أيادٍ تصنع الأمل.. القاهرة 24 في جولة داخل مصنع تمور التكافل بالوادي الجديد قبل شهر رمضان
في الساعات الأولى من العمل داخل مصنع تمور التكافل بالخارجة في محافظة الوادي الجديد، يهيمن حضور النساء وذوي الهمم على كل زاوية من الصالة. أيادٍ متحركة بسرعة وثبات تمرر العبوات من محطة إلى أخرى، ووجوه مركزة تتفقد كل خطوة بدقة، بينما يشارك الزملاء الآخرون في الإيقاع اليومي للصالة. بين ضجيج الآلات وصخب الخطوط، تشعر وكأن المصنع بأكمله ينبض من خلال هؤلاء العمال، حيث النساء يصنعن الفارق، وذوي الإعاقة يثبتون أن حدود القدرة تتخطى الجسد.
قبل شهر رمضان، يبدو المشهد روتينيًا للوهلة الأولى، لكنه يخفي قصص صمود يومية. كل عبوة تُغلق أو تُوضع على الرف ليست مجرد منتج، بل يومية لأسرة، رزق مكتسب بجهد، ومساحة لتمكين مستفيدي برنامج “تكافل وكرامة” ليقفوا على أقدامهم ويصبح العمل والكرامة جزءًا من حياتهم اليومية.
ندى طلعت، تتقدم على خط التعبئة بخطوات ثابتة رغم إعاقة في الذراع الأيمن منذ ولادتها. كل عبوة تمر بين يديها تعني يومية لأسرتها، ومصروف منزل تتحمله منذ وفاة والدها قبل عشر سنوات. حاصلة على بكالوريوس تجارة، وأخذت على عاتقها دعم والدتها وإخوتها، وفي الوقت نفسه تجهز نفسها لزفاف قريب.

تقول الفتاة العشرينية بهدوء، بينما يمرر أحد الزملاء العبوات بجانبها: “العمل صعب وثقيل، لكن كل ما أزود سرعتي يزيد إنتاجي، وتزيد قيمة يوميتي”، داخل الصالة، ضجيج الآلات يصنع إيقاعًا ثابتًا، لكنها تعلم أن هذا الإيقاع هو ما يربطها بالحياة اليومية، وبالكرامة التي منحها إياها مصنع تمور التكافل، ضمن برنامج “تكافل وكرامة” الذي أتاح لها فرصة العمل منذ موسمين، بداية من سبتمبر وحتى مارس، بعد أن جاءت لها الفرصة عبر مديرية التضامن الاجتماعي، ورغم صعوبة العمل اليدوي لظروفها الصحية، فإنها تعتبر نفسها محظوظة بهذه الفرصة.
داخل صالة المصنع، لا يعلو صوت فوق صوت الآلات، تختلط به أصوات العاملين من كل حدب وصوب. وعلى أحد خطوط التعبئة، يقف شاب عشريني يعمل في هدوء شديد، يعبئ العلب واحدة تلو الأخرى، وعلى وجهه ابتسامة لا تفارقه.
سيد محمد السيد، 24 عامًا، من الصم والبكم، وأحد مستفيدي برنامج "تكافل وكرامة" العاملين بالمصنع. لا يجد في إعاقته عائقًا للتواصل؛ فمعظم زملائه تعلموا لغة الإشارة، ويتعاملون معه بسلاسة، وفقًا لحديثه لـ "القاهرة 24" بمساعدة إحدى المشرفات بلغة الإشارة.

يحكي سيد، بلغة الإشارة، أن البرنامج كان بمثابة “باب رزق” حقيقي له، إذ يحصل على دعم نقدي شهري ثابت، بجانب فرصة عمل مناسبة داخل المصنع منذ قرابة عامين. “دي أول شغلانة أكمّل فيها”، هكذا يصف تجربته، بعدما واجه صعوبات كثيرة في فرص سابقة بسبب إعاقته، قبل أن يجد هنا المعاملة الإنسانية والدعم من زملائه.
من جانبه، يقول محمد غريب، مدير مصنع تمور التكافل، إن المصنع بدأ العمل فعليًا عام 2023، ويعتمد على نظام العمالة الموسمية، حيث يعمل بالصالة نحو 35 عاملًا، جميعهم من الفئات الأولى بالرعاية ومستفيدي "تكافل وكرامة"، مضيفًا أن المصنع يضم 3 ثلاجات تخزين، سعة الواحدة 180 طنًا من البلح، وينقسم الإنتاج إلى شقين؛ الأول مخصص لأعمال التكافل والخيريات، والثاني للتعاقدات مع عدد من الشركات.

ويشرح غريب، آليات العمل داخل المصنع، بدءًا من شراء البلح من الفلاحين بسعر يصل إلى 43 ألف جنيه للطن، ثم تخزينه داخل الثلاجات لمدة 15 يومًا لامتصاص أي بكتيريا، قبل المرور بمراحل الغسيل الآلي، والتلميع، والتجميع، والفرز، وصولًا إلى التعبئة والتغليف.
وتصل الطاقة الإنتاجية اليومية إلى نحو 5 أطنان من الكراتين وزن 5 و10 كيلوجرامات، ونحو 6 أطنان من العبوات الصغيرة وزن 700 جرام، بمتوسط أسعار تتراوح بين 58 و75 جنيهًا للعبوة، فيما يُباع الهالك كأعلاف للماشية.

بدوره، أكد يوسف عبد الله، مشرف مؤسسة التكافل التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي، أن فكرة المصنع جاءت من رؤية تنموية تستهدف تحقيق قيمة مضافة لمحصول البلح بالوادي الجديد، مع توفير فرص عمل مستدامة لأبناء المحافظة، خاصة الفئات الأولى بالرعاية.
وأوضح أن المشروع بدأ بمبادرة من مديرية التضامن الاجتماعي، وحصل على دعم مالي قدره 5 ملايين جنيه من الوزارة، إلى جانب توفير الأرض والمبنى وثلاجات التخزين، ليبدأ التنفيذ الفعلي خلال عام 2023.
وأشار عبد الله، إلى أن المصنع قادر على تصنيع ما يصل إلى 1000 طن خلال الموسم الممتد من أغسطس وحتى شهر رمضان، رغم أن الطاقة التخزينية لا تتجاوز 180 طنًا، ما يعكس كفاءة التشغيل ودوران الإنتاج.
وأضاف، أن المصنع لا يستهدف الربح فقط، بل يركز بالأساس على تمكين مستفيدي “تكافل وكرامة” عبر توفير دخل منتظم، واكتساب مهارات عملية، ودمجهم في سوق العمل، خاصة مع زيادة الطلب على التمور قبل شهر رمضان المبارك.










