الإثنين 02 فبراير 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

ألطاف ولُطف اللطيف

الجمعة 02/يناير/2026 - 06:39 م

جاتلي فترة كنت مغرم بأقوال سيدنا الإمام "علي بن أبي طالب" رضى الله عنه وبجمعها من كذا مصدر بعد ما بتأكد من صحتها وبكتبهم بخط جميل وبلزقهم على حيطة أوضتي. كلمات الإمام "علي" فيها من الونس والحكمة اللي كانوا قادرين يخطفوا إعجابي من لما كنت طفل في إعدادي بسبب بساطتها وعمقها في نفس الوقت.

من أهم الأقوال دي واللي من كُتر حبي فيها شايلها مكتوبة في محفظتي الشخصية لحد دلوقتي هي: (وكم لله من لطف خفي.. يدق خفاه عن فهم الذكي‏.. وكم أمرٍ تُساء به صباحا.. وتأتيك المسرّة في العشي.. ‏إذا ضاقت بك الأحوال يوما.. فثق بالواحد الفرد العلي).

فكرة التسليم بوجود لُطف ربنا وإنه هيلحقك في الوقت المناسب هي فكرة بتطمن القلب والروح وبتخليك تدخل في الدنيا بصدرك مش شايل هم حاجة ولا عامل حساب لحد أو خايف من ضرره، والحقيقة إن هو ده الطبيعي في حياة معظمنا، قبل حافة الإنهيار بعد أي موقف صعب بيظهر ملايكة على شكل بشر أو تدابير قدرية هي في أصلها رحمات ولُطف رباني عشان تمنع الوقوع من الحافة وتقول لك: لسه شوية، مش دلوقتي، أنت قدها، خُد اللي أنت بتحلم بيه أهو، أو ماتزعلش.

على سبيل المثال وسواء كنت بتحبه أو لأ ماتقدرش تنكر إن الفنان الأميركي "جوني ديب" واحد من أكتر الفنانين اللي ليهم كاريزما غير طبيعية في الأداء. في سنة 2005 كان "جوني" بدأ يظهر في سكة الأعمال الخيرية الإنسانية اللي فضلت مستمرة معاه لدلوقتي، يزور مستشفيات، يتبرع لـ مراكز تأهيل مدمنين أو دور مسنين، يتبنى أيتام ويتكفل بمصاريفهم، اتجاه كان غريب شوية على شخصية "جوني" العملية، واللي كان واضح من أعماله الفنية إن القلب مش بيحتل المساحة الأكبر فيها.

من القصص المشهورة عالميا عن "جوني" واللي حكاها برضه الكاتب "جون جريفن" اللي اتكلم في مقال له (بالمناسبة هو برضه نفس الكاتب اللي كتب كتاب "جوني ديب، متمرّد هوليوود الوجوه المختلفة للسيّد شلينغ"، واللي صدرت نسخته الأولى سنة 2015)، القصة بتتكلم عن تفاصيل لقاء تليفزيوني كان "جوني" ضيف فيه سنة 2005.. المذيعة سألت "جوني" عن رأيه فى ارتفاع نسبة الغلظة والقسوة في شخصية المواطن الأمريكي، "جوني" وافقها في كلامها وقال إن دي مابقتش مشكلة المجتمع الأمريكي بس لكن العالم كله بسبب ضغوط الحياة والرتم السريع للمعيشة اللي مابقاش يسيب فرصة للإنسانيات تظهر؛ لكنه أكد في نهاية رده على سؤالها إن الحياة متعادلة وزي ما ممكن الواحد يقابل موقف قاسي أو نموذج لشخص أو إتنين زفت لازم يطلع برضه بشخص جيد يزيل آثار الوحش اللي اتشاف.. قاطعته بإيدها بشكل حاسم وقالت له: (عذرًا "جوني" لكن لا توجد ملائكة تعيش بيننا على الأرض)..

