النافذة المفتوحة
كان الشاب يعيش وحده في غرفة ضيقة أعلى بناية قديمة، غرفة لا تكاد تتسع لحياته المؤجلة. سرير بسيط في الزاوية، مكتب خشبي فقد لونه من كثرة الاستخدام، ونافذة كبيرة كانت كل ما يربطه بالعالم الخارجي. لم تكن النافذة مجرد فتحة يدخل منها الهواء، بل صارت مع الوقت نافذته الوحيدة للحياة التي لم يعشها.
اعتاد الجلوس أمامها كل مساء، يراقب الشارع الممتد أسفل المبنى، يتابع خطوات الناس، ضحكاتهم، عجلة حياتهم التي لا تتوقف. كان يرى في وجوههم ما يتمناه لنفسه، ويقنع نفسه أن لكل شيء وقتًا، وأنه حين تأتي الفرصة المناسبة سيبدأ، وحين تهدأ الظروف سيتحرك، وحين يشعر أنه مستعد سيغلق النافذة وينزل إلى الشارع مثلهم. كان يؤجل قراراته يومًا بعد يوم، ظنًا منه أن الانتظار أمان، وأن الترقب أقل ألمًا من الفشل.
مرت الشهور، وتحولت الشهور إلى سنوات، ولم يتغير في الغرفة شيء سوى ازدياد الصمت. أصبح الشاب يعرف تفاصيل حياة الغرباء أكثر مما يعرف رغباته الحقيقية. يحفظ مواعيد مرورهم، يتخيل قصصهم، ويقارن نفسه بهم، ثم يعود ليجلس على سريره متعبًا من حياة لم يعشها إلا بعينيه.
وفي إحدى الليالي، تبدل هدوء الشارع بعاصفة مفاجئة. رياح قوية هبت بلا إنذار، تبعها مطر غزير اندفع من خلال النافذة المفتوحة. تناثر الغبار في أرجاء الغرفة، وابتلت أوراقه وملابسه، واشتد البرد حتى تسلل إلى عظامه. نهض مذعورًا وحاول إغلاق النافذة، لكنه فوجئ بأنها لم تعد تتحرك. حاول مرة تلو الأخرى، دفعها بكل ما أوتي من قوة، إلا أنها كانت قد صدئت من طول بقائها مفتوحة، فأصبحت أسيرة وضعها.
جلس الشاب على الأرض، يحتضن نفسه من شدة البرد، ينظر إلى الشارع الذي لطالما حلم بالنزول إليه. في تلك اللحظة أدرك حقيقة موجعة؛ لم يكن يومًا عاجزًا عن الخروج، ولم تكن الظروف هي ما قيده، بل كان خوفه من البدء، وتعلقه بالمراقبة بدل المشاركة. لقد أمضى عمره ينتظر الوقت المناسب، حتى ضاعت قدرته على الاختيار.
كثيرون يشبهون هذا الشاب، يعيشون خلف نوافذ المقارنة والترقب، يراقبون حياة الآخرين ويؤجلون خطواتهم بحجة الاستعداد. يفتحون نوافذهم لكل ما يمر، ثم يكتشفون متأخرين أن بعض النوافذ إن بقيت مفتوحة طويلًا، لا تُغلق بسهولة. الحياة لا تُعاش من خلف الزجاج، ومن لا يخرج إليها بإرادته، قد يدخل عليه ما لا يحتمله دون استئذان.


