أنت عمري "أم كلثوم" كما رأيتها في حانة الست لمحمد بركة
قرأتُ رواية "حانة الست" يوم الثاني من يناير، وبدأت القراءة في تمام الساعة الحادية عشرة ليلًا، حتى وصلت مع خيوط الفجر إلى الصفحة (205).
كنتُ خلال تلك الساعات في غاية السعادة والبهجة، إذ انغمست تمامًا في أحداث الرواية.. جاءت اللغة سلسة، مفعمة بالعذوبة، وكان الوصف ساحرًا ودقيقًا، يعكس تمكن الكاتب وأدواته السردية.. أما الحوار فجاء قصيرًا، شافيًا ووافيًا، دون إسهاب أو تطويل يُثقِل النص.. لم أكن يومًا من عشّاق أم كلثوم؛ فقد كنتُ فيروزية الهوى، رحبانية الإحساس، غير أنني حين أتممتُ عامي الثلاثين، وجدتني أميل شيئًا فشيئًا إلى صوت أم كلثوم وأغانيها، لا سيما في العام الماضي، عندما حضرتُ احتفالية خاصة بسيرتها ومسيرتها الفنية، فوقع قلبي في غرامها دون مقاومة.
في طفولتي، كنتُ أسمع جدّتي تردّد أغنية "فات الميعاد"، وذات مرة، عند عودة أبي من الولايات المتحدة، كانت بحوزته أسطوانات (DVD) للأغنية ذاتها.. كنا آنذاك نسير ليلًا على طريق الإسكندرية الصحراوي، فأدار أبي الأسطوانة عبر جهاز السيارة الموصول بالكاسيت، وكان الغريب أنني أحببت تلك الأغنية وحدها دون غيرها، وكأنها اختارتني مبكرًا دون وعيٍ مني.
وتذكّرتُ موقفًا آخر يعود إلى عام 2020، جمعني بأستاذي الناقد الكبير الدكتور صلاح فضل، حين كنتُ أجلس في قاعة البحث لمادته خلال مرحلة التمهيدي للدكتوراه كان قد أدرك حجم محبّتي للفن، واطّلع على شغفي بكتابة الرواية، فالتفت إليّ ذات لحظة وسألني:
«يا بريهان، حين تكتبين، إلى أيّ الأصوات تُصغين وأنتِ تُنجزين إبداعاتك؟»
أجبتُ بعفويةٍ خالصة، دون تردّد:
- فيروز، وزياد الرحباني، ومحمد عبد الوهاب.
نظر إليّ بدهشةٍ مشوبة بابتسامة، وقال:
- وماذا عن أم كلثوم، يا تلميذتي النجيبة؟ تلك المرأة هي كوكب الشرق الدُّرّي.
قلت له، بصراحةٍ لا تخلو من ارتباك:
- أفقد تركيزي عند الكتابة حين أستمع إليها؛ فصوتها قوي، يقتحم الروح ولا يترك لها حيّزًا للشرود.
ابتسم ابتسامته الجميلة التي ما زلت أعشقها حتى الآن، ثم قال بنبرة الواثق:
- سيأتي عليكِ وقت، وستناديكِ أم كلثوم بنفسها.. حينها ستدركين مدى عطشكِ للحب، عندما تنغمسين في معاني كلماتها. فحبّها لم يكن حبًّا بشريًا عابرًا، بل كان حبًّا صوفيًا، مناجاةً صادقة لخالق الكون. عشقها لم يتوجّه إلى محبوبٍ من لحمٍ ودم، بل إلى المحبوب الباقي، الأزلي.
واليوم كلما تردّد صوتها في أذني، أتذكّر تلك الكلمات، وأبتسم. لقد كان على حق؛ فبعض الأصوات لا تُسمع في وقتها، بل تنتظر نضج الروح لتفتح أبوابها، وتمنحنا ذلك الحب الذي كنّا نجهل أننا في أمسّ الحاجة إليه، وعشقت أغنيتها "أنت عمري" يعني أول ما شطحت نطحت!
بعد الاحتفالية التي أشرتُ إليها، تملّكني شغف حقيقي لمعرفة تفاصيل حياة تلك السيدة الاستثنائية. وفي الفترة الأخيرة، دارت مبارزات كلامية حول فيلم "الست" ورواية "حانة الست" للكاتب المصري محمد بركة، فآثرتُ قراءة الرواية قبل مشاهدة الفيلم.. والحقيقة أنني شبعت واكتفيت من تفاصيل السرد، حتى خُيّل إليّ أن مشاهدة الفيلم لن تكون سوى تحصيل حاصل.
يبقى السؤال: لماذا عشقتُ الرواية، وكرهتُ موضعًا واحدًا فيها، اعتمد فيه الكاتب على الخيال أكثر مما ينبغي؟
الإجابة ببساطة أن الرواية وجبة أدبية دسمة، ثرية بتفاصيل النجاح والإنسانية، وتحكي قصة صعود امرأة لم تكن تملك شيئًا، فإذا بحياتها تنقلب رأسًا على عقب، لتُلقّب لاحقًا بـ سيدة الغناء العربي، وكوكب الشرق، والست.. امرأة كانت في الأصل فلاحة مصرية من قرية طماي الزهايرة، مركز السنبلاوين.. فاطمة بنت الشيخ إبراهيم السيد البلتاجي، المعروفة باسم أم كلثوم، (1898 – 1975)، هي مغنية مصرية تُعد من أبرز القامات الفنية في القرن العشرين، وحملت عن جدارة لقبي "كوكب الشرق" و"سيدة الغناء العربي".