جوني بدون ما يعقب بأي رد فعل على جملتها كمل كلامه وبدأ بدون مقدمات يحكي حكاية حصلت مع جدته من أكتر من 30 سنة، في يوم فوجىء والد جوني إن والدته تعبت جدًا وفهموا بسهولة إن تعبها بسبب مشاكل الكلى اللي عندها، نقلوها للمستشفى واتحجزت عندهم وهناك عرفوا من الدكاترة إنها وبسبب إهمالها في تناول الأدوية حالتها تفاقمت وبقت أكتر سوءًا، والحل؟.. نقل دم فوري وسريع في خلال 6 ساعات على الأكثر عشان يبقى فيه أمل في إنقاذها!

لحد هنا مفيش مشكلة لأن كده كده والد جوني كان عايش هو وأسرته مع والدتهم في بيت واحد فبالتالي ماكنش هيبقى فيه أزمة في توفير متبرع لإن بدل الواحد فيه اتنين وتلاتة وعشرة كمان، طب فين الـ "إن"؟ في نوع الفصيلة نفسها.. AB سالب الفصيلة النادرة يمكن لحد يومنا ده، بكشف دوري سريع على فصايل كل الموجودين في الأسرة والمستشفى وفي محيط القرايب والمعارف ملقوش ولا واحد نفس الفصيلة، حتى لما والد جوني حاول باتصال تليفوني بمستشفى كبيرة موجودة في مدينة تانية يستفسر عن وجود الفصيلة، ولإننا بنتكلم عن فصيلة فعلًا نادرة؛ للأسف ملقهاش.

في اللحظة دي وبسبب العجز في توفير الدم كان الموضوع خلاص في نهايته، والد جوني خرج من المستشفى ورجله مش شايلاه واتجه للبيت عشان يعمل اتصالات تليفونية بالأهل لو حد كان حابب ييجي يلقى نظرة الوداع على الجدة قبل وفاتها.. طول الطريق وهو سايق ماكنش بيعمل غير 3 حاجات.. بيبكي، وبيدعي، وبيفتكر المواقف اللي جمعته بـ أمه، وعشان عناصر الكآبة تكتمل كانت الدنيا بتمطر بشكل عنيف ومتواصل كإنها حزينة قبل رحيل الجدة.

موت الجدة ده حرفيًا هيكسر ضهر البيت. الحقيقة إن جدة جوني  كانت ست طيبة ومن كُتر حب ولادها وأحفادها ليها صمموا إنهم يعيشوا معاها في نفس البيت وده عكس طبيعة أغلب المجتمع الأمريكي اللي الشاب بينفصل فيه عن بيت أبويه، والد جوني نفسه ماكنش شخص متدين ولا قريب من ربنا بطبعه عادي، اللي هو نموذج قريب من أغلبنا نوعًا ما، الشخص اللي بيغلط كتير وبيعك الدنيا كتير وينتظم شويتين في العبادة ويبعد شوية بس أهى ماشية معاه ودايمًا قبل أى كارثة بتلاقيها اتسترت.. ليه؟ ماتعرفش.. لُطف من ربنا.. حاجة خير عملها زمان ونسيها.. دعوة أمه.. دعوته هو شخصيًا.. محدش يعرف فعلًا.. بس هو الموضوع له علاقة أكيدة بالباب اللي بيتساب متوارب بينا وبين ثقتنا في ربنا.

في اللحظة دي وهو ماشي بالعربية وبصعوبة من ورا المساحات اللي بتمسح واجهة العربية من المطر شاف على الجنب اليمين من الطريق جندي أمريكي واقف مبلول وبيشاور، تجاوزه وعداه بعدها بكام متر ولا إراديًا فرمل ووقف! والد جوني بيحكيله إنه هو نفسه ماكنش عارف سبب خلّاه يقف للجندي ده وهو في حالته النفسية السيئة دي، الجندي قرب وفتح الباب وركب بدون ولا كلمة وبدون ما حتى يسأله رايح فين، كمل والد جوني سواقة والجندي مد إيه يسلم عليه وقال له بامتنان حقيقي: أنا "إدوارد واتسون" جندي في وحدة إنديانا العسكرية في "ويسكانسون" لقد أنقذتني يا سيدي وأنا أشكرك.

