الريف الأسواني
رغم ما تمتلكه محافظة أسوان من كنوز طبيعية وإنسانية، يظل الريف الأسواني شاهدا صامتا على فرص لم تستثمر بعد، وتراث لم يستغل، وذاكرة تتآكل ببطء في ظل غياب رؤية متكاملة تعيد لهذا الريف مكانته التي يستحقها.
فالريف في أسوان ليس مجرد امتداد جغرافي خارج حدود المدينة، بل هو روح نابضة بالحياة، تختزن عادات ضاربة في عمق التاريخ، ولهجة دافئة، وفنونًا شعبية، وحِرفًا يدوية، وبيوتًا طينية تحكي قصص أجيال تعايشت مع النيل والشمس والأرض، ومع ذلك، لا يزال هذا التراث حبيس الإهمال، بعيدًا عن دوائر التخطيط والاستثمار الثقافي والسياحي.
المفارقة المؤلمة أن العالم اليوم يتسابق على استغلال الريف وتحويله إلى عنصر جذب اقتصادي وثقافي، بينما يقف الريف الأسواني في الهامش، بلا منصات ترويج حقيقية، ولا مشروعات مستدامة تحفظ هويته وتوفر لأبنائه حياة كريمة، فلا مهرجانات قروية تعكس خصوصية المكان، ولا مسارات سياحية منظمة تمر بالقرى، ولا دعم كافٍ للحرفيين الذين يواجهون الاندثار بصمت، كما حدث في مدينة إسنا بمحافظة الأقصر وأصبحت مقصدا سياحيا جديدا.
الإهمال لا يطال الحجر فقط، بل الإنسان قبل كل شيء، شباب الريف الأسواني يمتلك طاقات هائلة وقدرة فطرية على الإبداع، لكنه يفتقد الفرصة، والدعم، والإيمان الحقيقي بأن قريته يمكن أن تكون مصدر فخر ورزق، لا محطة مؤقتة في طريق الهجرة إلى المدينة، ومع كل شاب يغادر، تنزع قطعة جديدة من روح الريف.
التراث في أسوان لا يحتاج إلى شعارات، بل إلى إرادة وعمل يحتاج إلى خطط تحترم خصوصية المكان، وتُشرك أهله، وتحوّل القرى إلى مساحات حية للثقافة والسياحة البيئية والفنون الشعبية، ويحتاج إلى أن نرى في الريف قيمة، لا عبئًا، ومستقبلًا، لا ماضيًا منسيًا.
إن إنقاذ الريف الأسواني هو في جوهره إنقاذ لهوية أسوان نفسها، فمدينة بلا ريف حيّ، كجسد بلا جذور، وحين نحسن استغلال هذا التراث الإنساني الفريد، لن نعيد الحياة إلى القرى فقط، بل سنكتب فصلًا جديدًا من العدالة الثقافية والتنمية الحقيقية التي تبدأ من الإنسان، وتنتهي عند كرامته.
يبقى السؤال المؤلم؛ إلى متى يظل الريف الأسواني جميلا ولكنه مهملا؟


