• بحث عن
  • “يا مسافر وحدك!”

    – من 17 سنة وتحديداً فى سنة 2003 كانت الأمور فى دولة العراق الشقيقة مش فى أفضل أحوالها، والأوضاع ملتهبة.. بالعكس دي كانت بداية الأزمات اللي جت ورا بعض واللي لسه العراق بتعاني منها لغاية دلوقتي!.. فى مدينة البصرة العراقية فيه مكتبة تعتبر من أهم المكتبات اللي موجودة فى العالم.. كمية الكتب النادرة، والمخطوطات اللي مفيش منها نسختين اللي فى المكتبة هي اللي خلّت للمكان ده مكانه خاصة عند كل واحد مهتم بالثقافة والتراث!.. ده من ضمن الكتب اللي هناك كتاب عن السيرة النبوية مكتوب من أكتر من 1300 سنة!.. أمينة المكتبة هي الموظفة “عالية محمد باقر”.. سيدة بسيطة زيها زي أمهاتنا هنا فى مصر، وفيها شبه من طيبتهم.. رغم إن دخول القوات البريطانية لـ البصرة كانت مسألة وقت مش أكتر، وبين لحظة والتانية هيهجموا؛ طبعاً كل الموظفين خلعوا، ومحدش بقي يروح المكان بس هي كانت مصممة تروح شغلها كل يوم رغم إن مفيش لا زوار ولا موظفين!.. القوات العراقية طلعوا فوق سطوح المكتبة وخرّجوا الست “عالية” من المكان وبدأوا يركبوا أسلحة مضادة للطائرات فوق عشان لو الجيش البريطاني ضربهم من الجو يحاولوا يتصدوا ليهم!.. أوف ده معناه إن المكتبة بقت من ضمن ساحة الحرب المرتقبة!.. الست “عالية” راحت لقائد القوات العراقية اللي فوق المكتبة وطلبت منه إنها تنقل الكتب اللي فى المكان عشان لو لا قدر الله حصل حاجة تاريخ العراق الثقافي كله هيروح فى الهوا!.. طنشها، وطردها وقال لها بما معناه إحنا فى إيه ولا فى إيه.. راحت قابلت محافظ البصرة وحصل فعلاً وبصعوبة وطلبت منه نفس الطلب.. طنشها، وطردها، وقال عليها مجنونة!.. فى الظرف اللي كانت فيه العراق لحظتها ممكن تفهم شوية إستغراب القائد والمحافظ لـ طلب الست “عالية”، وتعاملهم الفج معاها!.. بلد على كف عفريت، ومعرض هو نفسه للفناء وإنتي جاية تتكلمي فى شوية ورق!.. روحت بيتها وهي حزينة ومكتئبة.. الست الطيبة اللي عمرها ما أذت حد، ولا طلعت منها العيبة كان الموضوع خانقها لدرجة إنها حرفياً ماكنتش عارفة تتنفس.. سهرت طول الليل تفكر فى حل، وماقدرتش تنام.. بعد طول ساعات من التفكير وعصر الدماغ على أى سكة تبرد النار اللي كانت حاسة بيها وصلت لـ ملامح حل كان يبدو مستحيل لأي حد يسمعه.. أنا هسرق المكتبة!.. الست “عالية” جابت البقال اللي جنب بيتها والخباز وواحد نجار وقالت قدامهم الجملة بـ منتهي الحسم!.. لولا علاقة التلاتة بالست وتقديرهم ليها كانوا إتريقوا عليها وإستخفوا بكلامها.. إيه اللي بتقوليه ده بس يا ست.. على آخر الزمن هنسرق!.. وبعدين كتب إيه اللي  هنضحي بحياتنا عشانها! إحنا مابنعرفش نقرا ولا نكتب أساساً!.. كانت مقتنعة برأيها بنسبة مليون% ووجهة نظرها إنك أحياناً بتضطر بسبب الظروف إنك تعمل حاجة تبان فى ظاهرها غلط بس هدفها خير، ومادام الغلط ده مش بيضر حد ولا بيإذيه يبقي إيه المانع.. يا ست ما إحنا ممكن نتشاف، وده غالباً هيحصل، وهناخد طلقتين فى راسنا وبالسلامة.. سيبوها على الله.. طيب مين اللي هيسرق؟.. أنا اللي هسرق!.. ردت كده.. إستغرابهم زاد.. يا ست “عالية” إنتي لا لياقتك ولا سنك يسمحوا ليكي بالتنطيط فوق السور والعملية الشبه إنتحارية اللي عايزة تعمليها دي وعشان إيه فى الآخر!.. شوية كتب.. يادي النيلة!.. أنا هدخل يعني هدخل، ومش عايزة منكم غير بس إنكم تأمنوا ضهري.. عايزة حد يساعدني أنط، وحد يتناول مني الكتب، وحد معاه عربية عشان يساعدنا ننقل الكتب بعدها.. بطلوع الروح وافقوا.. تمت المهمة بنجاح، وعدت الست “عالية” اللي بـ 1000 راجل للمكتبة وربنا سترها عليها، ونقلت هي واللي معاها فوق الـ 30 ألف كتاب!.. أنتم متخيلين الرقم!.. أخدوا الكتب وخزنوها فى مطعم بتاع واحد جارهم لحد ما الأمور تهدي.. مر أسبوع على الموقف ده، وبعدها النار ولعت فى المكتبة كلها نتيجة القصف والضرب المتتالي، وحصل اللي كانت متخيلاه الست “عالية” بالمللي، والمكتبة بقت على الأرض.. بس اللي بقي على الأرض هما شوية الحيطان لكن الكتب اللي هما كنز المكان الحقيقي كانوا فى الحفظ والصون بسبب تفكير إنسانة محترمة وعندها ضمير إسمها “عالية محمد باقر”.. بالمناسبة.. تم ترميم المكتبة تاني حالياً بعد ما الأمور هديت نسبياً، وتم نقل الكتب تاني ليها، وتم ترقية السيدة “عالية”، وكمان الكاتبة الإنجليزية “جنيت وينتر” كتبت قصتها في كتاب للأطفال إسمه “The librarian of basra” أو بالترجمة العربية “المرأة التي أنقذت مكتبة البصرة”، وبقي من أهم الكتب المصورة المنتشرة فى أوروبا، وأمريكا واللي ليها تواجد قوي بين الأطفال والشباب.

