الخميس 22 يناير 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

مصطفى سليم يكتب: الغزالي وديكارت.. نصف قرن من الزيف

ديكارت
ثقافة
ديكارت
الثلاثاء 13/يناير/2026 - 07:04 م

في ليلة باردة من سبعينيات القرن الماضي قدم الأستاذ كلمته ضمن أعمال الملتقى العاشر للفكر الإسلامي المنعقد في مدينة عنابة بالجزائر، الذى ضم صفوة العلماء والمفكرين العرب والأوروبيين، فأصاب ما ذكره الحاضرين بالدهشة والذهول؛ إذ كشف في كلمته هذه سرًّا خطيرًا دام التكتم عليه قرونًا طوال، وما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى بدأت تتهلل وجوه الحاضرين، وتنفرج أساريرهم؛ فالسر المعلن كان يحمل البشرى لهم في استرجاع حق سرقه أعداؤهم قبل مئات السنين، ولكن ما يسر القوم سيغيظ العدى، وقد وصلهم الخبر بانكشاف سرهم وانفضاح أمرهم؛ فدبروا أمرًا خطيرًا تعاهدوا على كتمانه. في اليوم التالي أسفرت الحقيقة المؤلمة عن وجهها، فقد وُجد الأستاذ في غرفته جثة هامدة، وسط ذهول الجميع وشكوكهم في أنه قد مات مسمومًا أو مخنوقًا!

على هذا النحو التاريخي الغامض، وبتصرف من عندي، استهل الكاتب السعودي مازن الغيث تحقيقه القيم في كتابه "حادثة اغتيال في مؤتمر إسلامي" ليكشف في نهاية المطاف الوقائع المدلسة لما شاع من خبر سرقة ديكارت لمنهج الشك الفلسفي الشهير من كتاب "المنقذ من الضلال" للفيلسوف والمتصوف أبي حامد الغزالي.

ديكارت
ديكارت

وهى مسألةٌ ما زال صداها يتردد من حين لآخر إلى يومنا هذا وفق مازن الغيث الذى استقصى ببصيرة واستنارة أثر هذه المروية المتشعبة، وتتبع خفايا وخبايا القصة، ليكشف من أين بدأت مزاعم حادثة السطو العلمي المزيفة هذه؟ وحقيقتها؟ ومآلها بعدما حمّلتها الذهنية العربية المعاصرة من التأويل ما لا تحتمله، وهو ما سنستعرضه في مرويتنا هذه.

قبل أن نبدأ، لعل الاطلاع على السياق العام الذي أحاط بهذه المروية يكشف لنا غموض ما قد جرى، ويمنحنا مزيدا من الفهم والتدقيق، فخلال القرن العشرين كان الاستعمار الأوروبي يهيمن عسكريًا على أغلب بلدان المنطقة العربية، فيما أطلق بعض المستشرقين يد العبث في التاريخ والأدب العربيين وغيرهما للنيل من الإرث الحضاري العريق لشعوب الشرق كنوع من أنواع "الحرب النفسية والفكرية"، وإشاعة مناخ من التخلف الاجتماعي يسهم بدور فاعل في صناعة وترسيخ إنسان شرق أوسطي مقهور، يسهل معه المزيد من الانقياد الذى يسلّم بفكرة تميز حضارة الرجل الأبيض وسطوع شمس الحضارة الغربية التي جاءت لتنير الشرق المعتم، فيما الحقيقة أنها لم تكن في مجملها أبعد من حيلة لتبرير أطماع الغرب التوسعية، وإنْ كان لهذا الاستنزاف العنيف وجوه من التأثير والتأثر في السياق الاجتماعي والأيديولوجي الذى أسهم في تأريخ مغاير للثقافة العربية خلال القرن العشرين.
على أية حال، كان منهج الشك الديكارتي من بين الأدوات التي وظفها بعض المستشرقين، فتنبهت إليه العقول العربية منذ أطلق طه حسين شرارة الحديث عن هذا المنهج خلال كتابه "في الشعر الجاهلي" عام 1926، بعدها بأربع سنوات تحديدًا في عام 1930 قدّم محمود الخضيري ترجمة ريادية لكتاب ديكارت المعنون بـ"مقال عن المنهج" وقد راقت يومها لجمهور الفلسفة بالبلاد العربية دون منازع، فتعددت طبعات الكتاب فيما بعد، رغم تعثر حظ مترجمة وفشل مسعاه للتدريس بالجامعة التي خسرت جهوده بالطبع. 

