الخارجية الكولومبية لـ القاهرة 24: نرفض التلميحات العسكرية ضد أراضينا.. وسنواصل دعمنا للقضايا الإنسانية ومنها فلسطين| حوار
مع تحويل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداته لدول أمريكا الجنوبية إلى واقع باعتقاله الرئيس الفنزويلي من خلال عملية عسكرية خاطفة، سارعت دول عدة حول العالم إلى إدانة الخطوة الأمريكية وسط مخاوف من امتدادها إلى باقي أمريكا اللاتينية، لا سيما مع إعلان ترامب وجود آخرين في قائمة اتهاماته المتعلقة بتهريب المخدرات.
إحدى الدول التي واجهت سيلا من التهديدات والاتهامات الأمريكية، كانت كولومبيا جارة فنزويلا ورفيقتها أيديولوجيا، ولم يخف ترامب تهديداته لرئيسها جوستافو بيترو، عندما زعم أن بلاده تسمح بصناعة الكوكايين وتهريبه إلى أمريكا، لكن الأخير سارع إلى النفي فيما طالبت بوغوتا واشنطن إلى الاطلاع على جهودها في مكافحة المخدرات والتعاون معها بما يضمن سيادة الدول وفي إطار القانون الدولي بدلًا من سياسة التهديدات والانتهاكات.
وتواصلنا في القاهرة 24 مع المكتب الإعلامي لوزارة الخارجية الكولومبية، والذي رحب بالحديث معنا لتوضيح موقف حكومته من التطورات الأخيرة، بما في ذلك العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا، وتأثيرها على الأمن والاستقرار في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، كما عرض الرؤية الرسمية لـ بوغوتا بشأن السيادة الوطنية، والتعاون الإقليمي، واحترام القانون الدولي، وموقف الدولة من القضايا الأمنية الإقليمية هناك، والتهديدات المحتملة، والدور الذي يمكن أن تلعبه في تخفيف التوترات بين الدول، لا سيما بين الولايات المتحدة وكوبا.
وكشفت وزارة الخارجية الكولومبية، من خلال الحوار التزام بلادها بمبادئ الاستقلال والسلام والاحترام المتبادل، مع الحرص على تعزيز الحوار البنّاء وتقديم مساهمات فاعلة لحماية السلم والأمن الدوليين، ودعم التعددية على المستويين الإقليمي والدولي، مع إبراز نجاح الحكومة في مكافحة شبكات المخدرات وحماية مصالح شعوب المنطقة، وفيما يلي نص الحوار..
س: كيف تقيّم كولومبيا العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا.. وما تداعيات ذلك على الأمن الإقليمي في أمريكا اللاتينية؟
أبدت الحكومة الكولومبية بوضوح عن رفضها القاطع وقلقها العميق إزاء العمليات العسكرية الأحادية التي اتخذتها الولايات المتحدة ضد فنزويلا، فالهجمات والتدخل العسكري الموجه ضد دولة ذات سيادة ينتهك المبادئ الأساسية المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة والمدونة في القانون الدولي، فمبادئ السيادة، والسلامة الإقليمية، وعدم التدخل ليست هذه المبادئ اختيارية ولا تعتمد على السياق؛ بل تشكل الحد الأدنى من أسس التعايش الدولي.
س: لكن هناك سيل من التصريحات الرسمية من مسؤولين أمريكيين بالسيطرة على ثروات فنزويلا ومن بينها صناعة النفط؟
لا بد أن نؤكد هنا أنه إلى جانب التداعيات السابق ذكرها على المستوى الكلي بسبب هذا الهجوم، تشعر الحكومة الكولومبية بالقلق إزاء تصريحات الولايات المتحدة بشأن نيتها إدارة فنزويلا وحماية صناعة النفط الفنزويلية، ونرى أن الشعب الفنزويلي هو من يجب أن يدير شؤونه بنفسه ويقرر مستقبله، لا قوة خارجية، ونحن نراقب الأوضاع على أرض الواقع، ومستعدون لمواجهة أي تحديات قد تنشأ عن موجات هجرة جديدة أو غيرها من الظروف المماثلة.
س: وبالنسبة لاعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو ومحاكمته في أمريكا على بعض التهم ومن بينها تجارة المخدرات؟
قرار إبعاد نيكولاس مادورو عن بلاده رغمًا عنه يثير قلقًا بالغًا، وقد علمنا أن وزارة العدل الأمريكية تراجعت عن بعض الاتهامات المزعومة التي كانت تربط مادورو وصلته بما يُعرف بـ كارتل دي لوس سوليس يتمثل في اتهامه بقيادة عصابة مخدرات تُعرف باسم كارتل دي لوس سوليس أو كارتل الشمس.
