نرويها لأول مرة.. قصة "استتابة دراما رمضان".. خبر القاهرة 24 الذي أنقذ الدراما من المقص
المناسبة: إفطار جمع الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، مع عدد من الشخصيات العامة ونخبة مصر الثقافية والسياسية ورجال الدولة، التوقيت: مارس 2025، وبينما كانت مواقع التواصل الاجتماعي غارقة في الجدل حول الأعمال الدرامية التي تُعرض خلال شهر رمضان، والتي قاربت الأربعين عملًا بين إنتاج مصري وآخر من إنتاج بعض الشركات العربية، لكنها أيضًا دراما مصرية، بدا واضحًا أن الرئيس لم يكن راضيًا عن مستوى الدراما الرمضانية، وكرر ما قاله في السنوات الماضية بشأن الدراما.
قال الرئيس:
«إياكم أن ترعوا الغث فقط، والهزل فقط، والكلام الذي لا يبني أمة».
دعا الرئيس إلى تقديم أعمال إيجابية وجادة، وأكد على ضرورة تنشئة الأجيال على القيم والأخلاق المصرية الأصيلة.
بعد أيام، وخلال لقاء المرأة المصرية والأم المثالية، كرر الرئيس رسالته، موضحًا أن الدولة تُجري مراجعة لصناعة الفن بفعل الواقع الذي تغيّر في الفترة الحالية، وأن الدراما كانت في السابق صناعة، لكنها تحولت إلى تجارة.
وليس هذا فحسب، بل أضاف أنه إذا كانت تكلفة صناعة الدراما تصل إلى 30 مليار جنيه، فإن تأثيرها على المجتمع يبلغ أرقامًا كبيرة للغاية، تنفقها الدولة في أشياء أخرى. وأكد أن تصريحاته بشأن أزمة الدراما المصرية لا تعني المنع أو فرض قيود، بل تهدف إلى الارتقاء بالمحتوى الفني للحفاظ على الذوق العام، مشيرًا إلى أن الدولة تعمل على مراجعة صناعة الفن في ظل التحولات التي شهدها المجال خلال العقود الأخيرة.
«الدراما المصرية كانت في الماضي صناعة ذات أهداف واضحة، إذ كانت الدولة تساهم في الإنتاج التلفزيوني بشكل مدروس، بالاعتماد على رؤية علمية وضعها متخصصون في الإعلام وعلم النفس والاجتماع، بهدف التأثير الإيجابي على المجتمع وصياغته ثقافيًا وفكريًا».. من هذه الكلمات تلقفت الهيئات الحكومية وجهات الإنتاج السؤال الأهم: ماذا يريد الرئيس؟
كانت المبادرة من الشركة المتحدة، فأصدرت بيانًا أعلنت فيه أنها بدأت بالفعل في تشكيل لجنة متخصصة للمحتوى، تتولى وضع خطط وبرامج للإنتاج الدرامي والإعلامي، إلى جانب متابعة ورصد الأعمال المنتَجة من الشركة، بهدف تحقيق رؤية واضحة للإنتاج قائمة على تحليل دقيق للواقع.
وجاء في البيان أيضًا: «ستُجري اللجنة مراجعة شاملة للأعمال المقدمة، لتقييم نقاط القوة والضعف، وصولًا إلى توصيات مدروسة تضمن توافق المحتوى مع الأهداف الوطنية والتوعوية، بما يسهم في التطوير المستدام للمشهد الإعلامي المصري».
ولم تكن الهيئة الوطنية للإعلام بعيدة عن المشهد، فنظّمت مؤتمرًا حمل عنوان «مستقبل الدراما في مصر».
هدوء… ولكن؟
خبر القاهرة 24 يكشف عن زلزال.
