بعد لقاء مار إيه لاجو.. نتنياهو بين هامش المناورة وضيق الخيارات
أعاد اللقاء الذي عقده رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في “مار إيه لاجو” ترتيب المشهد السياسي المحيط بالحكومة الإسرائيلية، وفتح بابًا واسعًا للتقديرات حول الاتجاهات المقبلة، سواء على صعيد الحرب في غزة أو في ما يتعلق بالملف الإيراني، وصولًا إلى الاستحقاق الانتخابي الداخلي.
فمن جهة، عزز اللقاء مكانة نتنياهو على المستوى الدولي، ومنحه مشهدًا سياسيًا داعمًا يسهل توظيفه داخليًا، لا سيما في ظل تركيز الخطاب العلني على العلاقات الشخصية الوثيقة والتفاهم الاستراتيجي.
غير أن هذا الدعم ترافق مع فجوة زمنية واضحة في مقاربة ملف غزة، تتعلق ليس بالأهداف المعلنة، بل بتوقيت الانتقال من الحرب إلى ما بعدها.
إعادة إعمار غزة
وتتمثل هذه الفجوة في اختلاف جوهري حول سؤال متى؟، فبينما يرى نتنياهو أن أي خطوة تتعلق بإعادة إعمار غزة يجب أن ترحل إلى مرحلة لاحقة غير محددة، بعد استكمال تفكيك حماس ونزع سلاحها بالكامل، تتعامل الإدارة الأمريكية مع عامل الزمن كعنصر ضاغط، وتدفع باتجاه بدء خطوات الإعمار في أقرب وقت ممكن، باعتبار التأجيل بحد ذاته عاملا مفاقما لعدم الاستقرار.
هذا الاختلاف في التوقيت، أكثر من كونه خلافا سياسيا مباشرا، ينعكس في شكل ضغط عملي، فالدفع نحو الإعمار الآن يعني الانتقال إلى واقع ميداني جديد، بينما يصر نتنياهو على إبقاء غزة في إطار مرحلة العمليات، حتى لو طال أمدها، وبين الآن ولاحقا، تتسع مساحة التوتر غير المعلن.
هذا التوجه يضع الحكومة الإسرائيلية أمام معادلة معقدة، فإعادة الإعمار ليست قرارا سياسيا معزولا، بل مسارا زمنيا متدرجا يتطلب تغييرات في الانتشار العسكري، وفتح ممرات لوجستية، والسماح بدخول أطراف خارجية، وكل خطوة زمنية في هذا المسار تقلص قدرة الحكومة على التحكم بالإيقاع السياسي، وتحول الوقائع الميدانية إلى عامل ضغط متسارع.
ومع بدء أي حركة إعمار، حتى وإن كانت محدودة، يبدأ العد التنازلي السياسي، فالصورة التي تظهر في الميدان - دخول شاحنات، وجود عمال أجانب، أو تقليص انتشار القوات - تسبق التفسير السياسي، وتفرض إيقاعها على الداخل الإسرائيلي، حيث لا يقاس القرار بمرجعيته الزمنية بل بصورته الآنية.
في الداخل الإسرائيلي، تتقاطع هذه التطورات مع حساسية سياسية عالية داخل القاعدة الانتخابية الداعمة للحكومة، حيث ينظر إلى أي تحرك زمني في غزة قبل تحقيق “لحظة الحسم” مع حماس بوصفه تسريعا غير مبرر لمرحلة ما بعد الحرب، ويقدر أن هذا الرفض لا يتعلق بمبدأ الإعمار بحد ذاته، بل بالخوف من أن يصبح الزمن هو من يفرض الوقائع، لا القرار السياسي.
أما في ما يخص الملف الإيراني، فيبرز تباين لافت في الإيقاع المعاكس، فهنا، يبدو هامش التفاهم أوسع، والزمن أقل إلحاحا، ما يمنح نتنياهو مجالا لعرض نفسه كصاحب قرار محسوب ومبادر، ويجعل ذلك من الملف الإيراني ورقة يمكن استخدامها لشراء الوقت في الملف الغزي.
في ظل هذا التداخل بين ضغط الزمن الخارجي وضيق الزمن الداخلي، برز خيار الانتخابات المبكرة كأحد السيناريوهات المطروحة في التقديرات السياسية، فالانتخابات تستخدم هنا كأداة لإيقاف الساعة، أو على الأقل لإعادة ضبطها، من خلال الانتقال إلى مرحلة انتقالية لا تتخذ فيها قرارات حاسمة.
وتشير تقديرات إلى أن المسار الأكثر ترجيحا لتحقيق ذلك قد يكون عبر تعثر تمرير الميزانية العامة، ما يؤدي تلقائيا إلى حل الكنيست من دون تحميل طرف بعينه مسؤولية مباشرة عن إسقاط الحكومة، ويمنح هذا السيناريو الحكومة هامشا زمنيا إضافيا، في وقت يضيق فيه هامش القرار.
في موازاة ذلك، يبرز عامل إضافي يتمثل في تراجع عدد الشخصيات المحورية المحيطة برئيس الحكومة، ما قلص القدرة على إدارة الفجوات الزمنية مسبقا، وأبقى الخلافات كامنة حتى لحظة الاستحقاق.
وتخلص القراءة الإخبارية إلى أن جوهر الفجوة بين نتنياهو وترامب حول غزة لا يكمن في اختلاف الأهداف النهائية، بل في إدارة الزمن المؤدي إليها.
فبين استعجال خارجي يفرض الانتقال إلى اليوم التالي، وحسابات داخلية تسعى إلى تأجيل هذا اليوم، يجد نتنياهو نفسه محصورا بين صورة دولية داعمة وساعة سياسية لا تعمل لصالحه.