كتاب حادثة اغتيال في مؤتمر إسلامي
كتاب حادثة اغتيال في مؤتمر إسلامي

مع تزايد الجدل بين الشرق والغرب من جهة، والصراع بين القديم والجديد من أخرى، راح بعض الرواد والمفكرين والكتاب العرب يلوذون بالتراث كحائط صدّ لمواجهة دعاوى الاستشراق، وذهب بعضهم للتنقيب بعيدًا عن الأصول الشرقية لعلوم الغرب، منهم من كتب بالحقّ حينًا، وبينهم من تعصب وانحاز أحيانًا تحت وقع ردّ الفعل المضاد للحرب النفسية الجارية وسط تزايد شعارات العروبيين والقوميين وتيارات الإسلام السياسي في الآن ذاته. 

من بين المزاعم العلمية التي راجت في هذا الزمان، وما زال صداها يتردد، سرقة ديكارت خلال القرن السادس عشر الميلادي لمنهج الشك من كتاب "المنقذ من الضلال" للفيلسوف والمتصوف أبى حامد الغزالي الذى قدمه في القرن الحادي عشر الميلادي؛ أي بعد ما يقرب من خمسة قرون زمنية بينهما. 

عود على بدء، يعود تاريخ المروية التي بدأنا الحديث بها إلى عام 1976 بعدما سرت شائعة انتحال ديكارت لمنهج الغزالي خلال فعاليات الملتقى العاشر  للفكر الإسلامي الذى انعقد في الجزائر لتروج هذه المروية على سبيل الخطأ حينًا، ولأغراض أيديولوجية ودعائية أحيانًا.

يروي "الغيث" أن القصة بدأت بحديث مرسل للباحث التونسي الراحل عثمان الكعاك الذى أفاد بأن أستاذ الفلسفة الجليل محمد عبد الهادي أبو ريدة كان يحاضر في تونس وطلب منه أن يساعده في دراسة العلاقة بين ما قاله الغزالي، وما قاله ديكارت، وكان المؤرخ التونسي يعمل وقتئذ مديرًا لمكتبة الجمعية الوطنية هناك، واستطاع أن يصل إلى مكتبة ديكارت في باريس، وعثر بين محتوياتها على ترجمة (لاتينية) لكتاب (المنقذ من الضلال) للغزالي، ووجد أن ديكارت قد وقف عند عبارة الغزالي الشهيرة (الشك أول مراتب اليقين) ووضع تحتها خطًّا أحمرَ، ثم كتب على هامش ما نصّه (يضاف ذلك إلى منهجنا)"، (حادثة اغتيال في مؤتمر إسلامي: 15).
في الأثناء كان الكاتب والصحفي المصري الشهير فهمى هويدي مراسلًا لجريدة الأهرام المصرية في الجزائر لتغطية فعاليات الملتقى، وبالطبع نقل الخبر  ونُشر بـ"الأهرام"، وكان له ما بعده من فوضى وارتباك في مسألة الانتحال هذه، (حادثة اغتيال في مؤتمر إسلامي:  52).

المفارقة الدرامية أن الكعاك تُوفي ليلة حديثه هذا، الأمر الذى أسهم في إشاعة أن وفاته لم تكن وفاةً طبيعية، بل جرى اغتياله لكشفه اللغز المزعوم، فيما الحقيقة أن رحيله جاء إثر أزمة قلبية. ورغم هذه الدراما البوليسية التي أضيفت للحادثة فإن الحديث إلى الآن ظل عابرًا، (حادثة اغتيال في مؤتمر إسلامي: 7 و12).

صخب في ساحة المنهج

الغريب حقًا أن دخول أستاذ الفلسفة الراحل الدكتور محمود زقزوق على خط هذه المزاعم أعطى مصداقيةً لمغالطة الانتحال، وورطه في أن يكون مصدرًا لها لفترة طويلة من الزمن. فكيف حدث هذا؟
كان الغزالي وديكارت موضوع أطروحة الباحث محمود زقزوق للدكتوراه التي نالها من جامعة ميونيخ الألمانية عام 1968، ونشر طبعتها الأولى في كتاب بعنوان "المنهج الفلسفي بين الغزالي وديكارت" عام 1973، وخلال هذه الطبعة لم يتطرق إلى مسألة انتحال ديكارت للغزالي.

