ونس العزلة
العزلة نوعين.. نوع بنكون مجبرين عليه أو بيتفرض علينا، والنوع التاني بيكون بمزاجنا، النوع الأول له علاج وهو "الونس"، مينفعش تسيب شخص عزيز عليك عرضة للعزلة الإجبارية اللي فرضتها عليه الظروف أو الناس، وجودك جنبه في لحظتها قادر يخليه مايطولش مدة وجوده فيها، أما النوع التاني من العزلة ولأنه بيكون بمزاجنا فمالوش علاج إلا مرور الوقت، بالعكس كمان ده في أغلب الأوقات بتكون العزلة اللي بناخدها بإرادتنا دي مهمة لإعادة ترتيب الأوراق في كل تفاصيل الحياة، إجمالًا إنك وعلى قدر فهمك للنوعين وللاختلاف ما بينهم على قدر ما حياتك هتكون أيسر وأسهل عليك وعلى غيرك.
في الصعيد وإحنا عيال صغيرة مش أكبر من 10 سنين فيه واحد صاحبنا مات.. مات فجأة بدون مقدمات.. نام ماصحيش.. فجأة "نادر" اللي كان لسه من أقل من 12 ساعة بيلعب، وبيضحك انطفا صوته عن الوجود للأبد، وبدل ما كنا 5 أصحاب وجيران اللي هو تقريبًا مش بنسيب بعض إلا وقت النوم بقينا 4 بس.. فكرة الموت نفسها بالنسبة لأطفال في عمرنا وقتها كانت تخض، رحنا بيت "نادر" وقعدونا في أوضة صغيرة جنب الباب وكنا كلنا ساكتين لسه مش مستوعبين موته ومحدش فينا فاتح بُقه، الموقف كان مهيب وكنا سامعين صوت صريخ الناس جاى من بره.. "نادر" كانت والدته متوفية وكان عايش مع والده لوحدهم.. يمكن وفاة والدته كانت سبب رئيسي في اهتمام والده الكبير بيه، واللي بقت علاقته بـ ابنه علاقة اتنين أصحاب أكتر منهم أب وابن.. بقى طبيعي إننا نشوف والده جاي يلعب كورة معانا في الشارع لمجرد إن ابنه طلب منه ده.. أو إنه يعمل له عيد ميلاد مفتخر كل سنة رغم إن ظروفه متوسطة لكن يكون حريص إنه يفسحنا كلنا مع "نادر" في اليوم ده!.. ماكنش غريب كمان إن وأنا واقف في البلكونة أشوفهم بيجروا ورا بعض وهما راجعين من السوق شايلين أكياس الخضار اللي بيقع منهم بسبب الجري وبيلموه ويكملوا جرى عادي جدًا بعد ما دابت فروق السن بينهم.. تقدر تفهم بسهولة حتى ولو سنك صغير مدى تأثير صدمة زى اللي حصلت على الراجل.
دقايق بسيطة ووالده جه قعد معانا في نفس الأوضة على الكنبة!.. كان واضح إنه حب يهرب شوية من الضغوط ومقابلة الناس والعياط اللي مش بيقف.. والد "نادر" فرد رجله لـ قدام وحط إيديه جنبه وبص لـ السقف وغمض عينه وقال بتنهيدة: يا الله.. الكلمة طلعت من قلبه مش حنجرته.. كلنا كنا لسه ساكتين، لف عيونه في وشوشنا كلنا وقال بابتسامة عصية والدموع في عينيه: الواد نادر ضحك علينا ومشي بدري، هو قال الجملة دي من هنا، وكلنا فتحنا في العياط اللي كان متحوش من هنا.. كان هو اللي بيحاول يهدينا، ويطبطب علينا وفي نفس الوقت كنا فاهمين إنه شايل جواه كتير، وإن ساعات الوحدة اللي هتبدأ من اليوم ده هتبقى تقيلة على روحه.
بعد ساعة خرجنا، ووقفنا على ناصية الشارع، واحد مننا قال: مش هنسيبه لوحده، مينفعش والد "نادر" يبقى أسير للعزلة.. هزينا راسنا بالموافقة بدون ولا كلمة وكأننا بنعلن إن ده قرارنا كلنا.. اتفقنا إن كل واحد فينا إحنا الـ4 هييجي يقعد مع والد "نادر" يوم كامل، ومن اليوم الخامس نكرر العملية وهكذا.. الموضوع في الأول واجه اعتراضات من أسرنا بس بشوية مقاوحة مننا الدنيا مشيت، ووافقوا.. بس جزء مش قليل من موافقتهم كان إنهم متفهمين وضع الراجل النفسي، وإن ده آخر وقت ينفع يتساب فيه لوحده.. كل واحد فينا بقى يرجع من المدرسة على بيت "نادر" ويفضل مع والده!.. كنا بنتعامل معاه كأنه أبونا فعلًا أو كأننا "نادر".. مرة حد يخرج معاه للسوق.. مرة حد يجبره يلعب معانا كورة.. اللي قاعد معاه مننا كان يخليه يذاكرله.. يطبخ معاه.. استمرينا على نفس الوضع حوالي سنة بدون تعب، وبدون ما نحدد وقت عشان نوقف اللي بنعمله لأننا كنا مستمتعين بيه.. كان إحساس مبهر بالمسؤولية ماتعرفش جه إزاي من شوية عيال حسوا إن الوحدة هي أكبر عدو على حد كان متونس بوجود شريكه اللي غاب.. والد "نادر" الله يرحمه اتوفى هو كمان بعد 6 سنين كاملين من وفاة ابنه.. لما حكيت الموقف للدكتور أحمد كمال صديقي وطبيبي النفسي قال لي: الأعمار بيد الله بس لولا وجودكم معاه، ومحاوطتكم له كانت الصدمة ثم وحدته هتموته بدري عن كده.
محدش بيحب يكون لوحده لكن شوية عزلة تحط نفسك فيهم بيكونوا مهمين من وقت للتاني عشان تقدر تكمل.. العزلة مفيدة وصحية كـ خيار مؤقت للشفاء من وضع أجبرتك الظروف عليه، عزلة تعيد فيها ترتيب أوراقك، ومكانة الناس في حياتك.. عزلة تنجز فيها مهمة عمل مطلوبة منك بس لخمتك في دوشة الحياة منعتك تعمل ده.. عزلة تحاول تنسى فيها جرح نفسي، أو عاطفي.. صدمتك في صديق محتاجة عزلة عشان تفوق منها.. فقدك لشخص عزيز، أو فرصة مهمة محتاجين عزلة عشان تتخلص من آثارهم وتبتدي من جديد.. العزلة مش محرمة بس مينفعش تكون إلا مؤقتة.. الكاتب الياباني هاروكي موراكامي قال: لا أحد يحب العزلة، أنا فقط أكره الخيبة.


