• بحث عن
  • هكذا رأيتهم!

    السيدة المصرية “عفاف الناظر” ست مصرية بسيطة من أسرة متوسطة.. عندها 48 سنة.. زى أغلب الستات اللى عندهم بيتها وجوزها وولادها مرتبة أولى وبييجى بعدهم فى الإهتمام شغلها.. عندها ولدين وبنت واحدة.. بتشتغل موظفة فى شركة القاهرة الكبرى لمياه الشرب.. بسبب المتاعب الصحية الطبيعية واللى بتاكل فى صحة ستات مصر لأنهم بيشيلوا اللى محدش يقدر عليه بصراحة؛ فى يوم من أيام أواخر التسعينات وتحديدًا 19 نوفمبر 1999 إتأخرت مدام” عفاف” فى الصحيان من نومها وهى اللى كانت متعودة تصّحى البيت كله.. جوزها بيهزها لقاها مش بتتحرك!.. خبر وفاتها كان مفاجىء لكل القرايب والأصدقاء خصوصًا مع طيبة شخصية زيها.. التشخيص الطبي؟.. سكتة قلبية.. “عفاف” كان عندها عادة شِبه يومية أو كل كام يوم إنها قبل ما تنام تقفل على نفسها وتقعد تكتب فى كراسة صغيرة.. 10 دقايق أو ربع ساعة وممكن أوقات تفضل تكتب بالساعة.. فضول جوزها ماخلاّهوش يقتحم خصوصيتها ويسألها هى بتكتب إيه غير مرة واحدة بس وكان ردها عليه واضح ومختصر: (بفك عن نفسى بكلمتين).. اللى ماكنش يعرفه جوزها ولا أى حد من القريبين منها إنها كانت بتكتب رأيها الحقيقى فى كل الناس اللى حواليها!.. أصدقاء.. قرايب.. زملاء شغل.. كله كله.. كانت بتكتب رأيها وإنطباعها الحقيقى اللى بعيد عن الزواق بتاع المجاملات الباردة واللى بيتكتف جوه الصدور بسبب الخجل.. فلانة بتكذب فى كذا.. فلان ده مصلحجى.. أنا عارفة إن فلانة دى كذا.. فلان اللى عامل قريبى ولحم ودم ده واكل حقى أنا وأخواتى وعكس ما هو باين.. فلانة زعلتنى فى الموقف الفلانى ومش قادرة أسامحها.. تفريغ تفريغ تفريغ.. وجهة نظر “عفاف” حاجتين.. السبب الأول إنها كانت بتعتبر التنفيس عن اللى جواها خصوصًا لو كان بيضايق؛ شىء صحى وبالذات لما يكون أول بأول.. السبب التانى والأهم إنها كانت حاسة إنها لو ماتت فى أى لحظة كان فيه ناس هياخدوا مكانة مايستحقوهاش ومش بعيد ياكلوا عيش على قفا موتها برضه.. لأ لازم الناس تعرف مين اللى قهرنى وإتسبب فى زعلى قبل كده.. عشان مايطلعش حد يقول: ( يوووه دى كانت حبيبتى، ماكنش فيه سر بتخبيه عليا، عمرى ما زعلتها، كنا إحنا الإتنين واحد) وغيرها.. اللى أكد صحة نظرية مدام “عفاف” إن جوزها فعلا إكتشف الكراسة الصغيرة دى بعد جنازة مراته بأسبوعين كاملين!.. وطبعًا فى الجنازة فيه ناس من اللى “عفاف” جابت سيرتهم فى كراستها جُم وعملوا حبايب وزعلانين ورسموا دمعتين حزن لزوم حبكة الدور.. مع إن هما دول بالذات كانوا أبعد ما يكون عن الجدعنة وياما داسوا عليها.. مذكرات”عفاف يوسف الناظر” واللى ماكنتش مكتوبة بشكل إحترافى قد ما إتكتبت بمشاعر عرّت ناس كتير حواليها.. شاورت على القريب الحرامى، وزميل الشغل الملاوع، والصديقة الفالصو.. “عفاف” كتبت فى الجلدة الأولانية بتاعت الكراسة عنوان كبير بالقلم الرصاص: (هكذا رأيتهم).. حتى فى أوروبا والغرب بشكل عام بقى فيه إتجاه إنك لما بتلاقى حد مات سواء بشكل طبيعى أو حتى منتحر بيجروا يدوروا فى الورق والمتعلقات بتوعه لإنه غالبًا هيكون سايب وراه كام ورقة عبارة عن مذكرات مكتوبة أو مواد صوتية تسجيلية بيتكلم فيها بمنتهى الصراحة عن رأيه الحقيقى فى اللى حواليه.. ده ساعد كتير بصراحة فى إكتشاف أسباب وفاة ناس كتير.. ساعد كمان فى حططان ناس فى حجمهم ومكانهم الطبيعى.. طب ما هى “عفاف” ماتت بسكتة قلبية وهى مش كبيرة قوى يعنى 48 سنة رغم إنها فضفضت وفرغت رأيها؛ فادتها فى إيه الكتابة بقى!.. الأعمار بيد الله بس الطبيب النفسي “مايكل رويزن” اللى كتب قصتها من ضمن قصص 25 شخص اتوفوا وسابوا وراهم بيقول إنها كانت هتموت فى عُمر أصغر من كده كمان لو ماكنتش عملت كده!.

