• بحث عن
  • د. راني فؤاد يكتب: كوفيد 19.. الفيروس المُعلّم

    يبدو العنوان صادماً للبعض، و لكن مع قراءة الأحداث بشكل أكثر عمقاً، سنجد أن فيروساً لا يُرى بالعين المجرده، قد غيّر العالم و كسر المعتقدات و الأصنام، بل إنه وضع العالم في اختبار حقيقي، و كشف الوجه القبيح للكثيرين، خاصة المتشدقين بالإنسانيه، الإحساس السائد الآن، و كأن العالم قد عاد إلى وضعية ضبط المصنع!!

    واقع جديد .. عالم جديد .. أولويات جديدة سواء للأشخاص أو الحكومات.

    شهد العالم حدثًا استثنائيًا، حينما ظهر فيروس كورونا في نهاية شهر ديسمبر من العام الماضي، في مدينة ووهان الصينية، بعدما أبلغ طبيب صيني ــ يُدعى لي وينليانج، ويعمل في مستشفى مقاطعة هوباي الصينية ــ سلطات بلاده بوجود مرض يشبه مرض سارس، ” متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد”، وهو مرض تنفسيّ مُعدِ مُميت، وظهر للمرة الأولى في الصين في عام 2002، وانتشر في جميع أنحاء العالم.

    من الخوف إلي التعايش ثم الواقع الجديد 

    تأكدت حالات الإصابة الأولى بفيروس كورونا في سوق المأكولات البحرية في مدينة ووهان الصينية، فيما ارتفعت أعداد الإصابات بالعدوى بشكل كبير بحلول نهاية شهر ديسمبر من العام الماضي، في حين كان ينقل كل مريض العدوى إلى شخصين أو ثلاثة ثم انتقل إلى العالم بشكل متسارع و خطير، و أقرت منظمة الصحة العالمية أنه الوباء الجديد الذي سيهدد العالم و أسمته covid-19 .

    دوليًا اتخذت الكثير من دول العالم إجراءات احترازية ووقائية للتصدي لفيروس كورونا، كإغلاق الحدود مع البلدان الأخرى وإيقاف الرحلات الدولية وإغلاق المطارات، إضافة إلى إغلاق المدارس والجامعات والمعابد الدينية، وفرض حظر التجول وإغلاق المقاهي والمطاعم والمحال التجارية لكبح انتشاره.

    من جهة أخرى، تحتدم المنافسة بين مختبرات دول العالم، لنيل السبق في إيجاد لقاح حاسم للجائحة التي ألمّت بالعالم، مخلفة وراءها حصيلة وفيات ثقيلة تقدر بنحو ثلاث مائة ألف وأكثر من أربعة ملايين عدد الإصابات المؤكده.

    وفي المقابل، هناك مساحة من التساؤل الإنساني هي الأشد وطأة وإلحاحًا في الأذهان، حول تداعيات أزمة كورونا، وهل سيعود العالم بعد الأزمة مثلما كان قبلها وكيف سيصبح شكل العالم؟

    الحكومات و دعم البحث العلمي  

    أشارت تنبؤات عدة إلى أن الحكومات وشركات الأعمال، سوف تتجه بشكل أكبر في الاستثمار و دعم البحث العلمي، حيث قد تتجه بعد الأزمة الصحية إلى الاهتمام بعِلم المستقبل الذي يركز و يعتني “بالمُحتمل والممكن من المستقبل، و كل الظواهر و الأشياء ذات الاحتمالات القليلة والتأثيرات الكبيرة على حياتنا، لدراستها وتقديم خطط لإدارة الأزمات واتخاذ إجراءات استباقية بشكل سريع ومبكر لتفادي الأضرار.

    مفهوم جديد للاستهلاك

    من المتوقع أن يسود مفهوم جديد، قائم على استهلاك السلع والخدمات، حتى يتم استنفاذها تماما أو الاستغناء عنها بغرض الترشيد، مما سيقلص إنفاق المستهلكين ومبيعات قطاع التجزئة، وسيؤدي هذا إلى حدوث فائض في المعروض، من شأنه تقليل معدلات التضخم والأسعار، ومن ثم إضعاف الانتعاش الاقتصادي.

    نماذج عمل جديدة 

    ستظهر نماذج عمل جديدة غير معهودة، مثل الاكتفاء بالعمل عن بُعد، الأمر الذي بدوره سيقلص عدد الإدارات والموظفين وساعات العمل، وفي مثال واضح لذلك، فقد أبلغت شركة تويتر موظفيها، بأنهم يمكنهم العمل من المنزل باستمرار، حتى بعد انتهاء جائحة كورونا، من دون الحاجة إلى الحضور إلى مقر الشركة، وهو ما يمثّل فرصة في ابتكار نموذج عمل جديد، وتطبيق مفهوم التكنولوجيا الحديثة في التواصل، وإدارة الفريق عن بُعد ومتابعة الأهداف، إضافة إلى تخلي الكثير من الشركات عن عقد الاجتماعات أو المؤتمرات، وستتحول تلك الفعاليات أو المؤتمرات إلى اجتماعات افتراضية يحضرها العشرات، بل المئات عن طريق الإنترنت.

    انكماش عالمي و ديون ضخمة

    ربما يتصور البعض أن اقتصاد العالم سينتفض سريعاً، عقب التوصل إلى لقاح لفيروس كورونا المستجد “كوفيد 19″، ولكن سيصطدم ذلك بفاتورة مالية ضخمة يتكبدها العالم لزيادة الإنفاق، ودعم الشركات للحد من تداعيات الأزمة الراهنة.

