• بحث عن
  • سامح محجوب يكتب: المصاحف على أسنة المجاز

    كما توقعت تمامًا أسقطت واقعة مهرجان طنطا الدولي للشعر أقنعة كثيرة ظلّت لسنوات طويلة تمارس بيننا التُقية متعبِّدةً -في سرية تامة -لآلهة ليسوا من بني جلدتنا، فمنهم من خرج عن صوابه وشحذ آلة التكفير عمدًا وجهلًا واغتيالًا لكتابة لم يستطعها لعجزه وضعف موهبته وسقوطه من جيله الشعري، ومنهم من مارس عادته الأبدية ورقص على السّلم متذرعًا بعقلانية جوفاء لا تتناسب وهذه المواقف الحدِّية وهؤلاء يعكسون بصدق ضحالتهم في الكتابة والحياة وهم يعرفون جيدًا أن مصيرهم ككُتَّاب مرتهن بوجودهم البيولوجي، ومنهم من اكتفى بدور البصّاص انتظارًا لفتات السَّلَب وهؤلاء مخلوقات حَشَرية تظهر في أوقات الأوبئة فقط.

    أقول للجميع الله أكبر وأجلّ من تصوراتكم المريضة عنه(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وهو المبدع الأعظم الذي وضع في مخلوقاته البذرة الأولى للتمرد حتى عليه وحوارات إبليس وإبراهيم وموسى في القرآن خير شاهد على الحوار الإلهي العظيم بين الله وشكوكهم حتى في وجوده وكيفيته، وحدث أن وقفت سيدة في إحدى الأمسيات بإحدى الدول العربية وقاطعتني عندما قلت في أحد نصوصي:” ينام الله في صحن الكعبة تحت الحراسة الملكية المشددة، وقالت:” سبحانه لا تأخذه سنة ولانوم
    فقلت لها: وما قولك في قوله تعالى ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ألله جارحة مثل جوارحنا؟!، وما قولك في قوله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) أيجيء الله ويروح مثلنا؟! لو فكرت مثلك بمنطق أن الله ينام ويصحو ويسهر ولا تأخذه سنة ونوم سأنزل الله منزلة مخلوقاته وهو من علمنا أن نفكّر في آلائه ولا نفكّر في ذاته، فاعتذرت السيدة وانتهى الأمر بلا اغتيال أو تكفير، لكن التاريخ يحمل لنا الكثير من الوقائع المؤلمة التي تم فيها التمترس خلف النص الديني لتمرير خطاب سياسي أو أيدولوجي لا علاقة له بنصرة الدين ومحبته والدفاع عنه فالحلاج لم يقتل ويصلب ويمثّل بجسده لأنه خالف شرع الله ولكن لأنه قاد ثورة اجتماعية للمناداة بالعدالة الاجتماعية وتحرير الناس من عبادة الحكام، الأمر نفسه ينطبق على السهرودي الذي أمر صلاح الدين ابنه بقتله بشكل بشع.

    وينطبق أيضا على جاليلو وهيباتيا ونصر حامد أبوزيد وأحمد الشهاوي والماغوط وحلمي سالم وطه حسين وعلي عبدالرازق وعبدالحميد بخيت وعبدالمتعال الصعيدي وفرج فوده وموسى حوامدة وصولا لواقعة مهرجان طنطا الدولي الذي استخدمه المتأسلمون  الذين أقصاهم الشعب المصري عن الحكم 2013 -انتقاما من المثقفين الذين كانوا في طليعة الفعل الثوري في ثورة الثلاثين من يونيو وسيظل هؤلاء ينتهزون الفرصة تلو الأخرى لضرب كل ما يمكن أن يخلّص الإنسان من كهنوت المحتسبين ورجال الدين المعروفين بتاريخهم الأسود في تعبيد الطرق أمام الحكم الثيوقراطي.

    المعركة لم تنته بعد ولن تنتهي مادام سكرتارية الله يعطلون الصيرورة التاريخية للنصوص ويحاكمون كل من يحاول الاقتراب والتساؤل مادام التعليم قاصرا على التعلّم مادامت الثقافة ديكورا ومهرجانا ومؤتمرا لتوزيع المنح والعطايا على المدجنين مادام الفن فقير الرؤية والخيال يعمل تحت سلطة الحدود الآمنة مادام الفنان لا يجرب خوفًا من بطش المستقر والسائد، المعركة لن تنتهي مادامت المصاحف على أسنة المجاز وعلي ومعاوية لدى الباب.

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى

    إغلاق