هكذا كنت أظن
في السابق، كنت أظن أن كل الناس يتمنون الخير لبعضهم، وأن هذا الشعور الإنساني هو القاسم المشترك بين من أعرفهم ومن ألتقي بهم عابرًا في الطريق.
وعلى هذا الأساس كنت أتعامل مع الحياة، فأشارك من حولي لحظات سعادتي دون تردد، متوقعًا أن يفرحوا لي بصدق، كما كنت أبوح بما يزعجني، ظنًا أنني قد أجد نصحًا صادقًا أو يدًا تمتد بالعون في وقت الحاجة.
تكوّنت هذه الفكرة داخلي من إحساسي تجاه الآخرين، ومن قناعتي بأن تمني الخير للناس هو السلوك الطبيعي الذي لا يحتاج إلى تفكير.
كنت أفكر في أحوال غيري لمجرد سماعي عنهم، وأبحث في ذهني عن حلول لمشكلاتهم دون أن يطلبوا ذلك، وأحيانًا أقضي ساعات من القلق قبل النوم بسبب همّ لا يخصني مباشرة، وكثيرًا ما قدّمت المساعدة دون انتظار مقابل، بل دون أن يُطلب مني ذلك، وكانت اقتراحاتي سببًا في تغيير مسارات حياة بعضهم إلى الأفضل، على نحو لم يكونوا يتخيلونه هم أنفسهم.
كنت أرى أن هذا هو الطبيعي، وأن الجميع يشبهونني في هذا الإحساس، لكن مع مرور السنوات، وتراكم التجارب والمواقف، اكتشفت أنني كنت حالِمًا أكثر مما ينبغي، أدركت أن هناك من يملأ الكره قلبه، لا لشيء سوى سماعه خيرًا عن غيره، حتى وإن لم تجمعهما علاقة أو مصلحة، وهناك من يستطيع، بكلمة صادقة أو موقف بسيط، أن يمنح غيره دفعة أمل أو ييسّر له أمرًا قد تتوقف عليه حياته، لكنه يختار الصمت أو التجاهل.
تبيّن لي أن الشر أكثر حضورًا مما كنت أتصور، وأن الخير، رغم وجوده، استثناء لا قاعدة، وأن الاعتقاد بأن كل من حولنا يتمنى لنا الخير وهم جميل، لكنه وهم في النهاية.
حقيقة صادمة ومؤلمة، تركت ندبة في القلب وألمًا في النفس، وجعلت العيش في هذا الواقع أكثر قسوة على أصحاب القلوب النبيلة.
ومع ذلك، يظل الخير أبقى وأدوم، لكنه يحتاج إلى الحذر والانتباه بلا إفراط أو تفريط.


