فنزويلا جزء من تاريخ.. الكل تحت السيطرة
تفاجأ كثيرون بما فعلته الولايات المتحدة الأمريكية بحق الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، واعتقاله وزوجته من مكان إقامته، في عملية أقل ما توصف أنها جريمة وبلطجة.
رغم أن الأمر لم يكن مفاجئا على الإطلاق للمتتبع للسياسة التي تنتهجها الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية، ومحاولاتها المستمرة في إخضاعها وبسط السيطرة والنفوذ على دولها، إلا أن المفاجأة كانت فقط في الأسلوب الفج لتنفيذ العملية ذاتها وسهولة إتمامها.
واشتهرت الولايات المتحدة عبر عصورها بالتدخلات المباشرة في أنظمة الحكم بدول أمريكا الجنوبية، لإخضاعها وبسط النفوذ والسيطرة عليها، لما لها من أهمية كبيرة اقتصاديًا وسياسيًا ولوجستيًا، وتتراوح هذه التدخلات بين دوافع أيديولوجية واقتصادية وأمنية.
بدأت سياسة الولايات المتحدة التدخل في أمريكا الجنوبية منذ وضع الأسس الأولى لعقيدة التدخل الأمريكي في شؤون أمريكا اللاتينية عبر "مبدأ مونرو" الذي أعلنه الرئيس الأمريكي جيمس مونرو عام 1823، والذي استخدمته فيما بعد لتحقيق مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية.
وتنفيذا لمبدأ مونرو الاستعماري، نفذت الولايات المتحدة سلسلة من التدخلات خلال القرن الـ19 ومطلع القرن العشرين، أبرزها مرحلة التوسع الإقليمي التي امتدت بين العامين 1811 و1897، إذ شهدت الاستيلاء على 55% من الأراضي المكسيكية في عام 1848 والتي شكلت 7 ولايات أمريكية، هي: كاليفورنيا ونيفادا ويوتا وأريزونا ونيومكسيكو وواومينج وتكساس.
وطالت التدخلات الأمريكية: هاييتي (1915-1934 - 2004) والدومينيكان (1916-1924) وكوبا (1906- 1909 و1917-1923) - بيرو (1963 - 1990) - البرازيل (1964) - الأرجنتين (1976) - أوروجواي (1973) - تشيلي (1964 - 1973) - باراجواي (1954 - 1989) - بوليفيا (1971 - 2019) - جواتيمالا 1954 - نيكاراجوا (1981- 1990) - بنما 1989 - فنزويلا (2002 - 2019 - 2026).
وتسعى واشنطن إلى بسط السيطرة على أمريكا الجنوبية خوفًا من المد اليساري والذي اشتهرت به دولها، بالرغم من أنه، سياسيًا، يميل الفكر اليساري إلى الحرية شبه المطلقة، إلا أنه في أمريكا الجنوبية كان عكس ذلك فارتبط بالاتجاه نحو الشيوعية أو الاشتراكية محاولا التقرب من الصين وروسيا، وكان أبسط مثال على ذلك النظام الشيوعي الذي خلفته ثورة كوبا 1953 ثم أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 والتي كادت أن تندلع بسببها حرب نووية بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة.
ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز العلاقات الفنزويلية مع روسيا كان يشكل مصدر قلق للولايات المتحدة، التي تعتبر أي دعم روسي لفنزويلا تهديدًا مباشرًا لنفوذها في المنطقة، وبالتالي اختارت إسقاط النظام ومن ثم الإتيان بآخر موالٍ لها.
كما اعتبرت الولايات المتحدة أمريكا الجنوبية جزءًا من اقتصادها، إذ تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفط في العالم، وتشكل بمفردها 17% من إجمالي احتياطيات النفط بالكرة الأرضية، فالعقوبات التي فرضتها واشنطن على فنزويلا منذ عقود كانت تهدف إلى الحد من قدرة الحكومة الفنزويلية على الاستفادة من مواردها الطبيعية الضخمة، كما تضم دول أمريكا الجنوبية موارد ضخمة من المعادن، مثل الحديد والذهب والفضة والنحاس والزنك والفوسفات، خاصة في البرازيل والأرجنتين وتشيلي وبيرو.
وفي النهاية، واشنطن لها تاريخ من التدخلات في شؤون أمريكا الجنوبية، إما بالاحتلال الصريح أو دعم الانقلابات العسكرية أو اعتقال الرؤساء أو الإطاحة بأنظمة الحكم، الأمر يتعلق بسياسة الولايات المتحدة وليس الرئيس دونالد ترامب نفسه، كما لا يتعلق بالجمهوريين أو الديمقراطيين، فالسياسة الأمريكية واحدة وإن اختلفت طرق التنفيذ بين رئيس وآخر، أو حزب ومنافسه.