كان الرأي العام في مصر ينتظر ويترقب ما سيتحقق من رؤية الرئيس في الدراما مع موسم 2026. كان المشهد ضبابيًا إلى حدٍ ما: ماذا سيفعل صناع الدراما؟ وكيف سيتم تفادي الملاحظات التي أثارها الرئيس؟
الأمور بدت هادئة تمامًا. أخبار تنشرها وسائل الإعلام المحلية والعربية عن تعاقد شركات إنتاج مع نجوم الصف الأول والثاني والثالث، وحتى العاشر، للمشاركة في أعمال درامية ستُعرض في شهر رمضان المقبل. لم يكشف أحد عن ضوابط أو محاذير تحت نظر صناع الدراما في مصر.
في التاسعة والنصف من مساء السادس والعشرين من نوفمبر، نشر «القاهرة 24» خبرًا سرعان ما أصبح الأكثر تداولًا في الوسط الفني والإعلامي، وكان عنوانه:
«زلزال في موسم رمضان 2026 بفرمانات لجنة الدراما.. توقف بعض الأعمال وإجراء تعديلات على أغلب المسلسلات».
تبدّل المشهد، فبدلًا من تواصل الزملاء في قسم الفن مع مصادر الأخبار، أصبحوا هم يتلقون الاتصالات من المصادر التي تستفسر عن الخبر، ومن صناع الدراما الذين يتساءلون عن الموقف.
كان خبرًا مقتضبًا لم يتجاوز خمس فقرات، لكن ما تضمنه من معلومات كان كافيًا لإثارة الجميع. صناع الدراما انقسموا بين من ثمّن القرار، ومن أعلن امتعاضه، ومن تشكك فيه، ومن حذّر منه، وبينهم من وقف يراقب إلى أين سينتهي الأمر.
إحدى لجان الدراما كانت المحور الأساسي للخبر، فهي التي خرجت منها الملاحظات على عدد من السيناريوهات المعروضة لموسم رمضان 2026.
ماذا تضمنت هذه الملاحظات؟
عدم الترويج للمخدرات أو التجارة فيها، والابتعاد عن إظهار الخيانة الزوجية أو الفساد في مؤسسات الدولة، سواء لرجال الأعمال أو الشرطة.
الحد من مشاهد البلطجة، وتجنب تسليط الضوء على تجارة الأعضاء بشكل مباشر ومع توضيح الفرق بين التجارة والتبرع.
احترام عقلية المتفرج، وعكس الواقع المصري دون تشويه، مع التركيز على إبراز القيم الاجتماعية والأخلاقية، وعدم إهانة صورة المرأة، بل دعم دورها في المجتمع.
وجاء في متن الخبر الذي نُشر آنذاك أن هذه الضوابط تسببت في مراجعات واسعة داخل الورش الفنية، إذ أُجريت تعديلات على العديد من النصوص، ووُصف ما حدث بـ«الزلزال الدرامي»، الذي أدى إلى توقف بعض المشاريع بشكل مؤقت أو نهائي، في حين أُعيدت صياغة خطوط درامية كاملة لضمان ملاءمتها للمعايير الجديدة، في مشهد غير مسبوق في التحضير للموسم الرمضاني.
ضرب الخبر كل ما رتبه صناع الدراما، والسبب كان واضحًا؛ ففي كل عام، ومع اقتراب الموسم الدرامي، تتسارع وتيرة التحضيرات، ويبدأ الفنانون في البحث عن سيناريوهات، وتتكرر العبارات نفسها: «هناك أزمة في الورق» أو «لا أفكار جديدة»، وهي إشارات تلقي باللوم غالبًا على المؤلفين.
لكن الحقيقة أن أزمة السيناريو ليست وليدة اليوم، بل ممتدة منذ نحو خمس سنوات، وتعكس مشكلة أعمق تتعلق بضعف المحتوى وتكرار الأفكار، سواء بسبب قلة الابتكار أو اللجوء إلى إعادة تدوير أعمال قديمة بصبغة عصرية، بين محاولات ناجحة وأخرى لم تلقَ أي صدى.