    السيدة "عالية محمد باقر"
    السيدة “عالية محمد باقر”

     

    الكتاب الذي يتناول قصة السيدة "عالية"
    الكتاب الذي يتناول قصة السيدة “عالية”

    *الإنبوكس:

     

    – أنا “فاطمة”.. عندي 28 سنة.. خريجة كلية علوم، وبشتغل فى خدمة العملاء فى واحد من فروع شركة من شركات الإتصالات فى مصر.. مخطوبة أنا و”حسن” من 5 سنين.. خطوبة مبنية على قصة حب سبقت الخطوبة بـ سنتين تقريباً.. طول مدة معرفتنا خلّتنا فى حكم اللي هاضمين بعض فى كل تفصيلة!.. كل واحد فينا بقي عارف التاني بيحب إيه، بيكره إيه، إيه اللي بيضايقه، وإزاي يصالحه.. مع الوقت بقينا عارفين بعض بـ النظرة.. مع الوقت أكتر بقينا نحس بـ سكوت بعض، والكلام اللي متحاش.. “حسن” خريج كلية حاسبات ومعلومات، وهو جارنا أساساً، والجيرة دي كانت هي سبب معرفتنا لما كنّا بنتقابل فى أفراح الجيران فرح ورا التاني.. 5 سنين خطوبة مدة طويلة مش كده؟.. أكيد.. رغم إننا كنا مجبرين عليهم بس والله ما حسينا بيهم.. ظروف “حسن” كانت متواضعة زي أغلب الشباب عشان كده كنا بنبني بيتنا واحدة واحدة بدون إستعجال.. ضيف على كده إنه كان مصمم يساعد إخواته البنات فى جوازاتهم لإن هو العائل الوحيد ليهم لإن والده كبير فى السن، ووالدته متوفية الله يرحمها.. أنا ماكنش عندي أى مشكلة أستناه لنهاية العمر، وكمان بصراحة أسرتي أو أسرته ماكانوش بيضغطوا علينا زي معظم البيوت.. (خدوا وقتكم براحتكم خالص لحد ما تبقوا جاهزين).. “حسن” كان بيشتغل شغلانتين.. واحدة فى شركة برمجيات، والتانية فى شركة محاسبة.. جوازت معظم أصحابنا ماكانتش عنصر ضغط علينا حتى مع السؤال الغلس اللي بقي يتقال لينا لما بنحضر أى فرح أو خطوبة سوا.. (ها ماقربتوش! عايزين نفرح بيكم).. الناس للأسف ليهم الظاهر اللي قدامهم، ومادام شايفانا بنضحك وبنهزر يبقي إحنا مكسلين أو مش جد أو مستنين نصيحتهم!.. وهو مين قال إن أنا وهو مش عشمانين نبقي تحت سقف بيت واحد النهاردة قبل بكره.. تعاملنا مع الكلام ده كان بالتجاهل التام.. بس من 10 شهور بدأت أحس إن “حسن” بدأ يتأثر من طول مدة الخطوبة، وبكلام الناس.. قال: (أنا حاسس إني متكتف هنا فى مصر، ده مش مكاني ولا مستقبلي هنا).. رديت: (والحل؟).. قال: (نسافر، نشوف رزقنا وحياتنا بره.. أكيد هيكون أحسن من هنا).. كان بيتكلم عن الموضوع بحماس كبير كإنه حاسم أمره، ومرتب كل حاجة.. سألته: ( طيب يا حبيبي فى بالك خطة معينة للإستقرار هناك؟).. طرح كل اللي فى دماغه، واللي ماكنش أكتر من طريقة السفر هتبقي إزاي وتكلفتها قد إيه.. سألته: (طيب والشغل والسكن؟).. رد: (هنشتغل أى حاجة المهم نخرج، وبعد كده ربنا يعدلها).. طبعاً ده أى كلام، ومافيهوش منطق.. أنا مقدرة الضغوط اللي أنت فيها، والعمر اللي بيجري، والبنت اللي أنت حاسس إنها مربوطة فى رقبتك بس فات الكتير مابقاش إلا القليل، واللي أنت بتقوله ده مش هو الحل.. جايز يكون الحل فعلاً بس توقيته غلط.. وبعدين والدك هتسيبه لوحده!.. كان يرد: (أنا عملت اللي عليا مع إخواتي، وهما ياخدوا بالهم منه بقي وكل واحدة تخصص له جزء من بيتها ما هو برضه أبوهم زي ما هو أبويا).. فضل مصمم على السفر، وشايف فيه حلول لكل مشاكلنا اللي هنا.. فرص شغل