قراءة للمشهد العالمي المضطرب
لا شك أن مصر تقع في واحدة من أكثر مناطق العالم سخونة وتوترًا، وهو ما يجعل فهم ما يجري حولنا ضرورة لا ترفًا، خاصة في ظل عالم يتغير بسرعة، وتتبدل فيه موازين القوى بصورة تفرض على الجميع إعادة قراءة المشهد الدولي بقدر من الوعي والدقة.
يمكن القول إن المشهد العالمي الراهن بدأ يتشكل بوضوح منذ أن شنت إسرائيل حرب الإبادة على غزة، والتي لم تكن مجرد حرب عسكرية تقليدية، بقدر ما كانت اختبارًا حقيقيًا للنظام الدولي بأكمله. فقد كشفت تلك الحرب حجم الصمت الدولي، بل والتواطؤ غير المعلن، تجاه ممارسات وُصفت بأنها من بين الأكثر وحشية في التاريخ الإنساني الحديث. هذا الصمت لم يكن نابعًا من قوة إسرائيل وحدها، بل من إدراك عالمي بأن خلفها تقف الولايات المتحدة الأمريكية بكل ثقلها السياسي والعسكري، وهو ما حوّل الهيمنة الأمريكية من مجرد خطاب نظري إلى واقع فعلي ملموس على الأرض.
في هذا السياق، يبدو أن واشنطن استخلصت نتائج ذلك الاختبار جيدًا، وكان من أبرزها أن اللحظة باتت مهيأة للانتقال إلى مرحلة أكثر صراحة وأقل مواربة في إدارة النفوذ الأمريكي حول العالم. ومن هنا يمكن قراءة عودة دونالد ترامب إلى السلطة، ليس فقط كنتاج لعملية انتخابية تقليدية، بل كخيار سياسي جرى تمهيد الطريق له بعناية.
فقد جاء انسحاب جو بايدن من سباق الانتخابات، ثم الدفع بكامالا هاريس لمواجهة ترامب، في مشهد بدا للكثيرين غير متكافئ، خاصة مع غياب مرشح ديمقراطي قادر فعليًا على هزيمته. ورغم أن الديمقراطية الأمريكية تقوم شكليًا على أصوات الناخبين، فإن الواقع السياسي هناك يؤكد أن الطريق إلى البيت الأبيض كثيرًا ما يُمهد لمن يُراد له أن يصل.
“اللعب على المكشوف”
عودة ترامب مثلت إعلانًا غير مباشر لبدء مرحلة “اللعب على المكشوف”، بعد سنوات من الخطاب الدبلوماسي المغلف. فمنذ اللحظة الأولى، كان واضحًا أن الإدارة الجديدة تسعى إلى تثبيت مكتسبات ما بعد حرب غزة، والعمل على إخراج إسرائيل من مأزقها العسكري والسياسي بصورة تحفظ لها ماء الوجه، بعدما فشلت، رغم كل ما ارتكبته، في حسم المعركة بشكل كامل. وظهرت في هذا الإطار ما عُرفت بـ”خطة ترامب”، والتي يرى كثيرون أنها لم تكن سوى ترجمة سياسية لأهداف إسرائيلية عجزت الحرب عن تحقيقها، وعلى رأسها فرض السيطرة الكاملة على القطاع وإعادة طرح فكرة التهجير بصور مختلفة، في ظل استمرار الاحتلال وعدم الوصول إلى وقف حقيقي للحرب.
وبعد غزة، انتقل المشهد إلى ساحة أخرى لا تقل دلالة، وهي فنزويلا، حيث بدا أن الولايات المتحدة تمارس نفوذها بأقصى درجاته. فقد شهد العالم تطورات دراماتيكية في التعامل مع النظام الفنزويلي، وصلت إلى حد إقصاء رأس السلطة في مشهد صادم، جرى دون مقاومة تُذكر، ما عكس حجم الاختلال في موازين القوة. الأهم من ذلك كان الصمت شبه الكامل من جانب روسيا والصين، الحليفين المفترضين لمادورو، وهو صمت مثّل لحظة فارقة دفعت كثيرين إلى إعادة النظر في فكرة النظام العالمي متعدد الأقطاب، وفي مدى قدرة تلك القوى على تحدي الإرادة الأمريكية خارج حدود الخطاب السياسي والإعلامي.
في ظل هذه التطورات، بدا ترامب وكأنه يكرس نفسه قائدًا فعليًا لعالم تُدار شؤونه من مركز واحد، وتُحسم فيه الملفات الكبرى بمنطق القوة المباشرة. ومع اقتراب ما يمكن اعتباره الفصل الأخير من فترته الرئاسية، برزت الحاجة إلى إغلاق الملفات العالقة، تمهيدًا لمرحلة لاحقة قد يشهد فيها البيت الأبيض عودة رئيس ديمقراطي جديد، تكون مهمته الأساسية إعادة تجميل الصورة الأمريكية، وتخفيف آثار السياسات الصدامية التي تُمارس اليوم.
هنا عاد ملف إيران إلى صدارة المشهد، باعتباره أحد أعقد وأخطر الملفات الدولية. فالتصعيد العسكري والتحركات الأمريكية في المنطقة أثارت توقعات واسعة بشأن ضربة محتملة، غير أن هذا الملف يختلف جذريًا عن غيره.
فالنظام الإيراني لا يمثل مجرد سلطة سياسية قابلة للإطاحة السريعة، بل هو كيان متجذر، يرتكز على بنية أيديولوجية ودينية، ويتمتع بحاضنة شعبية واسعة، فضلًا عن امتداداته الإقليمية عبر تنظيمات مسلحة وشبكات نفوذ داخل دول عدة.
إن أي مواجهة مفتوحة مع إيران ستكون ذات كلفة باهظة، ليس فقط على المنطقة، بل على المصالح الأمريكية ذاتها، وهو ما يدركه صانع القرار في واشنطن جيدًا. لذلك، لا يمكن الجزم بأن الخيار العسكري هو المسار الحتمي، إذ غالبًا ما تختلف الحسابات التي تُدار في الغرف المغلقة عما يُعرض على المسرح السياسي. وقد تكون التحركات الحالية جزءًا من لعبة ضغط كبرى، تهدف إلى انتزاع تنازلات تتعلق بالملف النووي الإيراني، دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تشعل المنطقة بأكملها.
خلاصة القول، إن العالم يعيش مرحلة اضطراب عميقة، تتراجع فيها الشعارات الكبرى أمام منطق القوة والمصلحة. ولا يبدو أن نظامًا عالميًا جديدًا قد تبلور بعد، سواء في الشرق أو الغرب. وفي ظل هذا الواقع، يصبح على كل دولة أن تدير مصالحها بحذر شديد، وأن تعيد قراءة موقعها في عالم بات أكثر قسوة ووضوحًا، حيث لم يعد الخفاء هو القاعدة، بل أصبح “اللعب على المكشوف” هو السمة الغالبة للمشهد الدولي.


