دروس الإسراء والمعراج موضوًعا لخطبة الجمعة اليوم | نص الخطبة
نشرت وزارة الأوقاف نص خطبة الجمعة اليوم بعنوان: «من دروس الإسراء والمعراج.. جبر الخواطر».
نص خطبة الجمعة اليوم
الحمد للهِ ربِّ العالمينَ، رفعَ رسولَهُ إلى المقامِ الأعلى بقوَّتِه واقتدارِه، وأوحى إليهِ ما أوحى منْ أسرارِه، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، ارتقى إلى مقامِ القربِ بقدمَيهِ، والأملاكُ تحفُّ بهِ منْ جانبيهِ، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ عليهِ، وعلى آلِه وأصحابِه، ومنْ تبعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ، وبعدُ:
فإنّ رحلةَ الإسراءِ والمعراجِ تمثّلُ الإعلانَ الإلهيَّ عن عظمةِ النبيِّ الخاتمِ (صلى الله عليه وسلم)، وهيَ التتويجُ الربانيُّ الذي جعلَ من شخصِه الشريفِ محورًا للمكارمِ، حينَ سارَ في ركابِ العزةِ من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى، ليجدَ موكبَ الأنبياءِ والرسلِ في انتظارِه، ليؤمَّهم في صلاةٍ شهدتْ عليها أركانُ التاريخِ، فكانَ إمامًا للمرسلينَ وسيدًا للعالمينَ، وعُرِجَ بهِ في مدارجِ النورِ، ففُتحتْ لهُ أبوابُ السماواتِ ترحيبًا وإجلالًا، حتى جاوزَ حدودَ الخيالِ البشريِّ، وارتقى فوقَ سدرةِ المنتهى، حيثُ تجلّى لهُ من أنوارِ القدسِ ما لم يشهدْهُ أحدٌ من قبلِه، وسمعَ صريفَ الأقلامِ وهيَ تخطُّ مقاديرَ الأكوانِ في حضرةِ ربِّ العالمينَ، ليكونَ هذا الرقيُّ المحمديُّ فخرًا لكلِّ من انتسبَ إلى دينِه، وعزًّا يطاولُ هاماتِ السحابِ، إذ صارَ نبيُّنا هو الإنسانُ الذي وطئَ بقدسيةِ خطاهُ بساطَ القربِ، وشاهدَ بعينيْه ملكوتَ السماواتِ، وعادَ بمنهجٍ يربطُ الأمةَ بأسرارِ السماءِ، ويمنحُها الرفعةَ في الأرضِ، في مشهدٍ مهيبٍ يجسدُ أسمى مراتبِ الاصطفاءِ، ويتوجُ ذلكَ كلَّهُ بمحضِ المشاهدةِ والمكاشفةِ لسرِّ القدرةِ الإلهيةِ التي انحنتْ أمامَ جلالِها كافةُ الصورِ والرسومِ، قالَ سبحانهُ وتعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾.
أيها الكرامُ: في تلكَ الليلةِ المشرفةِ تحققَ مجمعُ الأنبياءِ، ومحشرُ الأرواحِ، والملتقى الأسمى الذي اختارَهُ الحقُّ سبحانهُ ليكونَ ميثاقًا للإعلانِ عن سيادةِ الإنسانِ الكاملِ؛ حيثُ اكتملَ شملُ الأنبياءِ والمرسلينَ قاطبةً في رحابِ بيتِ المقدسِ، فاصطفوا صفوفًا تملؤُها الهيبةُ والإجلالُ، ليكونوا في استقبالِ سيدِ ولدِ آدمَ، ومن خلالِ هذا المشهدِ القدسيِّ يتجلى تعظيمُ الأمةِ المحمديةِ لقدرِ هؤلاءِ الأنبياءِ، فهيَ تلكَ الأمةُ الوارثةُ لفيضِهم، والجامعةُ لأسرارِ حقائقِهم، يقولُ ؛ فنحنُ نرى في كلِّ نبيٍّ منهم نورًا من مشكاة الحقِّ، وفي كلِّ رسولٍ قبسًا من جمالِ الشرعِ، حتى غدا المسجدُ الأقصى في تلكَ الليلةِ شاهدًا على أفضلِ جمعٍ عرفتهُ البشريةُ في تاريخِها ليتحققَ قولُ الجنابِ المعظمِ (صلى الله عليه وسلم): «الأنبياءُ إخوَةٌ لعَلَّاتٍ: دِينُهم واحِدٌ، وأُمَّهاتُهم شَتَّى».
