• بحث عن
  • نوستالجيا المستديرة.. قصة يد “اليكس فييرا” التي امتدت إلى السماء

    محمود الخضري

    معارك ضارية لم تدر رحاها هذه المرة كما جرت العادة في ميادين القتال، لكنها اشتعلت على العشب الأخضر، لتجسد العديد من الصور الرائعة في عالم الساحرة المستديرة، سواء بين أقدام اللاعبين أوفي أروقة الغرف المغلقة للمسؤولين أو حتى لمناكفة نادٍ آخر من أجل المناكفة فحسب.

    الساحرة المستديرة، مليئة بالعديد من القصص المثيرة، التي لا يصدقها عقل، مما دفعنا في “القاهرة 24″، لرصد مجموعة من الخبايا في عالم معشوقة الجماهير، والبداية ستكون مع حكاية مشروب المتة الذي كتب قصة نجاح كارلوس تيفيز، في الملاعب بعد حياة ضائعة في الطفولة.

    عام 2015 في مدينة كالي الكولومبية وفي حديقة منزله استقرت رصاصتان في جسد الحارس الأوروجوياني اليكس  فييرا بعدما تعرض لسطو مسلح علي يد فتي كولومبي لايتجاوز عمره العشرين عاما ..

    في الموروث الشعبي والثقافي الأوروجوياني كانت القصة التوراتية الشهيرة “داوود وجاليت” تقبع في وجدان هذا الشعب الذي لايتعدي تعدده عن 3 مليون نسمة، فتي أشقر هزيل يدعي داوود يهزم عملاق يتعدى طوله ستة أقدام بالإيمان وشجاعة الروح والدهاء.. كثيرًا ما كرر الأوروجوانيون تفاصيل هذه القصة على أسماع بعضهم البعض، فغذت مخيلتهم والهبت حماستهم وعززت روح الانتصار لديهم.. كان ملعب الماركانا عام 1950 مشهدًا جليًا ومحاكاة على الملحمة التاريخية القديمة بين داوود وجاليت وإسقاطها على ما أسموه بالمعجزة الكروية في العصر الحديث، عندما استطاع منتخب الاوروجواي قلب النتيجة من هزيمة محققة إلى فوز تاريخي على منتخب البرازيل أمام ما يقارب 200 ألف من أنصاره والعودة إلى موطنهم بكأس العالم.

    انتقل اليكس فييرا إلى المشفي في حالة خطيرة وفرص نجاة تبدو ضئيلة، وبعد عدة جراحات لاستئصال الرصاصتان التي كادت واحدة منهم ان تتلف جزء كبيرًا من الرئة استقرت حالته ، ليفيق من غيبوبة استمرت لثلاث أيام على خبر -بالنسبة له- أسوء من حادثة السطو المسلح، الرصاصة الأخرى أتلفت النخاع الشوكي وسببت له شللاً جزئيًا لن يستطيع على إثره المشي مرة أخرى.

    ترسخت ثقافة الروح الانتصارية ونبذ الخسارة في نسيج المجتمع الأوروجوياني، كان طابع الجدية يطغى حتي لو كانت مباريات ودية التي تقام بين الأقران في الحي، كان من أبرز صفات هذه الثقافة هو الحيلة والمكر الذي يمكنك من مجابهة خصمك أيًا كانت قوته خصوصًا في دولة لديها شعور خاص بأنها دولة مهمشة نسبيًا مقارنة بدول أمريكا اللاتينية لكنها عاشت على مجد تحارب من أجل استعادته، كان هناك لاعبًا يدعو هيكتور كاسترو أصيب أثناء استخدامه منشار كهربائي واضطر إلى بتر مرفقه الايسر لكن إعاقته لم تمنعه من مواصلة لعب كرة القدم، كان يستخدم ذراعه المبتور في ضرب لاعبي الفريق بعيدًا عن أعين الحكم الذي لا يملك مثقال ذرة شك في أن ذراع هيكتور المبتورة تستطيع ضرب لاعبيي الفرق المنافسة.

    قصة أخرى حول الحيل في الكرة الأوروجويانية، في إحدي مباريات كوبا أمريكا في الثمانينات بين الأوروجواي وتشيلي وقبل انتهاء المباراة حصل لاعب من تشيلي على ضربة حرة قريبة من منطقة الجزاء، وقف حائط صد من لاعبي الأوروجواي ومن ضمنهم لاعب يدعى فينانسيو راموس الذي كان يمسك في يديه ليمونة وعندما اقترب منفذ الضربة من الكرة رمى راموس الليمونة على الكرة ليشتت انتباه منفذها فيركلها خارج الملعب ويجن جنون لاعبو تشيلي من التحايل وسط استنكار الحكم لما حدث، ولا ننسي عضات سواريز الشهيرة للتغلب علي منافسيه في واقعات تعد هي الاغرب في عالم كرة القدم.