المنقذ من الضلال
المنقذ من الضلال

بعد ثلاثة أعوام من نشر كتابه تبدل حال هذه المسألة؛ وفي ضوء متابعته لما يتصل بموضوعه، ذاع صيت "المروية المرسلة لملتقى الفكر الإسلامي" المنشورة في الأهرام المصرية عام 1976، وبدوره سعى الدكتور زقزوق أن يوثق المسألة بمراجعة الدكتور أبو ريدة عبر رسالة بالبريد المسجل، إذا كان الأخير يعمل رئيسًا لقسم الفلسفة في جامعة الكويت لكن زقزوق لم يتلق ردَّا مباشرًا منه، فوّسط أحد أصدقائه المعارين للجامعة، وجاءه الرد  عبر الوسيط  بأن خبر المروية دار في حديث بين أبو ريدة والكعاك، ولكنهما لم يوفقا في الحصول على النسخة، (حادثة اغتيال في مؤتمر إسلامي: 31 و32).
اختلاف تفاصيل المروية بين الكعاك ووسيط الدكتور زقزوق استوقف الغيث ودفعه إلى التأكد مما نسب إلى الدكتور أبو ريدة، فراجع دراساته التي قدمها بعد هذه الإفادة؛ أي في عام 1978، فوجدها ثلاث دراسات قدمها في مؤتمرات متباعدة في مكانها وزمانها، لم يأت في أي منها على ذكر (القصة المنتشرة له مع الكعاك) ولا أي شيء عن (النسخة المخططة بالأحمر من قبل ديكارت)، بالإضافة إلى تفاصيل أخرى دعته إلى الشك في صحة الإفادة المنسوبة إليه، (حادثة اغتيال في مؤتمر إسلامي:  24 و25).

على كل الأحوال، كان الدكتور زقزوق قد ضم مروية الكعاك إلى الطبعة الثانية من كتابه التى  صدرت عام 1981، ولتخصصه وقيمته العلمية فقد انتقلت المسألة من خانة "القيل والقال" إلى جدل واسع حول حقيقتها التاريخية، (حادثة اغتيال في مؤتمر إسلامي: 14 و15  و55).

مرت السنون فيما يسند المروجون لمزاعم الانتحال هذه مصداقية المروية إلى الدكتور زقزوق أستاذ الفلسفة الذى قضى سنوات يبحث عنها، وأصبح مرجعًا يستند إليه المتخصصون وغيرهم، فيما الحقيقة أن "حديث الكعاك"  الذى لا سندًا علميًا له هو المصدر الحقيقي وراء ذيوع صيت هذه المزاعم.
بعد فوات الأوان.

في مرحلة متأخرة أعاد الدكتور زقزوق كرة التحقق من "حديث الكعاك" عبر مخاطبة "المكتبة الوطنية في باريس" التي جاء ردها صادمًا، إذ نفت أن يكون لديها ما يسمى بـ"مكتبة ديكارت"، كما نفت وجود الترجمة اللاتينية التي أشار إليها الكعاك، فحذف زقزوق كلّ ما ورد عنها من إفادات دارت في "الملتقى الإسلاميّ" بالجزائر كما حذف تقرير "الأهرام" من الطبعة الرابعة للكتاب التي صدرت عام 1997، ليعود البحث سيرته الأولى بلا أثر  لمزاعم سطو ديكارت على منهج الغزالي، (حادثة اغتيال في مؤتمر إسلامي:  55 و56).

لكن يبدو أن أوان الحقيقة قد فات بعدما جرت في النهر مياه، وشاعت الكذبة في المشرق والمغرب العربي بسبب أهل الهوى مرة، وأرباب الأيديولوجيات القومية والعربية كرةً، أو أنصار نظرية الأصول العربية لحضارة الغرب على إطلاقها  تارة ثالثة.  

مقال عن المنهج 
مقال عن المنهج 

آثار الدارسين 

كان المؤرخ الأدبي نجيب البهبيتي في مقدمة الفئة الأخيرة، وإن لم يعلن أو يتطرق إلى مروية ملتقى الفكر الإسلامي، كما لم يشر إلى كتاب محمود زقزوق، ولكن يبدو أنه كان يتابع المسألة عن كثب من واقع اشتباكه مع تفاصيل "ثورة الشك" التي أثارها أستاذه طه حسين في عشرينيات القرن الماضي، بالإضافة إلى تبادلهما العنف النقدي الذى لم تغفره السنوات في نفس البهبيتى، ولم يسقط لديه بالتقادم إلا بمحاولات النيل من طه حقًا وباطلًا حتى بعد رحيله، (ظلال طه حسين، خصومة مجهولة في مرايا التأويل). 