ومن جميلِ إكرامِ اللهِ لنبيّه (صلى الله عليه وسلم) أنْ تقدمَ المصطفى (صلى الله عليه وسلم) لِيؤمَّ جموعَ الأنبياءِ والمرسلينَ في صلاةٍ جمعتْ قلوبَ الأصفياءِ، فكانتْ تلكَ الإمامةُ برهانًا على أن الأمةَ المحمديةَ هيَ الأمينة على تراثِ النبوةِ، والراعية لعهدِ الأنبياءِ، والمعظِّمة لمراتبِهم التي لا يحيطُ بها إلا من اصطفاهمُ اللهُ، ومن هذا المحفلِ المهيبِ الذي عانقتْ فيهِ الأرضُ أطرافَ السماءِ، انبثقتْ آياتُ التعظيمِ والتشريفِ، فسبحانَ الذي جعلَ من نبيِّه مركزًا لهذا الوجودِ، وجعلَ من أمتِنا شهيدةً على الأممِ بحبِّها وتعظيمِها لأنبياءِ اللهِ أجمعينَ.
إن ليلةَ الإسراءِ والمعراجِ كانتْ مشهدًا كونيًّا تجلتْ فيهِ أسمى آياتِ التعظيمِ والإجلالِ للجنابِ النبويِّ الشريفِ من قبلِ الملائكةِ والأنبياءِ، فبمجردِ أن وطئتْ قدماهُ الشريفتانِ رحابَ بيتِ المقدسِ، انحنتْ هاماتُ التاريخِ طاعةً، واصطفَّ موكبُ الأنبياءِ والمرسلينَ في خشوعٍ وجلالٍ، يقدمونَ للنبيّ (صلى الله عليه وسلم) آياتِ التوقيرِ والتبجيلِ، معترفينَ بإمامتِه المطلقةِ التي لا تدانيها رتبةٌ، فكانوا خلفَهُ صفوفًا تملؤُها المهابةُ، يأتمرونَ بأمرِه ويقتبسونَ من نورِه، ثم استمرَّ هذا الاحتفاءُ الإلهيُّ حينَ فُتحتْ لهُ أبوابُ السماواتِ العُلى، فكانَ في كلِّ سماءٍ موكبٌ من الملائكةِ المقربينَ يحيطونَ بهِ في حفاوةٍ بالغةٍ، يزفُّونَ سيدَ ولدِ آدمَ بسلامٍ يملأُ الآفاقَ، ويشاهدونَ فيهِ سرَّ اللهِ المودعِ في بريتِه.
إن هذا التسابقَ من الأنبياءِ الكرامِ في استقبالِه، وهذا التسليمَ من الملائكةِ العظامِ في حضرتِه، يزرعُ في قلبِ الأمةِ فخرًا لا يزولُ؛ فمن كانَ نبيُّه هو الذي تشرئبُّ إليهِ أعناقُ الأصفياءِ في الملأِ الأعلى، وتخضعُ لعظيمِ قدرِه جواهرُ الوجودِ، وجبَ عليهِ أن يرفعَ رأسَهُ عزةً وانتماءً لهذا الجمالِ المصطفى، الذي ترقَّى في مدارجِ القربِ حتى شاهدَ من عجائبِ القدرةِ ما لا يحيطُ بهِ وصفٌ.