    الإنبوكس:

    أنا “محمد شاكر”.. مهندس.. عندي 30 سنة.. متجوز “سارة” من 4 سنين.. أنا وهي بنحب بعض وجوازنا هو النهاية الأجمل لقصتنا اللى بدأت أثناء الدراسة.. إنسانة نقية، بسيطة، جميلة، وبنت ناس.. تسمع عن الوصف اللي بيتقال عن الناس إن فلان ده “حمّال أسية”؟.. أهو أنا الجملة دى عملوها عشاني أنا و”سارة”.. تربيتنا خلّتنا بنحترم كل اللى قدامنا مهما كانوا مايستاهلوش الإحترام أو الذوق دول.. حتى لو كان المقابل إننا نيجي على نفسنا!.. تدخلات الغير فى حياتنا كانت مثيرة للإشمئزاز، وللمرض واتحكمت فى شكل علاقتنا فترة مش قليلة للأسف.. “سارة” والدتها الله يرحمها متوفية، وعندها خالة لسانها صعب شويتين تلاتة.. بتشوفها فى مقام مامتها رغم إني كنت حاسس إن فيه حاجز نفسي بيني وبين الست دي.. مش فكرة إنها بتعمل عليا شغل حماوات وكده!.. بس طريقتها الحشرية كانت واضحة من أول يوم شوفتها فيه أساساً.. بس وقتها قلت لنفسي عادي مش مهم أنا ليا البنت نفسها مش أسرتها!.. من أول أسبوعين بعد الجواز بدأت تسألها: (ها مفيش حاجة فى السكة؟).. حاجة إيه وسكة إيه بس!.. مراتي بـ حُسن نية كانت بترد: (ربنا يسهل).. بس السؤال بدأ يبقي رخم، مكرر، وممل.. والموضوع اتطور بقي ومابقاش سؤال بس لكن بقي تفتيح عين ومخ على حاجات سخيفة تانية!.. (إحنا كل بنات العيلة عندنا بيخلفوا بسرعة أكيد العيب فى جوزك).. “سارة” عشان بنت أصول كانت بتدافع عني من ورايا، وبترد على خالتها بالشكل اللى يخليها تقفل الكلام فى السيرة دي خالص.. (يا خالتي إحنا لسه متجوزين جديد، وحتى لو فات شهر وإتنين وسنة وإتنين ومفيش حاجة برضه مش هنبدأ نقلق ولا نكشف إلا لما نتفق أنا و”محمد”).. تسكت؟.. لأ.. تيجي تزورنا عشان تقول ملاحظات مالهاش معني عن شكل العفش وترتيبه.. عن طريقة أكلي!.. عن طبخ “سارة”.. تدخل أوضة النوم وتبص جوا الدواليب بحجة إنها ترتبها، وتمسك اللى فيها وتشيله وتحطه!.. رغم كده عمرنا ما قابلناها غير بكل ود وترحيب.. الكلمة اللى على لسان “سارة” دايماً وهي بتبص لى: (معلش يا حبيبي عشان خاطري).. سنها الكبير ومكانتها عند “سارة”، وإنها من ريحة والدتها؛ سبب إننا كنا بنفرمل أى رد فعل عنيف تجاهها.. بس حاولنا نقلل من فرص إحتكاكها بينا من خلال التهرب من زياراتها على قدر ما نقدر.. بقت تتكلم علينا من ورانا فى أمور خاصة بيني وبين مراتي!.. (دا أنا لما كنت بروح لهم كنت بشوف كذا كذا كذا).. (أنا لقيت ورق فحوصات فى شقتهم بيقول إن العيب فى جوزها).. (أنا شوفت “محمد” ماشي مع واحدة فى مول كذا).. وطبعاً جملة زي اللى فاتت دي عملت مشاكل كتيرة، وهي أصلاً مش صح، ولولا إن مراتي عارفاني كانت قلبت الدنيا بيننا.. بتفضل تتكلم ومش بتكست والكلام بيجيب كلام ونميمة من شخص للتاني للتالت للعيلة كلها!.. وإحنا نسمع وبنستحمل!.. أنا بشتغل فى مكتب هندسي كبير.. أنا بحترم كل زمايلي فى المكان من أول الشاب بتاع البوفيه لحد المدير.. والحمدلله ماليش أى عداوات مع أى حد.. فى الشغل عندي زميل إسمه “أشرف”.. واضح إن فكرة إني فى حالي كانت ضد مزاج “أشرف”.. حاول يإذيني أكتر من مرة فى الشغل من خلال كلام غلط يقوله للمدير أو لباقي زمايلنا.. أنا كنت راصد ده وأكتر من مرة.. منهم مرة قطع بإيده تصميمات هندسية كنت بشتغل عليه أكتر من 3 شهور!.. فجأة وصلنا فى يوم المكتب لقينا التصميمات مقطوعة.. مين اللي عمل كده؟.. محدش وصل لإجابة لإنه حصل فى يوم أجازة!.. فضلت ورا الموضوع لحد ما قدرت أجيب تفريغ لكاميرا محل جنب مدخل العمارة اللى فيها المكتب ولقيت “أشرف” هو اللى جه فى اليوم ده!.. أنا بطبعي بحب أفترض حُسن النية فى اللى قدامي لحد ما يثبت العكس.. بعد ما إتأكدت كنت مصمم أفضحه، وأقلب الدنيا عليه.. فى نفس اليوم اللى كنت ناوي أعمل فيه كده