الثلاثاء 03 فبراير 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

مدير مركز الإمام الأشعري بالأزهر يطلق نداءً علميًّا لإعادة قراءة تاريخ الفرق والمذاهب قراءةً نقديةً منصفة

القاهرة 24
دين وفتوى
الثلاثاء 27/يناير/2026 - 01:54 م

قال الدكتور حسن الشافعي، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، مدير مركز الإمام الأشعري، اليوم الثلاثاء، إن انعقاد المنتدى العلمي الدولي الأول لمركز الإمام الأشعري تحت عنوان: «الإمام الأشعري ومقارباته الفكرية للفرق الإسلامية، من الخلاف العقدي إلى أفق الحوار وإرساء الوسطية»، يمثل لبنةً فكرية جديدة في صرح الأزهر الشريف، برعاية كريمة من فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب.

وأضاف الدكتور حسن الشافعي: وقوفنا اليوم أمام تراث الإمام أبي الحسن الأشعري إنما هي وقفة أمام لحظة وعي فارقة في تاريخنا المعرفي، فهذا الإمام، سليل الصحابة الأشعريين من أهل اليمن، حين أعلن من فوق منبر البصرة أنه قد ترك حلقات الكلام الاعتزالي إلى رحاب أهل السنة، لم يكن يؤسس لمذهب جديد ولا يخرج على إجماع سابق وإنما كان يحيي مذهب أهل السنة والجماعة ومذهب السلف الصالح من أصحاب رسول الله ﷺ وتابعيهم، بل نشهد وتشهد له مئات الصفحات في «تبيين كذب المفتري» و»طبقات الشافعية» وجمهرة المقالات، بأنه كان المجدد الذي انتظرته الأمة، والمقرر الأمين لعقائد السلف الصالحين.

وأكد عضو هيئة كبار العلماء أن الإمام الأشعري أدرك بعبقريته أن الدفاع عن «صحيح المنقول» في عصر يموج بالشبهات، لا يمكن أن يتم إلا بامتلاك ناصية «أدوات الخلف».. فبنى لنا بعقلٍ بصيرٍ وقلبٍ مخلِصٍ ومنهجٍ إصلاحيٍّ رشيد؛ جسرًا معرفيًا متينًا، تصالحت فيه أدلة العقول مع نصوص الوحي المنقول، وانكسرت على أعتابه موجات التطرف العقلاني والجمود الحشوي على حد سواء.

وأوضح الشافعي أن تأسيس مشيخة الأزهر العامرة -في عهد مولانا طيب العقل والقلب والروح- لمركز الإمام الأشعري، وإطلاق هذا المنتدى العلمي الدولي الأول، ليمثل إعلانا عن مرحلة جديدة من «التجديد الكلامي الأزهري»، نستلهم فيها تراث الإمام الأشعري ومدرسته السنية، لإعادة الاعتبار لعلم الكلام السني، كأداة للدفاع عن العقيدة بالأدلة اليقينية التي تناسب عقلية الإنسان المعاصر، وتجيب عن أسئلته الوجودية القلقة، مستلهمة روح الأشعري الذي وصفه معاصروه بأنه «لم يدع مشكلة إلا أزالها، ولا معضلة إلا أزاحها».  

مدير مركز الإمام الأشعري بالأزهر يطلق نداءً علميًّا لإعادة قراءة تاريخ الفرق والمذاهب قراءةً نقديةً منصفة.. ويعلن مرحلة جديدة من التجديد الكلامي الأزهري
 

وأوضح الدكتور حسن الشافعي أن من أبرز معالم الأمانة العلمية عند الإمام الأشعري ما يتجلى بوضوح في كتابه الجليل «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين»؛ إذ عرض فيه آراء الفرق عرضًا أمينًا، مستخدمًا ألفاظهم ومصطلحاتهم، دون تشويه، أو تحريف، أو تبديل، أو بتر، أو تزيد.. فكان كتابه سجلًّا جامعًا لمذاهب الأمة، ومرآة صافية تعكس تنوّع الفكر الإسلامي في عصره.

وأشار إلى أن الإمام الأشعري لم يكن في مشروعه هذا مجرد مُناظرٍ يطلب الإفحام لخصومه، بل كان باحثًا عن الحقيقة يطلب الاستقامة؛ إذ سما بمقاصده فوق حظوظ النفس في الانتصار للرأي، جاعلًا من «تحرير محل النزاع» غايته الأسمى، ومن «إجلاء الحق لذاته» قبلته التي لا يضل عنها، وبذلك، أرَّخ -بحق وفي مرحلة مبكرة- للنزاهة العلمية في أبهى صورها، مرسيًا قواعد البحث القائم على التثبُّت، والتحقيق الذي لا يعرف المحاباة.

