ولكن الضربة قادمة
كانت إيران وما تزال الخبر الأهم في وسائل الإعلام العربية والعالمية، وهي محور محادثات ومناقشات مختلف القوى الإقليمية، وحتى ليلة الجمعة الماضية كانت كافة المؤشرات تشير إلى أن ضربة أمريكية قادمة إلى إيران، وكانت الاختلافات فقط بين المحللين والخبراء هي إلى مدى ستصل الضربات وماهي النتائج التى تريدها الإدارة الأمريكية من تلك الضربة، هل هو عودة إيران مجبرة إلى طاولة المفاوضات حول برنامجها النووي والبرنامج الصاروخي بالطبع أم إسقاط النظام، وإن كانت الغالبية استبعدت خيار إسقاط النظام باعتبارها خيارًا لا يفضله رئيس مثل دونالد ترامب وباعتبار إيران حالة أكثر تعقيدًا بكثير من فنزويلا مثلًا.
سقوط النظام في إيران يعني بالضرورة أن بلدًا إقليميًا - تتفق أو تختلف مع سياساته التي يراها أغلب الإقليم تخريبية تعتمد على وكلاء في مناطق ساخنة ومتداخلة في العديد من الدول، كالعراق ولبنان وسوريا قبل نظام- سينجر هذا البلد إلى فوضى لا تنتهي سيتأثر بها الإقليم، في وقت من المفترض أو يظهر فيها أن غالبية الدول تسعى إلى الوصل بحدة التوتر إلى أقل درجة ممكنة (في الوقت الحالي تجري اتصالات إقليمية لصياغة خارطة طريق إيجابية للخروج من أي تصعيد بالمنطقة) ففي إيران لا توجد معارضة موحدة منظمة قادر حتى على تسلم مقاعد السلطة دون فوضى أو حتى بدرجة تقترب مثلًا من نموذج حزب الدعوة في العراق حتى بما فيهم رضا بلهوي نجل الشاه الأخير الذي عبر ترامب علنًا عن شكوكه في قدرته على أن يكون بديلًا للنظام.
في احتاجاجات إيران الأخيرة كان العامل الخارجي محركًا قوية بذات القدر أو يزيد عن الأوضاع المعيشية المتردية وارتفاع تكاليف المعيشة في إيران بعد انخفاض الريال الإيراني إلى أدنى مستوى له على الإطلاق في أواخر ديسمبر من العام الماضي، رأت فيها الإدارة الأمريكية فرصة مناسبة لتضييق الخناق أكثر فأكثر على النظام الذي يبدو ولو من بعيد صامدًا في وجه قوة العقوبات الأوروبية والأمريكية وتدرج ترامب في التعامل مع الأمر بداية من مناقشة العمليات السيبرانية كخيار أولي وصولًا إلى الضربات الموجهة.
وكما ذكرت تعظامت المؤشرات حتى ليلة الجمعة عندما تلق ستيف ويتكوف مبعوث دونالد ترامب رسالة من عباس عراقجي وزير خارجية إيران يفيد بتجميد عقوبات الإعدام ضد أشخاص ألقت السلطات القبض عليهم خلال الاحتجاجات ليغرد بعدها "أُقدِّر كثيرًا حقيقة أن جميع عمليات الإعدام المقررة شنقًا، والتي كان من المفترض أن تُنفَّذ أمس، وتتجاوز 800 عملية، أُلغيَت بقرار من قيادة إيران.. شكرًا لكم".
هل أوقف ترامب الضربة بالفعل في مقابل وقف الإعدامات في إيران؟ ربما هو السؤال الأهم في الوقت الحالي لأنه يحمل معه ما سيأتي بعد ففي الوقت تشير مختلف التقارير إلى استمرار وصول تعزيزات عسكرية أمريكية وسفن إلى المنطقة وتقوية لقدرات المنظومات المضادة للصواريخ في إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة ( هي الأهداف التي ستكون خيار الرد الأول لإيران حال تعرضها لهجوم ).
كان من التقارير الهامة ما نقلة التليغراف عن مصادر في الإدارة الأمريكية أن السبب التراجع لم يكن وقف الاعدامات فحسب ولكن حجم التقارير من المؤسسات بما فيها وزارة الحرب والتقارير التي زود بها الحلفاء الولايات المتحدة تشير إلى أن مدى التواجد الأمريكي في المنطقة لا يسمح بتوجيه ضربة لإيران في الوقت الحالي ولا في تحمل ردة في الفعل التي قد تقوم بها إيران خصوصًا مع مؤشرات عديدة تشير إلى أنها قد تصعد إلى مستوى يتفوق على ما قابلت به الهجوم عليها في يونيو من العام الماضي.
تنوعت الأسباب التي أدت إلى التراجع فتقرير يؤكد أنه "ليس من الواضح أن قصف مواقع عسكرية ومدنية إيرانية سيساعد الانتفاضة أو يضعف الحكومة" وأخر أن الولايات المتحدة "لا يمكنها ضمان إسقاط النظام الإيراني بسلسلة سريعة من الضربات الجوية وحدها" وثالث يجزم أن الولايات المتحدة "لا تملك في تلك اللحظة الأصول العسكرية الكافية في المنطقة لتنفيذ هجوم واسع ومستدام، وفي الوقت نفسه حماية القوات الأميركية والحلفاء".
ومع تدفق التعزيزات الأمريكية إلى المنطقة يبدو خيار الضربة مطروحًا في اللحظة التي يقرر فيها دونالد ترامب اعتمادًا على تقارير مؤسساته أن الولايات المتحدة مستعدة لضرب إيران بإقل تكاليف ويعزز هذا الطرح ما كشفته وسائل إعلام أمريكية الثلاثاء أن الرئيس يعكف على إعداد قوة عسكرية واسعة النطاق؛ بهدف امتلاك خيارات أكثر شمولًا لمواجهة النظام الإيراني ضرب الأصول الرئيسية لمنظومات القيادة والسيطرة والاتصالات، بالإضافة إلى استهداف تدفقات النفط والبرنامج الصاروخي لإيران.
وبالتزامن مع تلك التطورات تبحث إيران خياراتها أيضًا وربما يتفاجئ الجميع بخطوات إصلاحية غير مسبوقة على مستوى السياسة الداخلية أو حتى التأثير الإقليمي وهناك إشارات إلى أن قيادات إيرانية إصلاحية، يتقدمهم الرئيس بازشكيان، تعمل مع الخبراء والأكاديميين على طرح إصلاحات محتملة.
ولكن إلى أي مستوى تصل تلك الاصلاحات؟ هل ستصل إلى ما تكشف حول وجود قناعات لدى شخصيات مؤثرة ببدء تغيرات داخلية شاملة أكثرها تأثيرا هو تحويل المرشد إلى منصب دستوري رمزي خاضع للبرلمان أو الرئاسة.. وأن حدث فهو بداية نهاية لجمهورية ( الثورة الإسلامية ) ولكن دون ضربة أمريكية وبلا ضمانات حقيقية في تغير سياسات إيران وبلا عودة لرضا بهلوي.