عرفت إن مراته ولدت وجابت له إبن هو كان منتظره من سنين!.. كون إن ربنا مارزقنيش لغاية دلوقتي أنا و”سارة” بأطفال خلّى عندي حنين للأبوة بشكل محدش يتخيله.. بسبب ولادة إبنه تراجعت.. حتى ولو كان إنسان مؤذي؛ مارضتش أكسر فرحته بمشكلة ممكن يتفصل بسببها وأضر مراته وبيته.. سكتت، وإستحملت.. بس قولتله على المتغطي وبشكل متداري كإني بتكلم عموماً إني مش هسمح إن ده يتكرر تاني.. على أساس أخوفه.. عدت الأيام، وللأسف أذي “أشرف” ماخلصش بالعكس بقي أكتر إحترافية، وإتقان!.. فى نفس الوقت كانت خالة “سارة” وبنتها بيزودوا الضغط عليها بـ كلامهم وتدخلاتهم اللى كانت وقفت لفترة.. بس برضه كانت الحشرية والأذي المعنوي بتاعهم أخدوا شكل تاني.. بقي تريقة على جسمها عشان وزنها زاد شوية.. شعرك بيقع.. بشرتك بقت جافة.. هدومك مش شيك.. ضغوط ضغوط ضغوط، وهي بتستحمل!.. يفضلوا يتكلموا، وهي تتعبي وتتملي باللي مفيش جبل يستحمله!.. طب وبعدين!.. (الموضوع محتاج وقفة).. قولتهالها.. ردت عليا بـ قلة حيلة: (وأنت كمان محتاج وقفة مع اللى إسمه “أشرف” اللى معاك فى الشغل ده!).. عندها حق.. أنا وهي متساهلين زيادة عن اللزوم.. والحجة؟.. عشان منأذيش غيرنا!.. إيه وهما يإذونا عادي!.. لأ مش هنسكت تاني.. بس مش بناخد رد فعل، وبيفضل الحال زي ما هو.. يوم جر يوم وشهر جر التاني وسنة جرت إتنين وأربعة وراها.. “سارة” بقت تخبي عليا أى غلاسة تحصل معاها أو كلام يزعلها بيتقال لها من خالتها.. وأنا بقيت أخبي عليها أى حاجة تحصل من “أشرف” فى الشغل.. سكوتي المتواصل عن اللى بيعمله “أشرف” بقي يظهر فى شغلي!.. أنا مجتهد ومميز فى المكان لكن حالة التوتر اللى كان عاملهالي بسبب الضرب تحت الحزام اللى مش عارف الضربة الجاية بتاعته هتيجي إمتي وفين وإزاي كان بيخرجني من تركيزي، ومع الوقت قلل جودة شغلي.. بعد كذا تجربة أقدر أقول بالفُن المليان إنك مينفعش تسكت عن حقك أو عن إنت شايف الناس إزاي.. ليه؟.. أنا بكتب لك الرسالة دي وأنا واقف على باب أوضة “سارة” فى مستشفي خاصة فى 6 أكتوبر بعد ما حاولت تنتحر بعد مرة تنمر جديدة وزي السم حصلت من خالتها معاها.. إنتحار سببه زي ما الدكتور بيقول إنها كانت شايلة كتير أوي.. ماستحملتش!.. فضلت قاعد على باب الأوضة زي العيال مستني أى نقطة أمل بـ كلمة تخرج من لسان الدكتور إنها فاقت وهتبقي كويسة.. بالمناسبة.. خالتها كانت بتقول وسط باقي القرايب إن “سارة” دخلت المستشفي بسبب إني ضربتها.. بالمناسبة كمان.. ماجاتش ولا مرة تزورها.. حصل و”سارة” فاقت بحمدالله بعد 4 أيام متواصلة.. دخلت عليها الأوضة.. كانت نايمة.. بوست إيديها وراسها.. ماقولتش ولا كلمة وخرجت.. رحت على بيت خالتها.. فتحت الباب.. دخلت وقولتها، وأنا بصرخ فى وشها: (إنتي مقرفة.. “سارة” فاقت، وإحنا مش عايزين نعرفك تاني، اللي ليكي عندنا إنتي خلصتيه، ولو شوفت وشك تاني هخليكي تسمعي اللى ماتبقيش بسببه قادرة تبصي على وشك فى المراية).. أول مرة أكون متعصب بالشكل ده لإني بطبعي هادي، وفضلت فاتحة عينيها ومبرقة وأنا بصرخ ولحد لما خرجت.. طلعت على الشركة عندنا.. بدون ما أسلم على حد.. دخلت مكتب “أشرف”.. وقف.. ضربته بالقلم.. قلم رج كيانه كله.. قولت له وأنا ماسكه من قميصه: (ده ثمن كل اللى عملته طول السنين اللى فاتت، واللى أنا كنت فاكر إني لما أسكت عنه ده من كرم أخلاقي، بس لازم الكل يعرف قذارتك يا كلب).. إتكلمت عن كل حاجة حصلت، وكانت خناقة كبيرة طلعت منها كسبان كل حاجة وأهمها نفسي.. صحيح ماحصلش مشكلة فى شغلي وفضلت موجود زي ما أنا، وهو اللي مشي بس والله حتى لو كانوا مشوني كنت هكون مرتاح.. مهم إن “سارة” تقوم بالسلامة وأى حاجة تاني مش مهم.. وتاني حاجة فى الأهمية إنك ماتسمحش لحد يخترق حدودك، ولو حصل إياك تسكت أو تكتم.

