مصر بين سيادة القرار ومنطق الخضوع
مصر دولة بحجم التاريخ، وليست مصر دولة عابرة في السياسة الدولية ولا رقمًا هامشيًا في معادلات القوى الكبرى، بل هي دولة بحجم التاريخ والجغرافيا معًا، تعرف وزنها جيدًا وتدرك أن من لا يملك قراره لا يملك مستقبله.
وفي زمن اختلطت فيه المفاهيم وامتلأت الساحة الدولية بمسميات براقة تخفي وراءها واقعًا من التبعية والخضوع، برز الدور المصري كاستثناء نادر وكحالة سياسية تستحق التوقف أمامها طويلًا.
لقد أثبتت مصر بقيادة سياسية واعية أن القدرة على المواءمة بين الشرق والغرب ليست ضعفًا بل قمة القوة، فالقوة الحقيقية لا تكمن في الارتماء في أحضان طرف واحد، بل في امتلاك حرية الحركة والقدرة على بناء علاقات متوازنة تخدم المصلحة الوطنية أولًا وأخيرًا.
عندما نتحدث عن وهم عبارة "الحلفاء"، حين تتحول الدول إلى أدوات، وما يُسمى بدول "حلفاء" الولايات المتحدة، ليس في حقيقته تحالفًا بين أنداد، بل علاقة غير متكافئة يُمسك فيها الطرف الأقوى بكل الخيوط، بينما يُطلب من الطرف الأضعف الطاعة مقابل الحماية أو الرضا. فمصطلح "الحليف" هنا ليس سوى تحسين للصورة وتجميل لعلاقة قائمة على الإملاء والهيمنة. والدليل واضح: لا تستطيع أي دولة تُصنف نفسها كحليف للولايات المتحدة أن تعقد شراكات عميقة وحقيقية مع قوى الشرق، وعلى رأسها الصين أو روسيا، دون أن تُواجه ضغوطًا أو تهديدًا أو عقابًا.
هذه الدول لا تملك حرية القرار، ولا تتحرك وفق مصالحها، بل وفق ما يُسمح لها به. ومن هنا تتضح الحقيقة المجردة: أمريكا لا تملك حلفاء، بل أدوات تُستخدم عند الحاجة وتُهمش عند انتهاء الدور، ولا يُسمح لها أبدًا بالخروج عن النص.
وما حدث في فنزويلا ليس ببعيد عن هذا السياق، حين جرى التعامل مع رئيس دولة منتخب بمنطق الخطف، في انتهاك صارخ لكل الأعراف والقوانين الدولية ودون أي اعتبار لسيادة دولة أو إرادة شعب.
كان المشهد كاشفًا لحقيقة النظام الدولي حين تتعارض القوانين مع مصالح القوة. ذلك الحدث لم يكن استثناءً، بل نموذجًا فاضحًا لكيف تُدار السياسة العالمية حين يغيب التوازن، وحين يُنظر إلى الدول كقطع شطرنج لا ككيانات ذات سيادة، وهو ما يفسر خوف كثير من الدول "الحليفة" من مجرد التفكير في استقلال قرارها أو تنويع شراكاتها.
مصر البوصلة التي لا تخضع. وسط هذا المشهد المضطرب، تقع مصر في موقع مختلف تمامًا. لها بوصلتها الخاصة، لا تتحرك بإشارة من أحد، وموقفها من التهجير خير دليل، ولا تنتظر إذنًا لتبني علاقاتها.
استطاعت أن تنفتح على الشرق وتُعمّق شراكاتها مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا، دون أن تدخل في قطيعة مع الغرب، ودون أن تتحول إلى تابع أو أداة.
وهنا تُحسب النقطة الأهم للقيادة السياسية المصرية: أنها فهمت مبكرًا أن العالم يتغير، وأن موازين القوى لم تعد أحادية، وأن الدولة الذكية هي التي تحجز لنفسها مكانًا مستقلًا في عالم متعدد الأقطاب.
ليست مصر ضد أحد، لكنها ليست تحت مظلة أحد. وعظمة الدور المصري اليوم لا تكمن فقط في حضوره، بل في استقلاله وتوازنه، وفي شجاعته السياسية، ففي عالم امتلأ بدول تُسمى حليفة، وهي في الحقيقة خاضعة، اختارت مصر أن تكون دولة صاحبة قرار، لا أداة، ولا تابعًا، ولا ورقة ضغط في يد أحد.
وهذا بلا شك إنجاز يُحسب للقيادة السياسية في ظل وجود العديد تحت هيمنة قوة دولية واحدة، ويؤكد أن مصر حين تسير وفق بوصلتها تعرف جيدًا كيف تصل دون أن تنحني.