أفضل.. هنقدر نحوش.. مستوي تعليم متميز لأولادنا.. أنا ماكنتش رافضة رفض قطعى بس برضه كنت شايفة إننا نصبر شوية.. سنة ولا إتنين.. اللي هو نأهل نفسنا للخطوة أكتر، وبدل ما نروح ألمانيا نغسل صحون وأطباق؛ نجتهد شوية هنا وناخد كورسات لغة أو فى  تخصصاتنا عشان يبقي عندنا أرض صلبة نقف عليها وإحنا هناك.. المجتمع الغربي مش هيتعامل بجدية مع ناس جايين وهما دماغهم بيضا كده!.. فضل مصمم.. إختلفنا.. إنتهت القعدة اللي بيننا عند الـ لا إتفاق.. لما كنا بنختلف ماكنش بيمر يوم إلا و حد مننا بيكلم التاني عشان يصالحه بدون ما نجيب سيرة المشكلة.. مر أسبوع وماكلمنيش!.. كلمته.. رد.. أول جملة قولتهاله: (هونت عليك يا “حسن”؟، أسبوع!).. طلب نتقابل.. إتقابلنا.. عرفت منه إنه خلال المدة دي كان بدأ يمشي فى الإجراءات.. هيسافر سياحة لدولة أوروبية بعد أسبوعين بالظبط، وهيكسر الفيزا، ومنها هيطلع على ألمانيا وبيقول لى فيه فرصة إنتي كمان تيجي معايا، وأنا طلبت أقابلك النهاردة عشان من بكره الصبح أطلع لك باسبورك لإن الإجراءات بتاخد وقت.. سألته: (يعني أنت جايبني النهاردة عشان تبلغني بالأمر الواقع يا “حسن”؟).. رد: (هو ده الصح يا “فاطمة”، ومفيش طريق تاني، أنا تعبت، وإنتي تعبتي زيي، وجه الوقت ناخد قرار عشان نلحق العمر اللي بيتسرسب مننا ده).. قولت: (بس أنا مش هينفع أمشي كده! أنا مش هربانة ولا فيه حد بيجري ورايا عشان أطلع بالطريقة دي).. قال: (وأنا مش هكمل على الوضع ده).. سألته: (مش هتكمل فى المناقشة، ولا فى قصتنا؟).. رد: (فى الإتنين).. قولت بـ عِند: (وأنا مصممة يا “حسن”).. بص فى الأرض، وخلع الدبلة بتاعته وحطها قدامي على الترابيزة.. بشكل لا إرادي مني ماكنتش مصدقة الحركة، وكإني كنت متخدرة، وماحستش غير بسخونة دموعي وهي على خدي، وأنا ببص له منتظراه يقول أى حاجة.. مانطقش!.. مسكت إيده وقولتله: (بس أنا عايزاك جنبي، ماينفعش تسيبني وتمشي).. شال إيدي اللي محاوطة كفه، وخبط عليها بالراحة كإنه بيطبطب، وقام!.. “حسن” اللي عمري ما حبيت حد قده بقي فجأة مفيش!.. بقي مطلوب مني إني أحذف عِشرة 7 سنين حب ومشاعر وأقول على نفسي إني كنت غبية وماشية فى سكة غلط!.. إزاي بس.. دخلت فى حالة نفسية زي الزفت، وقفلت على نفسي باب أوضتي.. أسبوعين كاملين.. مفيش أكل ولا شرب ولا تواصل مع أى حد.. آخر مكالمة ليا مع حد كانت مع زميلي فى الشغل طلبت منه ياخدلي أجازة مفتوحة لإني تعبانة ومش هقدر أتحرك ولا آجي لفترة مايعرفهاش إلا ربنا.. إنعزلت عن العالم.. كنت بكتب على موبايلي رسايل موجهة لـ “حسن” بس بدون ما أبعتها.. بكتبها، وبسجلها، وبسيبها.. مش عارفة إيه الغرض بس ده كان بيريحني.. أنت مش حطيت كلمة النهاية لموضوعنا!، خلاص بس مش هتمنعني أوجه لك كلام حتى لو مش هتقراه.. مش هحبس حاجة جوه صدري من ناحيتك.. فضلت أكتب أكتب أكتب.. والدتي ووالدي قلقوا عليا وماقدرتش أحكي معاهم أى حاجة.. ماما حست إن أكيد “حسن” عنده معرفة بسبب زعلي.. كلمته ماردش عليها.. كلمت أخته.. ماكانتش تعرف موضوع السفر.. أخته سألت باباهم، وعرفت منه، ورجعت بلغت ماما إنه هيسافر قريب وبلغتها إنه قال لهم إنه فسخ خطوبته معايا.. صدمة والدي ووالدتي كانت مش بسيطة برضه.. نظرتهم