على أية حال، قرر البهبيتي الاجتهاد على طريقته ليبرهن أن منهج الشك الذى اعتمد طه خلاله على ديكارت يدخل بالأساس تحت طائلة السرقات الفكرية من أصلها العربي، وخلال ثمانينيات القرن العشرين قدم كتابًا كاملًا في المسألة جاء تحت عنوان ("الغزالي": حياته وفلسفته تنحلان لديكارت)، وقد أورده في 7 أبواب رئيسية، وزاد عليها بتطبيقات المنهج لدى أستاذه طه، وقد أدرج البهبيتي ما سبق ضمن مجلده الضخم "المدخل إلى دراسة التاريخ والأدب العربيين"، (269: 462).

وبالنظر إلى ما بين أيدينا من معطيات عن مسألة الانتحال كلها، ورغم جهد البهبيتى العميق في المقارنة بين شك ديكارت والغزالي ليبرهن على صحة المؤامرة الغربية في السطو على علوم الشرق ومذهبه المعلن سلفًا، فإن الصواب لم يكن حليفه فيما ذهب إليه من نتائج مسبقة، (المدخل إلى دراسة التاريخ والأدب العربيين، 201: 211).

أنور الجندي شاهد لم يشهد الواقعة

في سياق آثار الدارسين، يزيدنا الغيث عن المسألة، فيشير إلى أن أنور الجندي أحد الذين لم يلتزموا الأمانة تجاه هذه المسألة "فهو يكرر كلامه مرات ومرات في كتبه"، وقد جاء أقدم ذكر  لهذه القصة المدلسة في كتابه "القرن الخامس عشر الهجري: التحديات في وجه الدعوة الإسلامية والعالم الإسلامي" الصادر أواخر السبعينيات، وأحالها مباشرة إلى "أبو ريدة"، واختصر بوضوح نص الرواية الذى كتبه فهمى هويدي في تقريره الصحفي، ونقله عن زقزوق في كتابه فيما لم يشر إلى ذلك، (حادثة اغتيال في مؤتمر إسلامي: 57).

وهذا الخطأ المتعمد الذى قام به أنور الجندي في نسبة الرواية لغير صاحبها، هو شيء بسيط مقارنة بما سيفعله لاحقا في كتاب متأخر له صدر أواخر التسعينيات، وهو كتاب (كتـَّاب العصر تحت ضوء الإسلام)، فقد غيّر في تفاصيل الخبر ومكانه أيضًا، فقال متحدثًا عن النص المزعوم الذى نقله ديكارت من نسخة الغزالي: (ولقد تعرف بعض كتابنا إلى هذا النص، وقرأوه في مكتبة ديكارت في جامعة السوربون، وسمعته شخصيًا من فم المؤرخ الكبير عثمان الكعاك الذى روى لي الواقعة، والتي سجلها الدكتور زقزوق في كتابه عن الغزالي وديكارت)"، (حادثة اغتيال في مؤتمر إسلامي: 58).
 

المنهج الفلسفي بين الغزالي وديكارت
المنهج الفلسفي بين الغزالي وديكارت

ورغم أن الجندي قد شارك في أكثر من ملتقى من ملتقيات الفكر الإسلامي بالجزائر فإنه لم يكن مدعوًا في الملتقى العاشر، الذى جرت فيه هذه الأحداث، بحسب ما أوردت قائمة المشاركين، التي كانت من بين الوثائق التي اطلع عليها الغيث، وذكر  أن "أنور الجندي لم يكن حاضرًا في هذا الملتقى ليسمعَ الكعاك مباشرة، ولم يدع إليه بالأساس، بل إن أبرز المدعوين الغائبين عن حضور الملتقى هو الدكتور عمر فروخ الذى منعته ظروف الحرب الأهلية اللبنانية من مغادرة لبنان، فأرسل ورقته عوضًا عنه وكانت بعنوان "ازدهار الثقافة الإسلامية في المشرق والمغرب ثم انتقالها إلى الغرب الأوروبي وآثارها فيه"، (حادثة اغتيال في مؤتمر إسلامي:  58 و59).
يضيف  "لو كان الجندي من ضمن الحضور، وسمع من الكعاك مباشرة لنصّ على ذلك حينما ذكر القصة في كتابه الأول، ولم يفرط ويتنازل في إحالتها إلى (أبو ريدة)، ثم انظر كيف غيـَّر في تفاصيلها بعد عشرين عامًا تقريبا في كتابه الثاني، وجعل فيها أكثر من (كعاك) اطلعوا على النسخة، وقرأوها في مكان جديد تمامًا، لم يُذكر سابقًا في القصة؛ وهو جامعة السوربون"، (حادثة اغتيال في مؤتمر إسلامي: 59).

