الخميس 08 يناير 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

كيف ينجح السطحيون في إفشال حياة الآخرين؟

الثلاثاء 06/يناير/2026 - 08:12 م

نلاحظ في عالم اليوم انتشار خطابات عديدة في الفضاء الاجتماعي خاصة في وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات المحتوى، علاوة على ما يصدر من بعض دور النشر خلال معارض الكتب سوء كان مؤلفا أو مترجما، والسمة المشتركة الغالبة بينها جميعًا هي السطحية، إذ تصر على تقديم حلولًا معلبة لمشكلات مركبة وعلى قدر من التعقيد والتشابك، كما تفرض التجربة الشخصية لصاحب الخطاب كنموذج معالجة لحياة البشر في القرن الواحد والعشرين، علاوة على ما يرتبط من تلك الخطابات بدوافع نفسية مرضية ومضطربة عند أصحابها تجعلهم يستخدمون نقاط الضعف عند الجمهور حتى يدفعونهم نحو تبني رؤية مؤدلجة تستعدي جميع الأطراف، لم تكف تلك الخطابات عن البروز كنوع من الثرثرة التي تجذب الجمهور، بل قدمت نفسها كخطابات تعليمية وتربوية يدفع الناس أموالهم كي يحصلون على خلاصة حكمتها، وكي تصلح لهم حياتهم المتداعية على نحو كارثي، والعجيب أن تلك الخطابات تستهوي الجميع حتى تلك الفئات التي من المفترض أنها حصلت على قدر عال من التعليم والتثقيف، فأين يكمن الخلل الذي يجعل الناس يتبعون هؤلاء إلى الهاوية، وهم لا يشعرون أن مجموعة من السطحيين تمكنوا من إفشال حياتهم بل وأخذوا على ذلك أموالًا منهم ونالوا الشهرة والتقدير؟!

لا بد هنا أن نشير إلى أننا في ظل عصر طغت فيه التخصصات العلمية التطبيقية على عملية التربية والتعليم، فأصبح الاهتمام منصبًا على التخصصات العلمية المرتبطة بسوق العمل لتحقيق الكسب المادي والمكانة الاجتماعية مع تجاهل أنواع المعرفة الأخرى التي يجب على الإنسان أن يعرفها ليشكل بها أسلوب حياته ويتعامل بها مع مشكلاتها، فلم يعد هناك نسق معرفي يفكر الإنسان من خلاله فيما يجب أن يفعله وما يصيبه والطرق التي يستطيع من خلالها معالجة ما يواجهه من مشكلات اجتماعية ونفسية، علاوة على تخلف مجتمعاتنا في المجالات التي تمس حياة الإنسان كالطب النفسي والعلاقات الاجتماعية والفلسفة وأنماط التفكير وغيرها، فنادرًا ما تجد مؤسسات أو متخصصين متقنين في تلك الأمور، الأمر الذي يفسح الطريق أمام السطحيين لممارسة عمليات الاحتيال على الجمهور مدعين تخصصهم في تلك الأمور، وكل ما يعرفونه عنها هو معرفة رديئة وسطحية تستعين بجهل الجمهور وأزماته النفسية كي تمر بهيبة إلى ضميره المعرفي، فتفسده ثم يفسد هو بدوره حياة صاحبه.

ولأن الناس عطشى لأي حل يخرجهم من الحياة المتداعية تلك؛ فهم يتبعون هؤلاء رغم أن من الناس الكثير ممن يدركون أن بضاعة هؤلاء رديئة!

بعض هؤلاء ينسجون من الأحلام الوردية والروايات الرومانسية والأفلام الرخيصة بيوتًا لمتابعيهم، إذ يؤسسون وعيهم على أشياء لا ولن تمت للواقع بصلة، حتى يدفعونهم نحو تصورات طوباوية محكومة بالفشل.

بعضهم أيضًا يتمركز حول الإنسان الفرد، ويغذي النرجسية في ضمائر متابعيه، فيوهمه أنه يستحق كل ما يريد، وعلى الجميع أن يعمل من أجل أن يحصل على ما يرغب، وإلا صاروا أشرارًا يجب البعد عنهم واعتزالهم، ولا نحتاج لكثير تفكير حتى نتوقع النتيجة التي سنحصل عليها في تلك الحالة!

بعض تلك الخطابات تغذي احتقار الذات، وتنمي خضوعها لتحصل على ما تريد، وتستقيم لها الأمور، غير مدركة أن مكاسب الخضوع مرحلية وليست دائمة، وأن الثمن المدفوع فيها باهظ الكلفة، كرامة الإنسان وشخصيته.

تلك الخطابات التي يتعرض لها الإنسان بشكل يومي تساهم في تغيير رؤيته للحياة والناس والمجتمع، وتغيير نفسيته، وطريقة تعامله مع الآخرين، وطبيعة إدراكه للمشكلات، هذا كله يصب في دفع الإنسان إلى اتخاذ خيارات وانتهاج نهج لن يؤدي إلا إلى مزيد من الفوضى والفشل.

تابع مواقعنا