لم تكن رحلة أم كلثوم إلى المجد مفروشةً بالحرير، بل بدأت من الأرض، من قريةٍ صغيرة تُدعى طماي الزهايرة بمحافظة الدقهلية، حيث وقفت طفلةٌ نحيلة الصوت والملامح، تنشد في الموالد والاحتفالات الدينية إلى جوار والدها.. هناك، وسط أصوات الذكر والبخور والناس البسطاء، تشكّل أول وعيٍ للصوت الذي سيغيّر لاحقًا وجه الغناء العربي.
ومع مطلع عشرينيات القرن الماضي، حملت أم كلثوم حلمها ورحلت إلى القاهرة، المدينة التي لا تعترف إلا بالموهبة الحقيقية.. هناك، بدأت ملامح النجاح تتشكّل، حين التقت بكبار العقول التي آمنت بصوتها، فتعاونت مع شعراء من طراز أحمد رامي وبيرم التونسي، ومع ملحنين صنعوا معها التاريخ، مثل محمد القصبجي، وزكريا أحمد، ورياض السنباطي، ثم محمد عبد الوهاب.. لم تكن تلك مجرد شراكات فنية، بل كانت تحالفات روحية صنعت وجدان أمة كاملة.
ومن رحم تلك التجارب وُلدت الأغنيات الخالدة، التي لم تكن مجرد ألحان، بل لحظات إنسانية مكتملة. أغنيات مثل "إنت عمري" و"الأطلال" و"ألف ليلة وليلة"، و"حب إيه" و"سيرة الحب"، لم تُغنَّ فحسب، بل عاشت في قلوب الملايين، وصارت مرآةً لمشاعر الحب والفقد والانتظار.
ولم تكن أم كلثوم صوت العاطفة فقط، بل كانت صوت الوطن حين احتاج إليها. فبعد نكسة عام 1967، خرجت في جولات غنائية واسعة داخل الوطن العربي وخارجه، وصولًا إلى أوروبا، تجمع التبرعات للمجهود الحربي المصري، وتعيد بثّ الأمل في نفوس شعبٍ جريح، مؤكدة أن الفن يمكن أن يكون فعل مقاومة، لا مجرد ترف.
وحين رحلت في الثالث من فبراير عام 1975، لم يكن ذلك وداع فنانة، بل وداع عصرٍ كامل.. خرج الملايين في جنازتها، كأنهم يشيّعون جزءًا من ذاكرتهم ووجدانهم، ورغم الغياب، بقي الصوت حاضرًا، يتردّد في البيوت والقلوب، شاهدًا على أن أم كلثوم لم تكن مجرد مغنية، بل حالة إنسانية وثقافية لن تتكرر.
أعجبني في رحلتي مع الرواية أنها لم تكن مجرد سردٍ وصفي للأحداث، بل حالةً مكتملة الملامح للريف المصري، بكل ما يحمله من تناقضات إنسانية واجتماعية.. قدّم الكاتب صورةً نابضة لبيت العمدة، لا بوصفه مكانًا فحسب، بل بوصفه سلطةً رمزية تتحكّم في المصائر.
كما نجح في رسم ملامح المرأة المصرية في الريف، تلك المرأة التي عاشت طويلًا في مرتبةٍ أقل من الرجل، محكومةً بعاداتٍ قاسية ونظراتٍ مجتمعية تُقلّل من شأنها وتُقيّد أحلامها.
شدّني كثيرًا وصف الغيرة الطفولية بين أم كلثوم وأخيها الأكبر الشيخ خالد، تلك الغيرة التي لم تكن عابرة، بل كاشفة عن مركزيته في قلب الأب، وعن الصراع الصامت داخل البيت الواحد.. كانت مشاعر إنسانية دقيقة، صاغها الكاتب بحسّ مرهف، فجعل القارئ يلمسها دون افتعال.
كما عشقت وصف عالم البشوات والبكوات، وعالم الهوانم، والفارق الصارخ بين الطبقات الاجتماعية. أجاد محمد بكرة رسم هذه التركيبة الطبقية ببراعة لافتة، حتى كدت أشكّ أنه عاصر عالم أم كلثوم بنفسه. كان ملمًّا على نحوٍ عميق بالفترة الملكية، حين أشار إلى منح الملك نيشان الكمال من الدرجة الثالثة، ثم انتقل بسلاسة إلى مرحلتي الحرب العالمية الأولى والثانية، ورحيل الملك عن مصر، وثورة الضباط الأحرار، وصولًا إلى المكانة الاستثنائية التي حظيت بها أم كلثوم في عهد الرئيس جمال عبد الناصر.
ومن أكثر ما أسرني في الرواية وصف تلك الحرب الباردة الخفية بينها وبين موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، بما تحمله من تنافس فني وغيرة مكتومة، وكذلك الغيرة المتبادلة بينها وبين أبناء الوسط الفني، في عالم لا يعترف إلا بالقمة ولا يرحم من يقترب منها.
لقد وقع في غرام أم كلثوم كثير من الرجال والشعراء، وكان المأخذ الوحيد على الكاتب هو تجاوزه أحيانًا في تصوير حالتها الشعورية تجاه الرجال، وكذلك موقفها الحاد من والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي؛ إذ بدا لي أنها كانت أرقّ وأحنّ من ذلك التصوير، وأكثر قدرة على التفهّم والاحتواء.
ومع ذلك، تبقى الرواية في مجملها كوكبًا وصفيًا متكاملًا، يحمل اسم "حانة الست"، يدور في فلك كوكب الشرق أم كلثوم، ويمنح القارئ تجربةً ثرية تمزج بين التاريخ والوجدان، وتُعيد إحياء صوتٍ لم يكن يومًا مجرد غناء، بل ذاكرة وطن بأكمله.