س: هل توجد خطة مشتركة مع دول أمريكا اللاتينية بما فيها كولومبيا لمعالجة الأزمة الفنزويلية؟
أجرت دول المنطقة مشاورات مكثفة بشأن الأحداث في فنزويلا، وبصفة كولومبيا الرئيس المؤقت الحالي لمجموعة دول أمريكا اللاتينية والكاريبي “سيلاك”، عقدت بوغوتا اجتماعًا لوزراء الخارجية في الأيام التي أعقبت الهجمات الأمريكية على كاركاس، وفي ذات السياق كوننا عضوًا غير دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، دعونا أيضًا إلى اجتماع طارئ لمناقشة الوضع هناك، بمشاركة واسعة من دول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.
س: هناك ثمة تصاعد في حدة التصريحات بين الإدارة الأمريكية وكوبا.. هل يمكن لكولومبيا أن تلعب دورًا في تخفيف حدة التوتر بين البلدين؟
كوبا شريك مهم لكولومبيا، ونحن نُقر بسيادة كوبا، وبالحق الذي يمارسه الشعب الكوبي في اختيار مساره السياسي والاقتصادي الخاص به، كما أننا نرفض أي تهديد لسيادة هافانا، وأي أعمال خارجية - سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة - تهدف إلى تقويض حكم الحكومة الكوبية.
ومثلما لعبت كوبا دورًا محوريًا في المفاوضات التي أسفرت عن اتفاقية السلام عام 2016 بين كولومبيا والمجموعة المتمردة السابقة “فارك”، نحن على استعداد للقيام بدور بناء في أي مفاوضات بين حكومتي كوبا والولايات المتحدة، ويجب حل الخلافات بين دول المنطقة بطريقة سلمية وبراجماتية لأن التعايش السلمي ممكن.
س: كيف تصلون إلى التوازن بين التعاون الإقليمي ومبدأ احترام سيادة الدول في هذه الأزمة؟
تتشارك معظم دول المنطقة مع كولومبيا قلقها من أن تصرفات الولايات المتحدة تنتهك القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وهناك إدراك بأن السماح بحدوث هذا النوع من الأعمال دون عواقب قد يؤدي فقط إلى تكرارها والمزيد منها، مما يقرب المجتمع الدولي أكثر فأكثر من الفوضى.
وقد أتاح التوافق الواسع في الآراء حول هذه المسائل لحكومات كولومبيا والبرازيل وتشيلي والمكسيك وإسبانيا وأوروجواي، لإصدار بيان مشترك بشأن الوضع في فنزويلا، واستمرت المشاورات رفيعة المستوى في الأسابيع التي تلت ذلك.
س: ترامب هدد سابقًا باستهداف كولومبيا بدعوى تجارة المخدرات.. ما ردكم على هذه الاتهامات وأثر ذلك على السيادة الوطنية؟
ترفض كولومبيا أي تلميح إلى اتخاذ إجراءات عسكرية أو قسرية ضد أراضيها أو سلطاتها المنتخبة ديمقراطيًا، وقد بذلت الحكومة الكولومبية جهودًا حثيثة لإيصال النتائج الإيجابية لسياستها في مكافحة إنتاج المخدرات والاتجار بها إلى العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة.
س: ما هي الخطوات العملية التي اتخذتها كولومبيا مؤخرًا لمكافحة شبكات تهريب المخدرات؟
لم تسفر سياستنا السابق ذكرها عن تدمير مرافق الإنتاج ومصادرة كميات قياسية من المخدرات وإضعاف المنظمات الإجرامية فحسب، بل ساهمت أيضا في تهيئة الظروف للفئات الأكثر ضعفًا للابتعاد عن تجارة المخدرات غير المشروعة.
وفي هذا السياق، نُثمن الحوار الذي جرى مؤخرًا بين الرئيسين جوستافو بيترو ودونالد ترامب، ويؤكد هذا الحوار أنه حتى في أوقات التوتر، فإن التواصل المباشر والمحترم بين الدول هو السبيل الأمثل لمعالجة الخلافات وإعادة العلاقات الثنائية إلى مسارها المؤسسي.
س: بمناسبة ذكر هذا الحوار.. نتج عنه اتفاق لزيارة مرتقبة في فبراير المقبل للرئيس الكولومبي جوستاف بيترو إلى واشنطن؟
في الوقت الحالي تجري محادثات بين الجانبين الكولومبي والأمريكي بشأن تفاصيل زيارة الرئيس الكولومبي جوستاف بيترو إلى الولايات المتحدة، وذلك في ظل استئناف الحوار مع إدارة ترامب.
س: ما هي الأهداف الاستراتيجية المحددة لهذه الزيارة؟
تسعى الحكومة الكولومبية من خلال تلك الزيارة إلى تحقيق أربعة أهداف:
أولًا: إعادة إرساء حوار بنّاء وودي على قدم المساواة وعلى أعلى مستوى مع حكومة الولايات المتحدة التي تُعدّ وستظلّ شريكًا مهمًا لكولومبيا.