عدنان إبراهيم والحقيقة الغائبة

ما سقط فيه البهبيتي من تعصب قومي، وما تعمده أنور الجندي خلال ثمانينيات القرن الماضي، تكرر في التسعينيات كذلك؛ ففي عام 1996 أشار الدكتور مصطفى النشار وهو الأكاديمي المتخصص في الفلسفة إلى واقعة الانتحال المزعومة في كتابه "فلاسفة أيقظوا العالم" الصادر في طبعته الأولى عام 1996، وجعل زقزوق مصدرًا للمروية، (حادثة اغتيال في مؤتمر إسلامي، 10:8).

ورغم تدارك الدكتور محمود زقزوق لهذا الخطأ الفادح بعد مرور 16 عامًا من إدراجه في الطبعة الثانية من كتابه، فإن صدى الانتحال المزعوم ظل يتردد وسط عقول أقرب بالطبع إلى تصديق الأوهام والقبول بفكرة المؤامرة، وفقما صنع الداعية الإسلامي الدكتور عدنان إبراهيم الذى اتخذ من هذا الانتحال المزعوم موضوعًا تشويقيًا لسلسلة محاضرات بثها على موقع "يوتيوب" في عام 2012 تحت عنوان "سلسلة الغزالي.. الباحث عن الحقيقة" لأغراض مذهبية ودعائية بعيدة كلّ البعد عن الحقائق والتاريخ، (حادثة اغتيال في مؤتمر إسلامي، 20:17).

كما تناقله عنه بعض كتاب الرأي في الصحافة العربية بعد ذلك بعشر سنوات على نحو ما فعل الدكتور عماد الجبوري في سلسلة مقالات جاءت تحت عنوان "هل سرق ديكارت الغزالي؟" ليظل صدى المروية المدلسة يتردد في الأفاق رغم مرور ما يقرب من نصف قرن على وقائعها المختلقة،  (حادثة اغتيال في مؤتمر إسلامي، 16:11).

المدخل إلى دراسة التاريخ والأدب العربيين
المدخل إلى دراسة التاريخ والأدب العربيين

ثمة مفارقة عجيبة في شهرة هذه القصة ورواجها، فأحداثها جرت في إحدى دول المغرب العربي وهي (الجزائر) وبطلها الرئيسي أيضًا من إحدى تلك الدول هي (تونس) لكن شهرتها ورواجها كانا في بلاد المشرق العربي؛ والفضل في ذلك يعود إلى فهمى هويدي الذى كفل القصة (اليتيمة)، وحملها معه إلى القاهرة لتعيش فيها إلى أن التقطها محمود زقزوق وتعهدها بالرعاية وأوصلها إلى الشهرة، أما مرحلتها في النجومية فقد وصلت إليها متأخرةً من خلال عدنان إبراهيم الذى حولها إلى فيلم يجمع ما بين تجسس، وموت غامض، وتحقيق بوليسي". (حادثة اغتيال في مؤتمر إسلامي: 69).

على نحو ما تقدم تشكلت وقائع "الحديث المرسل للكعاك" من الجزائر تحت وقع حساسية القومية العربية دون سند علمي، أو قل هي كواليس الانتحال المزعوم من ديكارت لمنهج الغزالي الذى نأمل أن تتبدد أضواؤها تحت مجهر استقصاء الباحثين والمتخصصين، إذ بات من العبث أن نردد هذه الوقائع المختلقة على أنها حقيقة تاريخية؛ لأسباب تتعدد أهدافها لدى مروجيها، وإنْ كان على سبيل الخطأ والغفلة.

تابع مواقعنا