    وبحسب وكالة الأنباء الأمريكية “بلومبرج” فإن الدَين العالمي سيرتفع بنسبة 1.3% ليتجاوز 96% من الناتج المحلى الإجمالى للعالم في 2020، و أن التقديرات الأولية تشير إلى أنه سيكون هناك عجز بمقدار تريليوني دولار في الدخل العالمي، كما حذر صندوق النقد الدولي من أن خسائر الاقتصاد العالمي قد تبلغ 9 تريليونات دولار، متوقعا وقوع انكماش بنسبة 3% هذا العام.

    نظام عولمة جديد

    وقوع أزمة في سلاسل الإمداد العالمية، جراء الإغلاق التام، الذي اجتاح أغلب دول العالم وتوقف حركة التصنيع، سيسفر عن تغيير نظام العولمة الحالي بأكمله، مجلة فورين بوليسي الأمريكية قالت إن وباء كورونا سيُسرّع وتيرة انتقال العالم نحو نظام عولمة جديدة مركزه الصين بدلا من الولايات المتحدة الأمريكية، وأوضحت المجلة الأمريكية أن النظام الجديد يتسم بخصائص مختلفة، تقوم على تعزيز الدول والشركات قدرتها على التعامل مع فترات طويلة من العزلة الاقتصادية، والاكتفاء الذاتي و التركيز على الإنتاج المحلي .

    تحول نحو التجارة الإلكترونية والدفع الرقمي

    على الجانب الآخر، توضح المؤشرات أن العالم يمضي بقوة في اتجاه التحول للتجارة الإلكترونية، فيشير تقرير صادر عن مؤسسة دبي للمستقبل ــ لاستشراف العالم ما بعد كورونا ــ إلي أن التوقعات ما قبل الأزمة كانت تقدر الحصة المتوقعة للتجارة الإلكترونية عالميا بـ 16% لتصل إلى 26 تريليون دولار في 2020، لكن من الواضح أن تلك الحصة تجاوزت ذلك إلى أرقام قياسية حاليًا في ظل التسوق عن بُعد.

    هذا التحول دفع شركات التجارة الإلكترونية إلى طلب المزيد من العاملين، فعلى سبيل المثال أضافت أمازون 10 آلاف وظيفة جديدة لمقابلة هذا الطلب.

     وظائف لن تعود 

    وبالتزامن مع التحول الرقمي وتزايد الاعتماد على التواصل عبر التطبيقات التكنولوجيه والخدمات الذاتية، مثل ما يتم في البنوك و شركات الاتصالات أو حتى الخدمات الشخصية بل وربما المطاعم، لن يكون هناك مجال لعودة العديد من الوظائف الخدمية المفقودة مرة أخرى، كما أن بعض الصناعات الأخرى ستضرر بشدة، فعلى سبيل المثال فإن شركات الطيران ستكون بحاجة ماسة إلى دعم حكومي بقيمة 200 مليار دولار، للبقاء على قيد الحياة، وذلك في ظل قيود السفر الجديدة أو حتى الاتجاه للتواصل عبر الإنترنت كبديل سريع و أقل تكلفة.

    استثمار أكبر في الرعاية الصحية

    ربما يتعلم العالم الدرس جيداً من وباء كورونا، بضرورة ضخ المزيد من الاستثمارات في المنشآت الطبية، وتحديث أدوات الرعاية الصحية، فالدول التي كانت أكثر استعداداً هي التي استطاعت في وقت وجيز السيطرة على الانتشار السريع للفيروس، و بالتالي وقف وتيرة الوفيات و التدهور الاقتصادي، وكأن هذا الوباء كان رسالة للحكومات بأن الرعاية الصحية ليست رفاهية بل هي ضرورة للجميع، الفقير مثل الغني، فانتقال العدوى لن يفرّق بين أحد.

    وبحسب البحث، فإنه كان على المجتمع الدولي، أن يستثمر الكثير في مجال الوقاية، بما فيها الدول الفقيرة، خاصةً بعد أن أدى فيروس سارس في 2003 إلى شطب 40 مليار دولار من الاقتصاد العالمي.

    التعليم عن بُعد 

    من جهة أخرى، سيتجه التعليم في المدارس والجامعات، بكل مستوياته وأشكاله إلى تبني نظام حديث، وهو التعليم عن بُعد، وسيتمكن الطالب من حضور مقرراته الدراسية أو الدورات في منزله، بأسلوب عصري مستخدماً التكنولوجيا كوسيلة للمحاكاه و إنجاز المهام بشكل فعال و آمن.

    لقد بات جلياً أن مقاييس القوة لم تعُد في التسليح و الأرتال العسكرية، من يملك العِلم يملك العالم، هذا هو الدرس الأهم، ففي لحظات الخوف و الموت من سيهتم بامتلاكه أسلحة نووية أو طائرات نفاثة، بل من سيدفع الملايين في شراء لاعب كرة.

    إذن الصوت الأعلى الآن للعِلم و المعرفة، لقد أضاع العالم أموالاً طائلة فيما لا نفع فيه، و أنفقت الدول المليارات فيما لا عائد منه، يبقى الاستثمار في الإنسان و العِلم وهما الأصل في الكون، و أن الله خلق الكون بميزان لا يختل، و عندما يزداد الانحراف عن الناموس الكوني، يأتي الدرس المُعلّم.

     

    د. راني فؤاد خبير استراتيجي بالمجلس العربي للمسئولية المجتمعية

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى

    إغلاق