لـ “حسن” إنه إبن حلال وفعلاً بقوا بيعتبروه إبنهم اللي ماخلفهوش.. الحياة لازم تمشي، والتأثر اللي شوفته فى وشوش والدي ووالدتي خلاّني أرمي كل حاجة ورا ضهري وأصمم أرجع لشغلي تاني.. رجعت.. آه متغيرة، ومش أنا “فاطمة” اللي الكل متعود عليها بس رجعت.. حاولت أشغل نفسي من التفكير بالخروج مع أصحابي وبالتركيز فى الشغل.. فى يوم وأنا موجودة فى الفرع، وكنّا لسه فاتحين من دقايق دخل 4 عملاء كل واحد فيهم لوحده.. اللي كان شغال فى المكان زميلي بس وأنا كنت لسه مابدأتش، وبرتب حسابات الجهاز بتاعي.. الـ 4 عملاء كانوا هيتعاملوا مع زميلي وهيدخلوا عليه واحد ورا التاني.. الدنيا كانت هادية ومفيش دوشة خالص.. عميل من العملاء كان بيتكلم مع ست كبيرة قاعدة جنبه وباين أوي إنها والدته.. الست كانت بتتكلم معاه بصوت واطي، وهي ماسكة نفسها من العياط بالعافية، وهو بيرد عليها بـ صوت رغم إنه حاول يخلّيه واطي بس إنفعاله، وجزة سنانه اللي حاول يداريهم كانوا واضحين.. غصب عني رميت وداني عشان أفهم فيه إيه.. عرفت من سياق كلامهم إنه مسافر، وإنها مش عايزاه يسيبها لوحدها.. كان بيرد عليها إنه كل شهر هيبعتلها فلوس مع حد من أصحابه هنا فى مصر، وإنه هيكلمها كل يوم على فيسبوك صوت وفيديو.. فهمت كمان إنه جايبها الفرع عندنا عشان يشتريلها موبايل جديد عشان يعلمها تدخل النت من عليه، وعشان إحتياطي يعمل لها حساب عندنا تقدر تستلم فلوس من خلاله!.. الست ماكانتش معاه خالص فى أى حرف بينطقه وكل اللي على لسانها: (عشان خاطري يا حبيبي دا أنا ماليش غيرك).. فى ثواني شوفت نفسي مكانها، وشوفته مكان “حسن”.. نفس السيناريو اللي دمر حياتي.. إيدي بقت تتحرك بعصبية، وتوتر، ومابقتش قادرة أسيطر عليها.. عايزة أقوم أضربه فى وشه.. الشاب عشان يحاول يهرب من لوم أمه مسك موبايله وعمل مكالمة.. إتصل بـ شركة طيران بيأكد الحجز.. ردت عليه موظفة، وكان بيمليها بياناته.. من ضمن البيانات اللي قالها ليها كان رقم موبايله.. لا إرادياً لقيت نفسي بكتب رقمه على موبايلي وبسجله.. بعدها فتحت الرسايل وبدأت أنسخ له رسالة من اللي كنت كاتباهم لـ “حسن”.. عملت شوية تغييرات بسيطة فى نص الرسالة عشان تبان من حد عارفه، وشيلت إسم “حسن”.. (إمشي بس إختار التوقيت الصح.. ماينفعش نسيب حبايبنا يواجهوا لوحدهم، ونمشي.. الزمن مالوش أمان، واللي هتسيبهم عشانه النهاردة مش هيعوضك عنهم لو رجعت بكره وماكانوش هنا.. خلّى عندك دم.. أمك مالهاش غيرك).. ضغطت إرسال.. كان هو خلص مكالمته.. سمعت رنة وصول الرسالة عنده.. بسرعة عملت الموبايل بتاعي صامت، وخبيته، وعملت نفسي مشغولة بالشاشة اللي قدامي.. سمعت صوته منفعل، ومخضوض وهو بيقول: (إيه ده! فيه إيه!).. قالها ووقف وبص ناحية أمه اللي اللي كانت قاعدة مستغربة ومش فاهمة هي كمان.. سألها: (إنتي معاكي تليفون؟ كلمتي حد؟ شوفتي أو قابلتي حد؟).. الست سألته بدهشة حقيقية: (إسم الله عليك يا حبيبي مالك بس فيك إيه؟).. كان باين أوي إن هو نفسه مش عارف هو بيقول إيه.. أول مرة حرفياً أشوف قدام عيني معني جملة “فلان وشه جاب ألوان، ووشه أصفر”.. قعد يبص على وشوش كل الناس فى المكان، وهو متلخبط وبينقل عينه بيننا وبين الموبايل اللي فى إيده.. فجأة قال لـ أمه: (يالا نمشي أنا مش هقعد هنا).. خرج، وهي وراه بتحاول تلحقه!.. معرفتش حصل إيه بعد كده.. سافر ولا ماسافرش.. حاول يتصل بالرقم بتاعي كتير جداً.. إتصالات متتالية بتوضح كم التوتر اللي هو كان فيه.. رديت عليه برسالة تانية إن ماتحاولش تتصل هنا تاني.. رد برسالة: أنا عايز أعرف مين معايا، هتجنن؟.. رديت: (أنا شخص إتجرح لما إتساب، ومش عايز يشوف اللي حصل معايا أمك تشوفه، ملعون الفلوس ولا المستقبل اللي يبعدك عن اللي يحبوك، ويخليهم يحسوا إنهم لوحدهم ولو لحظة).. دي كانت آخر رسالة أبعتها، وهو محاولش يتصل أو يبعت تاني بصراحة.. بصرف النظر إني ماكنتش ملمة بإيه نتيجة دي بس حسيت إني عملت حاجة مهمة.. فى أوقات كتير فيه ناس بتتخلي وهما مش حاطين فى حساباتهم الطرف التاني تأثير ده عليه هيبقي إيه.. من إنخراطي فى خروجات وقعدات أصحابي بقيت بسمع كتير أوي إن فيه واحدة سابت واحد زميلنا وإنفصلوا بعد سنتين جواز أو واحد ساب حبيبته وفسخ الخطوبة بعد قصة حب كبيرة بينهم.. الله يسامحكم.. بتكتبوا نهاية بشر بخطوات مش محسوبة، ومتهورة لما بتسيبوا إيديهم فى اللحظة الأهم أو الأصعب.. بقيت مصممة يكون دوري فى الحياة إني أبين لكل واحد يقع فى سكتي إيه هي تبعات وضرر إنهم يتخلوا، ويمشوا فجأة.. يا إما بشكل مباشر وجهاً لوجه يا إما من خلال الرسايل المجهولة من رقم موبايل خصصته للقصة دي؛ ربنا أكرمني ورجعت ناس لبعض، وصالحت ناس مع بعض، وغيرت من خطط ناس تانية.. الكلام اللي كنت كاتباه لـ “حسن” ساعدني جداً.. مع كل حد كان بيتراجع عن قرار تخليه عن شريكه كنت ببقي متأكدة إن ربنا جعلني سبب.. 3 شهور بعمل كده بدون كلل ولا ملل، وأنا فى قمة إنبساطي، وواثقة فى عدل وكرم وعوض ربنا.. آه صحيح.. من قريب كنت قاعدة فى الفرع، وبستعد عشان أبدأ اليوم، وكنت هستقبل أول عميل، وأنا ببص فى الشاشة المرة دي بجد عشان بنسق حاجة فى السيستم.. سمعت رنة الصوت الآلي.. عميل رقم 1 شباك رقم 2.. بدون ما أبص قولت الجملة الإعتيادية اللي متعودين عليها: (أهلاً وسهلاً بحضرتك يا فندم أقدر أخدم حضرتك إزاي).. ماردش.. بصيت.. “حسن”!.. إتلخبطت، ووقفت من على الكرسي، وحسيت إن المكان كله باصص عليا رغم إن ده مش صح.. كان واقف قدامي مبتسم وحاطط إيده ورا ضهره وراسه مايلة ناحية الشمال شوية وهو بيتفرج على رد فعلي.. حاولت أتحرك من مكاني عشان أدخل الأوضة المخصصة للي شغالين فى الفرع فـ رجلي إتشنكلت، وكنت هقع بس هو لحقني ومسكني من إيدي.. قال، وهو مقرب ناحيتي وموطي صوته: (عيل!، عيل وإكتشف إنه مايقدرش يستغني عنك و يسيبك).. كان قلبي طاير من الفرحة بسبب اللي بسمعه بس حاولت أرسم على وشي إني متضايقة.. قولت: (3 شهور!، هونت عليك يا “حسن”؟).. باس راسي، وقال: (حقك عليا، وبعدين ما أنا معاكي أهو، ويغور السفر).. طلع من جيبه خاتم جديد غير اللي خلعه وإداهوني عشان ألبسهوله.. عملت كده فعلاً.. زمايلي اللي فى الشغل واللي معظمهم ماكنش فاهم هو فيه إيه سقفوا وهيصوا ومعاهم الكام عميل اللي كانوا فى المكان وفى اللحظة دي إنتبهت إننا مش لوحدنا وإننا فى الشغل.. مع صوت التسقيف خرج المدير من جوه وخصم لنا كلنا.. بس مش مهم.. الفرحة اللي كنت حاسة بيها تغطي على أى حاجة.

