السيرة النبوية نسخة إيچيبت
حكت لي صديقة عن ليلة أرِقة قضتها بجوار ابنها صاحل العشر سنوات آنذاك الذي يبكي قبل نومه لأنه يريد وصفة محددة تجعله يرى وجه النبي محمد عليه الصلاة والسلام في نومه، حتى تحولت حدوتة قبل النوم التي تحكيها له صديقتي كل ليلة إلى موقف أو حادث من السيرة النبوية المشرّفة يتلقّفه الطفل بشوق وأمل أن يرى بعده وجه النبي محمد في نومه، وأصبح يتشوق لرؤية الحبيب.
كان مؤرِّقًا ومحيّرًا ما تختاره هذه الأم -وكثيرات غيرها- من السيرة النبوية الثرية لكي تحكيه لابنها في مرحلة عمريّة وتعليميّة انتقالية بين الأطفال الذين تناسبهم القصص المختصرة ذات الـ 10 صفحات وكتب السيرة المكتملة بشروحها المستفيضة كسيرة ابن هشام على سبيل المثال. كما أن لغة ابن هشام تختلف كلية عن اللغة التي يقرأ بها أبناؤنا الآن؛ إن قرأوا. هذا بخلاف أن التعليم الأجنبي الذي أصبح خيارًا تتبعه الكثير من الأسر يجعل الأولوية في القراءة والكتابة والحديث لدى الأطفال للغات الأجنبية التي يتعلمون بها، يبدأ الأمر بالرغبة في الممارسة لإتقان اللغة ثم يصبح اعتيادًا ساريًا على ألسنتهم، وهذا يجبر الآباء على اتخاذ إجراءات مرنة للمواكبة. أعرف مجموعة صديقات ممن ألحقن أبناءهن بالمدرسة الألمانية اضطررن لدراسة كورسات الألماني فقط حتى يُمكِنهن فهم ما يقوله أبناؤهم في المكالمات التليفونية والجلسات الجماعية ومن ثمَّ وضع رقابة نوعًا ما على كلام الأطفال وسلوكهم والكثير من "البرطمة الألماني" اللاتي لا تفهمها الأمهات.
كل هذا جعلني أشعر بسعادة بالغة حين دعتني الصديقة الكاتبة حنان صبرة لحفل إطلاق كتابها "قمر سيدنا النبي" والصادر باللغة الإنجليزية عن دار ديوان للنشر في 132 صفحة.
رأيتُ شجاعة كبيرة في إقدام صبرة على كتابة سيرة مختصرة للسيرة النبوية المشرّفة باللغة الإنجليزية تخاطب بها -كما نَوَّهَت في مقدمة الكتاب- أبناءها وزملاءهم وأصدقاءهم من الجيل "زد" الذي يفضّل القراءة بالإنجليزية والذي يتصف بالملل السريع وقصر البال وسرعة إيقاع الحركة والحياة ما يُصَعِّب على المُرَبِّي مهمة إمداده بالمعرفة الدينية الوافية وتعريضه لقراءات من هذا النوع، بخلاف ما يواجهه أبناء هذا الجيل من فقر ونُدرة في المادة المعرفيّة القيّمة مقابل وفرة وتنوع وثراء في مجالات أخرى شديدة الخطورة. ومن هنا قررت حنان صبرة خوض هذه المغامرة.
تدرك صبرة أن القراءات الدينية مكونٌ معرفيٌّ هام في الشخصية وأحد الجوانب التي يستند عليها السواء والاستقامة في حياة المرء وأنها -الأم قبل الكاتبة- تؤمن بأن المرونة في الحوار والتعاطي مع أفكار وأدوات أبنائنا من هذا الجيل الجديد "زد" وما بعده، هي الطريق الوحيد لاستقطابهم لأرضية نقاش واحدة كي لا تزيد الهوّة في الاتساع. وعلى هذا اختارت بعناية شديدة المواطن الأكثر أولوية من بحر السيرة الزاخر والتي هي بعيدة عن التأويلات المختلفة ومناطق الخلاف الشائكة، وقدمتها بإنجليزية بسيطة يمكن للطفل صاحب الـ 12 عاما على سبيل المثال أن يقرأها ويفهمها دون مساعدة. وهذا في رأيي يسدّ فراغًا كبيرًا يواجهه الطفل الذي لا يجيد/ لا يفضّل القراءة بالعربية -مصري أو غير مصري- في هذه المرحلة البينية بين قصص الأطفال وبين مجلدات الكبار.
أعتقدُ أن المرونة الخالية من التعالي على شريحة بعينها من هذا الجيل "الغلبان" الذي يُتندّر على أفراده بأنهم "مواليد إيچيبت" -وكأن مواليد إيچيبت لا حظّ لهم في الديانة-، هذه المرونة هي الخطوة الأولى لاحتواء أبنائنا من هذا الجيل والاحتفاظ بهم ومن ثم الاحتفاظ بقدرتنا على التربية والحماية، وأول الحماية معرفة الله. فكل الشكر لدار ديوان للنشر التي تحمّست لهذا الكتاب، وللكاتبة حنان صبرة على هذه المحاولة للاحتفاظ بأبنائنا أبناء إيچيبت قبل أن ينفلتوا ويصبحوا أبناء ثقافات وهويّات أخرى لا يعلمها إلا الله.