والد جوني مامدش إيده وفضل سرحان زى ما هو في الطريق، الجندي اتكسف وحس إن فيه مصيبة، لمح على تابلوه العربية ظرف عليه اللوجو بتاع المستشفى فحاول يفتح كلام مع الراجل فقال له: (هل أمر حزنك له علاقة بالمستشفى يا سيدي؟)، هنا والد جوني ماقدرش يمسك دموعه واتكلم وحكى عن أمه وعن الفصيلة النادرة والموت اللي على بابها، الجندي مد إيده في جيبه وطلع ورقة صغيرة متطبقة وناولها لـ والد جوني اللي سأله: (ما هذا؟)، الجندي رد: (هذه نتيجة تحاليل كنت أجريتها اليوم صباحًا عقب عضة كلب لي بالأمس، عُد إلى المستشفي فورًا يا سيدى فصيلة دمي AB  سالب)، بدون تفكير لحظة واحدة بيلف والد جوني وبيرجع بسرعة للمستشفى وهو مش مصدق إن القدر والدعاء بتاعه جاب استجابة بالسرعة دي وفي الموقف المهم ده.

وصلوا المستشفى وبأقصى سرعة فيه ممرضة جت تاخد بيانات الجندى عشان إستمارة التبرع فملاها بياناته بسرعة وهو بيشمر كُمه: ("إدوارد واتسون" جندي في وحدة إنديانا العسكرية في "ويسكانسون"). الممرضة كتبت وواحدة تانية سحبت الدم وبسرعة نقلوه لـ عروق الجدة، لحظات ووسط اللخمة وتوتر الموقف الكل بيبص حواليه ملقوش الجندي! الجميل إن الجدة عاشت بعد كده 27 سنة كمان بسبب تبرع الشاب ده! 

خلصت القصة والمذيعة قالت: (سامحني يا جوني لكنها تبدو كقصة عادية؛ دعا والدك الله فاستجاب له كأي شخص مؤمن)، جوني قال: (من قال هذا! كلا الله لم يستجب لوالدي!)، سألته: (عذرًا!)، رد: (لقد استجاب له جدًا).

لما ظهر على وشها إنها مش فاهمة هو بدون انتظار كمل كلامه: (أراد والدي أن يذهب ليشكر هذا الجندي في وحدته العسكرية فقد أنقذ حياة جدتي)، سألت: (ثم؟)، رد: (اكتشف أنه لم توجد وحدة عسكرية أبدًا من وقت القصة وحتى الآن باسم وحدة إنديانا في "وسكانسون")، سألت باندهاش: (وهذا المدعو "إدوارد"؟)، رد: (عقب بحث مكثف وسفر من والدي واستعانة بعدد من أصدقائه العسكريين علم أنه لا يوجد جندي باسم "إدوارد واتسون" في أى وحدة عسكرية في أى مدينة مجاورة نهائيًا)، المذيعة سألت بذهول أكبر: (يا إلهي هذا مستحيل! دم من هذا الذي سرى في عروق جدتك إذن؟.. هل تقصد أن هذا الجندي كان....)، قاطعها: (ملاكًا؟، صدقيني لا أدري وحتى والدي لم يهتم وقتها ولكن ما تأكد منه وأنا من بعده أن وجود الله هو الأهم فهو الوحيد القادر على الاستجابة لنا حتى وإن تطلب الأمر إرسال ملائكة؛ فقط إن دعوناه بصدق وإخلاص).

لُطف ربنا مش دايمًا بييجي في صورة معجزة صريحة ولا علامة صاخبة تلفت الانتباه، أحيانًا بييجي هادي قوي، والأهم في توقيت مظبوط، وبالشكل اللي أنت محتاجه حتى لو عقلك مش فاهمه.. لُطف ربنا بيظهر وأنت فاكر إن الأبواب اتقفلت، ولما بتحس إنك لوحدك، ولما مش بتقدر تكمل خطوة زيادة.. اللُطف الرباني مش بيخذل قلب اتسند عليه بصدق، جلال الدين الرومي قال: (نحن من طين.. يوجعنا الأذى، يجرحنا صغير الشوك، ويجبرنا لُطف الله).

تابع مواقعنا