• بحث عن
  • أحمد عنتر يكتب: استمناء علني

     

     حمل همومًا وارتحل في الصباح، يجر قدميه جرا وملابسه الممتقعة كوجهه تثير غثيان العابرين به على عجل، والعابر لهم على وجع وعينين لا تريان، فالفتى المهموم أكمل الـ 24 ساعة كاملة في عمله، لم يذق طعم النوم في تلك العاصمة الموصومة بالكفاح الذي لا طائل منه.. صعد مرتبكا زائع النظرات إلى الميكروباص فطالعته العيون الراثية لحاله، بينما مصمصت امرأة في آخر الأتوبيس شفتيها على حال الشباب الضائع التائه في طاحونة الحياة.

    الحاج نبيل وحده من انتبه، نظر إلى منتصف جسد الشاب ليجد أزرة البنطلون مفتوحة كلها، تمتم داعيا للشاب الذي يبدو عليه وهن الدنيا، وشقاء السنوات، واستصعب حال الفتى فكاد يقوم له ليجلسه، لولا اختلاف الأعمار والظروف، لكنه طالع استناد الفتى بحديد الأتوبيس كأنما يتشبث بها من الضياع أو الفقدان، وانتبه إلى أن الفتى ينظر إلى الفراغ بعينين مغمضتين، بل سمع صوت أنفاسه المرهقة، كضجيج الأتوبيس لا تختلف عنه كربا وتحشرجا.

    انتفض العم نبيل على صرخة فتاة “بتعمل إيه يا حيوان”، نظر إلى جواره فوجد الفتى معلقا كما هو بحديد الأتوبيس، غارقا في سبات بينما الفتاة تضرب وجهه ويديه، فهال الرجل الكبير ما يحدث، لم يفهم ما تصرخ به الفتاة، إلا أنه بعد شد منها واندهاش من الشاب الذي استيقظ مفزوعا وتجمع المحيطين، فهم أن الفتاة تتهمه بأنه تحرش بها، بل استمنى بيده أمام ناظريها، فلاحقته الضربات والصفعات كأنما خرج الشاب لتوه شيطانا من أتون الجحيم، يستحق عذاب البشر على خطاياه.

    هذا ما جرى أمام عين الشاهد الكبير في قضية طبيب الشرقية، تلك القضية التي أرى فيها اتهاما غير منطقي، وملابسات غير مستقيمة، وفتاة تصرخ بأن “صورولي بطاقته، عشان أنا دمي محروق”، والتي يبدو أن “دمها لم يحرق” إلا بعد أن أتم الشاب قذفه، لكن رغم كل تلك الأمور تبقى تفسيرات الطبيب وأهله أيضا غير منطقية ومتضاربة ومتشابكة، فمرة “نام واحتلم دون انتصاب”، وأخرى “انتصب قضيبه واحتك بالكرسي فاستثار”.

    لكن العجيب في كل تلك الأمور الحملة التي ساقها كثيرون دفاعا عن الطبيب الشاب المشهود له بالأخلاق الحسنة، حتى أن البعض اتهم الفتاة بأنها من ألقت على ملابسه مادة لزجة لتتهمه بالتهمة النكراء وكأن الطب الشرعي في مصر لن يستطيع تحديد الحقيقة، وكأننا في عصر “دم يوسف الكذب”، بل ذهب آخرون إلى أن الطبيب المحترم رفض كتابة تقرير مزور لأخي الفتاة، وهو ما جعلها ترتب للأمر انتقامًا من الطبيب وإرضاء لأخيها.

    وبالحق أقول إن مصر بها عجائب كبرى، وربما مرت دون غيرها من بلاد العالم الإسلامي بالعصر الذي قال عنه النبي محمد، “زمان يصير فيه الحليم حيرانا”، زمن يظل الحكم فيه مؤرجحا بين طرفين لا تدري أيهما على حق، إلا أنك تستمسك فيما بينك وبين نفسك بأن السمعة الحسنة تنقذ صاحبها، وأن النهاية تحددها مشيئة الله، لأن “إرادة الله غالبة”.

     

     

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى

    إغلاق