ثانيًا: تزويد إدارة ترامب بمعلومات صادقة وموثقة بالأدلة حول الإجراءات الناجحة التي اتخذتها الحكومة الكولومبية لمكافحة مشكلة المخدرات وغيرها من القضايا الأمنية، ولدينا اهتمام خاص بإثبات نجاح النهج الكولومبي في التعامل مع هذه المشاكل، وتعزيزه للمصالح المشتركة بين كولومبيا والولايات المتحدة.
ثالثًا: التعبير عن قلق كولومبيا إزاء الوضع في فنزويلا، وعرض مساعينا الحميدة لضمان عدم حدوث تداعيات غير مرغوب فيها على المنطقة، بما في ذلك الولايات المتحدة، ومن مصلحتنا أن يسود الاستقرار والازدهار في البلدان المجاورة.
رابعًا: تهيئة الظروف لاستمرار الحوار مع الولايات المتحدة وتوسيعه ليشمل مجالات أخرى ذات اهتمام مشترك، مع الاتفاق الذي تم التوصل إليه في المكالمة بين الرئيسين بيترو وترامب، نعلم أننا نستأنف مسارًا طويلًا ومعقدًا نحو تطبيع العلاقات الثنائية؛ ومع ذلك، فنحن على ثقة بأنه مع تقدم الطرفين باحترام وواقعية وتحديد المصالح المشتركة، سنحقق نتيجة ناجحة.
س: هل هناك أي تعديلات في الاستراتيجية الدبلوماسية تجاه واشنطن مقارنة بالفترة السابقة؟
لا تزال السياسة الخارجية لكولومبيا مسترشدة بمبادئ الاستقلال والسلام، ومحورية الإنسان، ونؤكد على سيادة كولومبيا، وأن صوتها مسموع على الصعيدين الإقليمي والعالمي، وسنواصل استخدام صوتنا للدفاع عن القضايا التي تهم الإنسانية، ومنها أزمة المناخ والإبادة الجماعية في غزة، ولم ولن نتراجع عن هذه المبادئ.
وفيما يتعلق بعلاقتنا مع الولايات المتحدة، فإننا على دراية بموقف إدارة ترامب إزاء القضايا الأمنية في نصف الكرة الغربي الذي نعيش فيه، ونحن على استعداد للعمل مع الولايات المتحدة ضمن مقاربة تحقق مصالحها وفي الوقت ذاته تحقق مصالح حكومات وشعوب المنطقة بالكامل، وسنحافظ على نهج طويل الأمد يجمع بين البراجماتية والالتزام بمبادئنا.
س: هل ستتخذ وزارة الخارجية مواقف محددة أو تتقدم بشكاوى رسمية في المحافل الدولية بشأن ما تعتبره «انتهاكات للسيادة»؟
تُدير كولومبيا سياستها الخارجية بمسؤولية ووضوح، وبصفتها عضوًا غير دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، يقع على عاتق كولومبيا واجب المساهمة في الدفاع عن القانون الدولي ومنع التصعيد الذي يُهدد السلم والأمن الدوليين، كما أننا سنتصرف بحكمة، لا بدافع السلبية، بل بدبلوماسية فعّالة تهدف إلى حماية المبادئ العالمية ومنع الاستثناء من أن يصبح هو القاعدة.
س: وما تقييمكم لدور المنظمات الدولية ومن بينها الأمم المتحدة في التعامل مع الأزمة الراهنة؟
يجب على الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية متعددة الأطراف أن تضطلع بدور فاعل في تعزيز خفض التصعيد، وتيسير الحوار، والحفاظ على السلام، ويجب أن نذكر هنا أن كولومبيا تؤمن إيمانًا راسخًا بأن الأزمات المعاصرة، من غزة إلى فنزويلا، هي تعبيرات عن ديناميكيات عالمية لا يمكن التعامل معها بمعزل عن بعضها البعض، وإن الدفاع عن التعددية اليوم هو دفاع عن إمكانية قيام نظام دولي تحكمه القواعد، لا منطق القوة للأقوى.
س: كيف تقيمون احتمالات توسيع العمليات العسكرية الأمريكية في المنطقة أو أي تهديدات مستقبلية؟
تنظر كولومبيا بقلق إلى بيئة دولية تعود فيها منطق التدخل والإكراه إلى الواجهة من جديد، وإن تطبيع مثل هذه الممارسات لا يقتصر أثره على أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي فحسب، بل يرسّخ سوابق قد تمتد إلى مناطق أخرى من العالم، ولهذا السبب نؤكد أن ممارسة الدول لمصالحها يجب أن تتم ضمن حدود القانون الدولي، ومع مراعاة واجبة للمصلحة الجماعية للمجتمع الدولي.










