الحالية لأننا نحتاج ذلك بشدة، سواء بتبرع مادي أو مستلزمات طبية للمساهمة في إنقاذ الناس”.

    في النهاية سيبقى اسم “مرسال” محفورًا في أذهان المصريين، كغيرها من المؤسسات التي عاونت الأمة في تجاوز محنتها القاسية، ولكن يبقى لـ”مرسال” طبيعة خاصة، فالمؤسسة ليست كغيرها ممن يحظون بدعم رجال الأعمال والمشاهير، ولا ممن يستقبلون تبرعات بالملايين، أو من يساعدون الناس في معيشتهم بمساعدات اجتماعية، بل هم يتاجرون في رفع الألم والمرض عن الأبدان، ويرتكزون على قاعدة كبيرة من شباب المتبرعين على “السوشيال ميديا”، ورغم ذلك يملؤهم الإصرار والأمل على أن يستكملوا ما بدأوه، فمدد الله لا ينقطع.

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


    إغلاق