ورغم كثرة الأعمال التي تُنتج كل عام، فإن القليل فقط ينجح في الوصول إلى الجمهور والتأثير فيه بشكل حقيقي، مثل مسلسل «تحت الوصاية» الذي ناقش التحرش بالأطفال بواقعية وجرأة، أو «الحشاشين» للنجم كريم عبد العزيز، الذي تناول نشأة الجماعات الإرهابية.
أزمة الورق ليست مجرد نقص في الأفكار، بل دعوة لإعادة النظر في صناعة المحتوى الدرامي، والتركيز على قضايا المجتمع وهمومه، حتى تعود الدراما المصرية إلى مكانتها وتأثيرها الحقيقي.
بين محاولات صناع الفن الحقيقي لتقديم أعمال تلامس الواقع وتعكس قضايا المجتمع، ومساعي بعض المبدعين لصناعة دراما ذات قيمة، ظلت الرقابة حاضرة كطرف مؤثر في المعادلة؛ تارة بتدخل مشروع يضبط المعايير، وتارة أخرى بتدخلات مبالغ فيها تقيد الإبداع وتفقد الفن روحه، ليصبح الأمر في بعض الأحيان عبئًا ينعكس سلبًا على الصناعة نفسها.
فاجأت التوصيات، التي ذُكرت أعلاه، الجميع. ورغم أنها لم تكن مكتوبة، ولا تحمل توقيعًا رسميًا أو سندًا قانونيًا، فإنها بمرور الوقت تحولت إلى تعليمات ملزمة فُرضت على المؤلفين والمبدعين دون توضيح أو نقاش. ورغم محاولات بعضهم الاعتراض والتنبيه إلى خطورة هذه القيود على مستقبل الدراما، ضاعت أصواتهم وسط الصمت، ليجد أغلبهم أنفسهم مضطرين لتعديل النصوص وتغيير خطوط درامية كاملة، ما يهدد بموسم درامي باهت يفتقد روح الإبداع والجرأة، وينذر بكارثة فنية غير مسبوقة.
لكن الأمور تغيّرت بعد نشر القاهرة 24. فمع تصاعد ردود الفعل، خرج الجميع عن صمته، وبدأت الأصوات تعلو. استغل صناع الفن الحقيقيون الفرصة للحديث عن السلبيات، ومنهم الكاتبة مريم نعوم التي أعلنت إضرابها عن العمل في حال عدم صدور تصريح رسمي من مصدر مسؤول يوضح ما نُشر، كما طالب المخرج كريم الشناوي بتوضيح رسمي من الجهات المعنية بالدراما.
جانب من ردود الفعل













لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ اشتعلت مجموعات «واتساب» الخاصة بمؤلفي الدراما، بين مؤيد ومعارض، وبدأ النقاش حول خطورة هذه التوصيات.
ومع تضخم كرة الثلج، بدأ الجميع يعلن تنصّله من الأمر، سواء مسؤولين أو غيرهم. وتلق «القاهرة 24» العديد من الاتصالات الرسمية وغير الرسمية، التي أكدت أن ما نُشر صحيح، لكنه مجرد توصيات شفهية جرى تداولها بالفعل، مع وعد بإعادة النظر فيها.
وهذا ما حدث بالفعل؛ فبعد توقف مسلسلي نيللي كريم ومحمد فراج، عادا مرة أخرى للمنافسة في السباق الرمضاني، بعد تعديل بعض الخطوط الدرامية التي لم تؤثر بشكل واضح على قصة العمل.
كما كان الخبر طوق نجاة لعدد من الأعمال التي كانت قد بدأت التصوير، لكنها واجهت مشكلات في السيناريو، منها مسلسل ماجد المصري، ومسلسل أحمد العوضي، اللذان خاضا معارك شرسة مع لجنة القراءة، قبل أن ينتصرا في النهاية.


