• بحث عن
  • سلمان إسماعيل يكتب: عقول أطفالنا في قبضة أردوغان!

     

    بسبب إجراءات الوقاية من جائحة كورونا، اضطررت للعمل من المنزل 40 يومًا قضيتها في بيتنا القديم بإحدى قرى محافظة أسيوط، أعدت خلال تلك المدة اكتشاف وجوه الأطفال من أقاربي أو أبناء أصدقائي الذين نشأت بينهم.

    ذات مساء، جاءني طفل صغير يشكو ابن أخي «سلمان الثاني»، قال: كاد يفقأ عيني خلال اللعب يا عمي. سألته ماذا تلعبون؟ صدمني الطفل الصغير حين قال إنهم يقسمون أنفسهم إلى مجموعات مقاتلة كالتي يشاهدونها في مسلسل تركي اسمه (عثمان المؤسس) وهو امتداد لمسلسل سابق اسمه (قيامة أرطغرل) يسلط الضوء على قيام الدولة العثمانية على أنقاض السلاجقة.

    توقفت كثيرًا عند هذا المحتوى المحرض على العنف، فقد يدفع ابن أخي لقتل رفيقه في اللعب باعتبار هذا الأمر عاديًا ويحدث في ما يتعرضون له من مشاهد دامية في هذه النوعية من الأعمال، لكنني عدت لأسأل نفسي ومن باب الإنصاف، أليست أعمالنا الدرامية تحرض هي الأخرى على خرق القانون وتعاطي المخدرات وتفكك المجتمع؟ ربما يكون المحتوى الضار قاسمًا مشتركًا بيننا وبينهم، لكن ما لم يفتني هو مسألة الغرس الثقافي، فبعيدًا عن مشاهد الذبح التي يصاحبها في العادة صياح عال يقول: (الله أكبر.. الحق هو الله.. الحي هو الله)، تصور هذه الأعمال الأتراك على أنهم حماة الإسلام دون غيرهم، وأنهم سيوف العدالة المسلطة على رقاب الظالمين.

    لاحظت أيضًا، وأنا متابع جيد لهذه الأعمال الدرامية منذ سنوات، ولا تفوتني حلقة واحدة منها، أنها تحولت من سرد درامي يروي مقاومة الظلم الصليبي ثم المغولي الواقع على ضعفاء المسلمين في ذلك الزمان، إلى عنجهية عنصرية بغيضة، فالعمل يصور الترك على أنهم العنصر الأقوى والأجدر بحماية المسلمين، ويلعب على هذا الوتر الذي يلقى قبولًا وترحيبًا لدى شريحة من الواقعين تحت تأثير أفكار جماعة الإخوان المسلمين.

    وبالتزامن مع انتهاكات النظام التركي سيادة سوريا والعراق واستهداف المدنيين وقصف القرى والاستيلاء على الأراضي العربية، وكذلك تقدم المرتزقة في ليبيا واستيلائهم على بعض المدن التي انسحب منها الجيش الليبي والتنكيل بأهلها، يعرض المسلسل (المؤسس عثمان) انتصارات تركية تمثلت في السيطرة على قلعة (كوملوجا حصار) التابعة للإمبراطورية البيزنطية.

    وحتى لا يفهم من كلامي أنه دعوة لحجب هذا المحتوى أو إعاقة وصوله إلى الشاشات في بيوتنا، أؤكد احترامي لحرية الإبداع، وأنها لا تقل في الأهمية عن باقي حقوق الإنسان، ولكنها دعوة لمواجهة هذا الفكر بفكر مضاد، وتعزيز ثقة أولادنا في وطنهم، وفي العنصر المصري الأصيل، وتعليمهم أن الفتح أو الغزو أو الاحتلال العثماني لمصر، أيًا كان المصطلح المستخدم، عزلنا عن العالم، وتعامل معنا على أننا مجرد مخزون استراتيجي من القمح، وأكياس من أموال الضرائب، وجنود يموتون في الصفوف الأولى لمعارك العثمانلي.

    المخططات واضحة، ولعبة السيطرة على عقول أطفالنا وتربيتهم على أن الدولة الوطنية كفر، وأن الأتراك جديرين بحكمنا من جديد مكشوفة، لكن يبقى التفوق حليفهم في غسيل الأدمغة وتهيئتها لتقبل احتلال تركي جديد، عن طريق استغلال الدراما وتوظيفها لخدمة الدولة وأهدافها القومية، فيما تتسع الهوة بين أعمالنا الدرامية وقضايا أمتنا المصرية، فهل من أذن صاغية! 

     

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


    إغلاق