نصوص «هاند ميد»
بينما كنت أناقش صديقي حول مقال لي كتبته وعرضته عليه، وكنت أترقب منه كلمات من قبيل ممتاز ورائع أو أن يصوب شيئا، أو يلفت نظري لفكرة ما، لأني أثق بتقييمه، فهو دقيق، يعطيك رأيه بصدق حتى وإن كان لاذعًا؛ لكن رده هذه المرة جاء مغايرًا تمامًا لما كنت أتوقع، فقد قال لي: «ده شغل هاند ميد».
ولكي تستوعب أثر الكلمة، عليك أن تعرف أن علي حامد (صديقي) حصل على الماجستير أخيرًا بمذاق اللحم الجملي، وكانت رسالته حول توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجال صناعة النصوص الصحفية، تلك الخبرة الأكاديمية التي جناها طوال سنوات بحثه، أكسبته حاسَّة تجعله يحدق في الكلمات وكأنه يرى الأكواد وأثر الخوارزميات في حروفها، ليقسم لك مليَّا، وبأقدم رأس من أسلافه، أن هذا النص ليس من صنع البشر دون أن يفتح تطبيقا أو يستشير صديقًا، أضف إلى ذلك أنه حين يصافحك يساوره شك أن أصابع يده الخمسة كانت ستة وأنك قد انتشلت ذلك الإصبع السادس، وأتممت خمسًا عندك، ولا أدري لم يده هو بستة أصابع والأيادي الأخرى بأربعة؟ لكن هو ذا «علي حامد» وعليك ألا تناقش أو تجادل الأخ علي.
وبعيدا عن ارتياب صديقي الدائم الذي هو سر تفوقه، قد أرعبتني تلك الإشارة، شعرت أننا في عصر أصبح أقصى طموح الكاتب أن يثبت بشريَّة النص الذي قدمه، قديمًا كنا نحكم على النصوص بعمق العقاد، وبيان المنفلوطي، وعبد العال الحمامصي في أفكاره، أما اليوم، لم يعد السؤال عن جودة النص؟ بل عن بشريته؟ وباتت الكلمة تعيش تربصا من برامج كاشف النصوص، حتى لو أقسم صاحبها بكل كتب السماء أنها من صنع يديه ومن بَنات أفكاره، ضاعت منا لذة الانبهار بالأفكار والإعجاب بالكلمات، وأصبح كل نص متهم إلى أن تثبت بشريتُه.
فيما مضى، كان أقصى اتهام يواجه النص هو السرقة الأدبية أو الترجمة عن لغة أخرى، ورغم قسوة الاتهام، إلا أن متعة النص لم تغِب، وظل الإبداع حاضرًا، فالمسروق في النهاية هو نص بشري، لذا ظل الجمهور معجبًا بتلك النصوص، يقرؤها بشغف رغم وجودها في قفص الاتهام، لكنها تبقى نتاج عقل بشري، أما الآن، لم تعد التهمة السرقة بل الآلية، فغاب الانبهار بالنص، وضاعت معه متعة القراءة، وأصبحنا نغرق في البحث عن مصدر الكلمة.
أقف الآن عالقًا أمام تجاهل صديقي لبعض نصوصي في الماضي، هل كان صمته نتيجة لهذا الاتهام؟ لكن وبعيدًا عن هذا الهاجس الذي ألقاه رد صديقي في نفسي، نحن أمام تساؤل مهم، هل نستسلم للنصوص الآلية لأنها تلبي احتياجات عصرنا السريعة؟ أم نكبح هذا الجماح ونكتفي بقطرات النصوص البشرية فنثبت براءة نصوصنا لتعود المتعة إلى أرواحنا؟