     

    *الرد:

     

    معظم الناس بتتخلّى، ومابقاش يفرق معاهم لا سنين عِشرة، ولا مشاعر.. ماتبعدوش فجأة، وبأسباب واهية عن اللي بتحبوهم، ومحتاجينكم.. التخلّي المتعمد من طرف لطرف تاني عمره ما قصر فى حاجة؛ يعتبر فى حكم القتل العمد!.. بتكتبوا نهاية بشر بخطوات مش محسوبة، ومتهورة لما بتسيبوا إيديهم فى اللحظة الأهم أو الأصعب .. ماتخليهوش يحس إن كومة مشاعره الصادقة النبيلة راحت هدر، و فى السكة الغلط.. لو مفيش مفر من البُعد ياريت ده مايبقاش خلال لحظة ضعف للطرف التاني!.. ماتخلوش الجرح جرحين.. إختار التوقيت الصح.. ماينفعش نسيب حبايبنا يواجهوا لوحدهم، ونمشي.. الزمن مالوش أمان، واللي هتسيبهم عشانه النهاردة مش هيعوضك عنهم لو رجعت بكره وماكانوش هنا.. ده لو إيه؟.. لو هما فعلاً حبايب، وقريبين وإستثناء.. الأديب “وليام شكسبير” قال: (تمهل فى إختيار الحبيب، وإياك أن تتعجل فى التخلي عنه).

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى

    إغلاق