    نوستالجيا المستديرة.. حكاية مشروب “المتة” الذي صنع مجد كارلوس تيفيز

    كان اليكس فييرا فتى بدينًا، هرب من مرض الربو المزمن بممارسة الرياضة بعد ما استوصى الاطباء بذلك، كان يجري اختبارات كل عام في أندية الأحياء ويفشل، لكنه كان لا يملك رفاهية الاستسلام، في احدي الاختبارات لم يتواجد الحارس الاساسي لمرضه اضطروا الى قبول اليكس فييرا، كان يقول في هذا الصدد “عندما قُبلت تشبثت بهذه الفرصة، كنت ارتمي بجسدي تجاه الكرة بدون تردد أو خوف من الإصابة”، ارتقى اليكس بسرعة الصاروخ إلى أن شارك في الفريق الأول في الدوري الأوروجوياني وهو ابن 16 عام.

    في إحدى مباريات فريقه لعب أمام فتى يافع آخر من فريق ريفر مونتفديو يدعى لويس سواريز، استطاع أن يبعد الخطر عن مرماه في 9 فرص من أصل 12 فرصة أتيحت لسواريز، عندما أداروا شريط المباراة أمام سواريز في أحد المقابلات الصحفية فيما بعد رد سوايرز: “اردت قتله”!!.

    انتقل بعد هذه المباراة إلى ريفر مونتفديو أشهر أندية أوروجواي لكن ليجلس احتياطيًا في تلك الفترة مع وجود حارس أساسي، كانت فترة إعداد قوية لمسيرته فيما بعد، أظهر اليكس فييرا المثابرة والعمل الجاد والتفاني، وهو ما انعكس عندما كان الفريق كان فيه حاجة إليه بعدما مرض نصف اعضاء الفريق بما فيهم حارس المرمي بحمي النكاف قبل المباراة المهمة امام البوكا جونيورز في مباراة الصعود للدور ربع النهائي في كأس الليبرتادورس، ذهب فقط إلى الأرجنتين 14 لاعب من بعثة فريق ريفر مونتفديو بعدما رفض الاتحاد اللاتيني تأجيل المباراة، وهنا تتجلى مرة أخرى القصة التاريخية بين داوود وجاليت في ملعب البومبونيرا، وتظهر الكاميرات لتسجل حوار دار بعدما أفاضت المباراة إلى الركلات الترجيحية بين اليكس فييرا ومدربه مانويل لارساتي ، الذي سأله الاخير  ” من البطل الليلة” ؟ قال اليكس ” انا ” فعاود السؤال لاسارتي ، وكرر الإجابة اليكس بكل ثقة وحزم اليكس “انا البطل” .. وبالفعل تمت الإطاحة بالبوكا في ليلة وصف فيها اليكس فييرا بأنه “يد تمتد إلى السماء ” ..

    بعد حادث السطو، أقر الطبيب المعالج لزوجة اليكس فييرا بأن نسبة شفاء اللاعب الأوروجاياني تعد 1% للوقوف على قدميه مرة آخري، ردت زوجته “إذا يوجد 1% فرصة للشفاء، لا مشكلة، أنا أعرف زوجي جيدًا، هو سيحول الفرصة الوحيدة إلى ألف في المائة”!! .. كانت تثق أن اليكس يعشق التحديات ويتغلب عليها بأستمرار، وأن وجوده هنا في كولومبيا كان محطة من محطات التحدي.

    غادر اليكس فييرا المشفي ولكن لم يذهب إلى منزله، ذهب إلى عيادات التأهيل، ظل حبيس العلاج الطبيعي شهورًا في وسط آمال كبري بالشفاء، زاره صحفي في إحدى المرات لعقد لقاء، وفي آخر اللقاء توجه نحو كرسيه المتحرك وصافحه وعقد معه اتفاق يتضمن “إذا وقف اليكس علي قدميه في الستة أشهر القادمة، سوف يأتي الصحفي مرة أخرى لمقابلة تلفزيونية هذه المرة “ليرد اليكس فييرا أنه وافق علي عقد الاتفاق ولكن في غضون 4 اشهر فقط وليس ستة!!!”  وبالفعل حدثت المقابلة بعدما استطاع اليكس المشي مرة أخرى في معجزة تدعي معجزة الإرادة.

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى

    إغلاق