وبيَّن مدير مركز الإمام الأشعري أنه في زماننا هذا، الذي اضطربت فيه معايير الحقائق، واستحكمت فيه نزعات الإقصاء والتشويه، تغدو الحاجةُ ماسّةً إلى استحضار «أخلاقيات النظر» وروح الإنصاف التي أصلّتها مدرسة الإمام الأشعري، تلك الأخلاق الذي نطق بها كتابه العظيم «المقالات»، فأضحى دستورًا للعدل الفكري، يزنُ الآراء بموازين القسط، وينأى بالحقيقة عن حومة السجال.

وأردف الدكتور حسن الشافعي: «مركز الإمام الأشعري» بالأزهر الشريف، وهو يحيي هذا الإرث العلمي النفيس، لا يكتفي باستحضار ماضٍ مجيد، بل يطلق نداءً علميًّا واعيًا إلى العلماء والمفكرين والباحثين المعاصرين، يدعوهم فيه إلى إعادة قراءة تاريخ (الفرق والمذاهب) قراءةً نقديةً منصفة، لا بقصد اجترار الماضي وإعادة إنتاجه؛ بل لاستلهام تلك الموضوعية الأشعرية الفريدة في إنصاف الآراء، وتحرير مواقع الخلاف، وبناء خطاب علمي متوازن، يضع الفكر الإسلامي المعاصر في موضعه الشريف الذي يليق به على خارطة الأفكار في العالم.

ولفت إلى أن من أخطر القضايا التي تنبه إليها الإمام الأشعري مبكرًا قضية التكفير للمخالفين، إذ أدرك أن خطورته لا تقف عند حدود الحكم الأخروي، بل تمتد آثارها إلى الحياة الدنيوية: من استحلال الدماء، وانتهاك الأعراض، وتفكيك المجتمعات والأوطان، وتبرير الفوضى باسم الدين. وقد وعى الأشعري مبكرًا أن التساهل في مسألة التكفير يمثل «فتنة نار عمياء» تهدد استقرار الأمة وأمنها الداخلي، فأسس ضوابط حازمة تكبح جماح التطرف، وتحول دون استغلال الدين ذريعة للتشدد والإقصاء.

وحذر خلال كلمته مما أصاب الأمة اليوم من نيران فتاوى التكفير العشوائية، وظهور فئات تكفر المسلمين، وترفع السلاح في وجوههم، وأن الأزهر الشريف يدرك كم كان هذا الإمام بعيد النظر، وكم نحن بحاجة إلى إعادة تدريس «عقيدته» ومذهبه السني وتوسطه الفكري في كافة مدارسنا وجامعاتنا ومساجدنا، مضيفًا: إننا في «مركز الإمام الأشعري» نُشهد الله على ميثاقٍ عقدناه، أن نحمل راية هذا الإمام؛ وألا نَكِلَّ أو نَمَلَّ حتى نزرع في نفوس شبابنا يقينًا لا يهتز، وبصيرةً نافذةً لا تزيغ، بل تكون لهم حِرزًا ونجاة؛ تتكسرُ عليها نصالُ المتطرفين، وتتعرى بها ضلالاتُ شعاراتهم التي تبرقُ بالهداية وتستبطنُ الغواية، لتظلَّ دماءُ الأمة وحرماتها في مأمنٍ من كل خِداع.

وقال حسن الشافعي في كلمة وجهها إلى علماء الفرق الإسلامية وأتباعها: «إنني أقفُ اليومَ على مشارفِ القرنِ من العمر، وما بقيَ في القنديلِ إلا القليل، وإنني لأنظرُ بقلبي قبلَ عينيَّ إلى مشهد أمتنا، فأرى أنَّ ما يجمعُنا يفوقُ -بما لا يُقاس- ما يُفرّقُنا، ولكنَّ آفةَ التشرذمِ أكلتْ من عافيتِنا ما لم تأكله السيوف والحراب والدسائس».

ووجه نداءً قائلًا: «إنني من فوق هذا المنبرِ الذي يحملُ اسمَ الإمامِ الأشعري؛ إمامِ التجمع لا التفرق، والتوحيد لا الاختلاف، أوجِّهُ نداءً صادقًا، بقلبٍ يرجو لقاءَ ربهِ وهو راضٍ عنه إلى إخواني من الحنابلةِ والزيديةِ والإباضيةِ والشيعة والفرق الإسلامية كافة، استمعوا نداءَ أخٍ لكم، تذكروا أيها الإخوة أن (خَصمَنا) المتربصَ بدينِنا وقيمِنا، لا يفرّقُ -في حقدِهِ- بينَ أشعريٍّ، وبين حنبليٍّ فالجميع عندهُ مؤمنٌ بـ (غيبٍ موهوم) يريدُ هو تجفيفَ منابعهِ من النفوس».

تابع مواقعنا