    الرد:

    “محمد منير” بيقول: ( والحلو أقول له يا حلو فى عيونه).. قولوا للحلو إنه حلو، وللزفت إنه زفت.. الناس الشفافة يستاهلوا يسمعوا كلمة حلوة عشان يكملوا.. الناس الزفت يستاهلوا يسمعوا حقيقتهم عشان يفوقوا.. بلاش مجاملات، وعرفوا الناس إنتم شايفينهم إزاى فى نفوسكم، وخليّكم مرايات لحقيقتهم.. فرغوا اللى جواكم لنفسكم وللزمن.. المشاعر والإنطباعات لما بتفضل أسيرة الصدور بتقتل.. هتخّلى غيرك كمان يعرفوا هما أذوك قد إيه وكانوا سبب مباشر أو غير مباشر فى اللى حصل لك.. أصل البديل إيه؟.. إنك تفضل تكتم جواك لحد ما تطرشق!.. لأ وعلى إيه!.. “سيجموند فوريد” عبقرى علم النفس قال فى كتابه “خمس دروس للتحليل النفسي”: ( تفريغ ما يؤلمنا بشكل دورى سواء بالحكى أو الكتابة يقضى على 70% من دوافع إنتحارنا، وتعرية الغير على الأقل أمامنا).. الحياة قصيرة ومش مستاهلة كتمة.. بالمناسبة إحنا فى كل الأحوال مش بنكون محتاجين حلول.. إحنا بنكون محتاجين نحكي ونفضفض ونخفف الحمل.. فضفضوا وعبروا وقولوا بمنتهى الأمانة ليكم قبل للناس: (هكذا رأيتهم).

    أقرأ يضًا من كتابات تامر عبده:

    “ضحكت!”   

    حاول تفتكرني!

    عوّدت عيني على رؤياك!

    “أوعدك!”

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


    إغلاق